"مشروع فراشة" حب في الزنزانة   
الأحد 1435/8/25 هـ - الموافق 22/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 21:21 (مكة المكرمة)، 18:21 (غرينتش)

غدير أبو سنينة-ماناغوا 

ليس هذا عنوان الفيلم الروائي المصري الذي لعب دور بطولته الممثل عادل إمام والراحلة سعاد حسني، حين تعرفا على بعضهما داخل أسوار السجن، فـ"مشروع فراشة" لا يحتاج لممثلين ولا لخيال أو سيناريو، فهو يحكي عن سجين وسجينة عاشا قصة حب ساحرة وهما في معتقليْن بعيديْن ودون أن يلتقيا أبدا داخل أسوار السجن.

القصة التي يسمعها المخرج الأرجنتيني سيرخيو كوتشو قسطنطين في إحدى جلسات الأصدقاء ستتبلور فكرتها في خمس دقائق ليكون الفيلم التسجيلي "مشروع فراشة" جاهزا للعرض خلال الشهر الحالي يونيو/حزيران 2014.

تجتمع عناصر كثيرة من موسيقى وشعر ومشاهد طبيعية خلابة في الفيلم، مبقية على الإطار الرومانسي للفيلم الذي جرت أحداثه في ظروف سياسية مرعبة.
أطاح العسكر في الأرجنتين برئيسة البلاد إيسابيل بيرون وسادت الأحكام العسكرية، فاعتقل كثير من الشباب المنتمين للاتحاد الطلابي البيروني ومنهم لينا ودافيد اللذان لم يُتمَّا في ذلك الوقت العشرين عاما

تحت نير العسكر
يبدأ الفيلم وينتهي بخلفية موسيقية وصوت ممثلة تقرأ رسالة عاطفية سنفهم لاحقا أنها كانت ضمن الرسائل المتبادلة بين كتالينا أو لينا غارّاسا ودافيد ماسال أثناء اعتقالهما في الفترة التي خضعت فيها الأرجنتين لحكم العسكر (1976-1983).

في الفيلم سنستمع لشهادات عائلتي دافيد ولينا وللأصدقاء المشتركين، لتكون تلك الشهادات بمثابة لعبة بازل تتكون بشكل كامل عند نهاية الفيلم.

من خلال شهادات أبطاله نعود إلى عام 1976، حينما أطاح العسكر برئيسة البلاد إيسابيل بيرون وسادت الأحكام العسكرية، فاعتقل كثير من الشباب المنتمين للاتحاد الطلابي البيروني ومنهم لينا ودافيد اللذان لم يُتمَّا في ذلك الوقت العشرين عاما.

نستمع لشهادات والد ووالدة وأخت لينا اللذين اعتقلوا معها حين اقتحم العسكر البيت، تفاصيل كثيرة ترويها العائلة عن كيفية المداهمات والاعتقالات، تماما كما تروي أم دافيد اختفاء ابنها الذي كان في الثانوية حين اختفى.

عام 1979 وبضغط من بعض مؤسسات حقوق الإنسان، سيسمح للأهل فقط بتبادل الرسائل في المعتقلات، وسيتيح ذلك فرصة للينا وأختها التواصل مع والدهما.

سجن الفنان خوليو بتهمة حيازة سلاح مع أن سبب الاعتقال الحقيقي كان حيازته كتابا للشاعر الإسباني غارسيا لوركا

شفرة الفراشة
الوالد في معتقله كان كثير الحديث عن ابنته المناضلة والمحبوبة لينا، وكان دافيد يصغي باهتمام لكلامه عنها.

أصبح دافيد يراسل لينا من خلال الوالد، إذ لم تكن الرسائل مسموحة سوى بين الأهل، ولكي يعرف كل منهما أن الرسالة موجهة له فقد كانت كلمة السر المروَّسة على الرسالة هي "الفراشة".

حرص المخرج على اختيار عدد من الرسائل المعبرة والتي ساعدت في التقريب بين روحين لم تلتق أجسادهما أبدا. بدأت الرسائل بدعم كل منهما الآخر وتقوية عزيمته، لكنها سرعان ما أصبحت أكثر حميمية حتى بات تأخر وصولها مصدر قلق لكل منهما.

كان دور العائلة مهما في إنجاح هذا المشروع العاطفي الذي تربى في أحضان المعتقل، فقد أصبح أفراد العائلة الموجودون خارج أسواره يتبادلون صور دافيد ولينا ويوصلونها لكل منهما في تواطؤ ظريف يعكس أملهم في الحياة في وقت كانت ترزح فيه الأرجنتين تحت ديكتاتورية مظلمة.

تتقاطع خيوط القصة أيضا حين يبدأ أحد أصدقاء لينا ودافيد بسرد قصة حب لينا الأولى من خطيبها بيذرو ليذيسما الذي كان من ضمن المفقودين. لقد كانت لينا تلتقي خطيبها السابق في بيت خوليو غونسالس دون أن تعرف هي اسم صاحب البيت، بينما كان هو الصديق الحميم لبيذرو وكان يعلم تماما من هي لينا غاراسا.

أصبح دافيد يراسل لينا من خلال الأهل، إذ لم تكن الرسائل مسموحة للسجناء سوى مع الأهل، ولكي يعرف كل منهما أن الرسالة موجهة له فقد كانت كلمة السر المروَّسة على الرسالة هي "الفراشة"

شهادات
كان بيذرو ضمن الثلاثين ألف مفقود على يد المