رحلة كوريا الشمالية.. أسئلة عصية على الرد   
الخميس 25/2/1436 هـ - الموافق 18/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 23:31 (مكة المكرمة)، 20:31 (غرينتش)

أنمار حجازي

عام 2013 لم يكن عاما عاديا في منطقتنا ولا في العالم أجمع. صادف هذا اليوم أيضا الذّكرى السّتين للهدنة التي أوقفت الحرب الكورية عام 53، وأعلن حينها كيم إيل سونغ أن كوريا الشّمالية ستبقى على كفاحها حتى وحدة شبه الجزيرة وهزيمة الإمبريالية العالمية، وهذا ضمن إعلان فوز كوريا الشمالية في تلك الحرب بحسب الخطاب المحلي. أقوالٌ سمعنا أشباهها كثيرا، نحن، أبناء دكتاتوريات الشّرق الأوسط.

خلال هذا العام سُمح للصّحافة الأجنبية بالدّخول إلى جمهورية كوريا الشّمالية لتغطية الحدث الجلل الذي يُشرف عليه الحفيد كيم جونغ أون (رئيس كوريا الحالي). هنا تبدأ "الرّحلة إلى كوريا الشّمالية"، فيلم من هونغ كونغ التي تسعى لأن تبقى مستقلة، من إنتاج قناة فينيكس المتألقة في آسيا البعيدة في المستعمرة الإنجليزية السابقة.

 ما أثار الغرابة في بيونغ يانغ رؤية نساء ورجال بأنماطٍ مقاربة للأنماط الغربية، ولطريقة حياة لا تبدو كما تظهر في الأفلام الأميركية في بداية القرن الحالي عن كوريا الحمراء، كوريا "الخاكية"

يتحدث هذا الفيلم الصحفي عن رحلة مُدّتها خمسة أيام، تبدأ بالوصول إلى مطار سونان الدّولي في بيونغ يانغ المحاصرة من قبل أجهزتها الأمنية وتنتهي مع ليلةٍ يظهر فيها سحر تلك المدينة المحرّمة والمؤقتة فعليا، فالهدنة التي وُقعت سابقا ما زالت قابلةً للاختراق.

هل تتمكن كوريا من تحسين أوضاعها الاقتصادية وتأمين الغذاء للشّعب وتأمين مستقبلٍ أفضل وأكثر انفتاحا في ظلّ عالم ما بعد الخصوصية، وفي ظل هدنة يمكن أن تُخرق في أية لحظة؟ وهي الدّولة التي ما زالت في عزلةٍ خانقةٍ بسبب الدّفاع عن عقيدة كيم إيل سونغ وسلالته؟

أرشيف ولقطات
خلال هذه الرّحلة التي يزور فيها الصحفيون الأماكن المرخّصة فقط، ومنذ البداية، تتوازى اللقطات بين صورٍ أرشيفيةٍ يحتاجها المشاهد بشدّة لإكمال صورته عن كوريا الشّمالية اليوم وصور مما تمكنوا من الحصول عليه خلال الرّحلة القصيرة، أي أن الفيلم يعلن مسبقا بأن كل ما يُشاهد هو فعليا وثائق.

مونتاجٌ متقن خصوصا في الانتقال بين الأرشيف والرّحلة، وفي الانتقال بين أيام الرّحلة ومواضيعها المختلفة. يساعد فعلا على تأكيد المعلومات التي ينقلها التّعليق الجليدي، الذي يقوم فقط بسرد المعلومات ومقارنتها بالأرشيف والدّلائل بكلّ بساطة وبطبقة صوتٍ لا تحمل أي تعبير، لتضع الشّك في النفوس حول كلّ ما تعيشه كوريا الشّمالية وما يعيشه الشّعب الكوري من أيديولوجية رثّة وصعبة المراس. يطرح التعليق بنفس طبقة الصّوت هذه أسئلة تبدو ما زالت عصيّة على الرّد من قبل كوريا، وتُظهر في حقيقتها سخافة ادّعاء السّلالة العسكرية الاشتراكية في كوريا الشّمالية.

من المواضيع التي يركّز عليها هذا الفيلم الصّيني: علاقة الصّين بكوريا الشّمالية التي تُعتبر من حلفائها القليلي العدد. فهذه الذّكرى تؤكّد على فضل الصّين في كثيرٍ من الأمور على جمهورية كوريا الشّمالية. نرى عددا من الحضور، أي من المدعوين إلى هذه التظاهرة من المحاربين القدماء من الصّينيين ممن حاربوا مع القوات الكورية خلال الحرب الكورية التي بدأت في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ويقوم الفيلم بتتبعهم بشكل جزئي خلال الرّحلة الإجبارية.

يطرح الفيلم أيضا تساؤلاتٍ عن تدهور علاقة الصين بكوريا الشّمالية، وبالتالي برنامج هذا البلد النووي وما يطرح من تناقضات وجدالات على السّاحة الدّولية.

يمكن أن تطرح هذه الفكرة في الفيلم تساؤلا واضحا عن تأخر أو تلكؤ كوريا في الانفتاح على العالم، مع العلم أن الصّين قامت بذلك. ويبدو هذا واضحا في تناوب اللقطات بين اللقاءات والأرشيف الذي يشارك في الفيلم كشخصية بذاتها، فكوريا الأرشيف وحكاية الأرشيف لا تحكي تماما كوريا الحالية.

تفكيك المشهد تاريخيا
لا يتردد الفيلم بإظهار حالة العقيدة التي يعيشها الكوريون عن طريق لقاءاتٍ مع أشخاص ذوي شأن في كوريا الشمالية، وسؤالهم عن قضايا معينة كالسلاح النووي، ورد فعل بعض الحضور في التظاهرات الاحتفالية عن إنجازات عائلة كيم وتحليل ومقارنة إجاباتهم مع أدلة مبهمة ومقارنتها مع سردٍ منهجي للأحداث التاريخية وللإحصاءات الاقتصادية، وهذا ما يؤكد على أهمية الفيلم، لاعتماده على بحث تاريخي واقتصادي وأرشيفي معمق. وطبعا يبدو ذلك جليا من بداية الفيلم إلى نهايته.

يزور الصحفيون الأماكن المرخّصة فقط، وتتوازى اللقطات بين صورٍ وأخرى مما تمكنوا من الحصول عليه خلال الرّحلة القصيرة، أي أن الفيلم يعلن مسبقا بأن كل ما يُشاهد هو فعليا وثائق

يتمكن المصور أحيانا من الحصول على لقطات لكوريا اليوم، لبيونغ يانغ. ما أثار غرابتي فعلا رؤية نساء ورجال بأنماطٍ مقاربة للأنماط الغربية ولطريقة حياة لا تبدو كما تظهر في الأفلام الأميركية في بداية القرن الحالي، كوريا الحمراء، كوريا "الخاكية". لكن يبدو أن كوريا اليوم لا تختلف كثيرا عن المخيلة المبنية حولها أيضا. فهي غارقة بالتّقاليد الدّكتاتورية والعقيدة العسكرية الموحِّدة.

كثير من اللقطات في الفيلم تُظهر تماثيل الجد والأب والابن، واستخدام الفن والإعلام والتاريخ لترسيخ هذه العقيدة في قلوب الكوريين كنحت تماثيل كيم إيل سونغ (الجد) بطريقة تقارب -أو بالأحرى تماثل- شكل كيم جونغ أون، اختراعا لأسطورةٍ تاريخيةٍ تبرر وجود هذه العائلة كحاكمٍ وحيدٍ لكوريا الشمالية وبالتالي شبه الجزيرة الكورية.

يأتي تناغم تسلسل الفيلم بسبب المونتاج الرّائع، وتجعل بساطة الطرح من هذا الفيلم وثيقةً مميزةً عن كوريا الشّمالية، لقدرته على وضع معلومات كثيرة أمام المشاهد بطريقةٍ سلسة. ولذكاء الطّرح باستخدام حدثٍ عادي كاحتفالية الانتصار الكوري الشّمالي أو الهدنة لفتح أبواب كثيرة حول حاضر ومستقبل هذا البلد العنيد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة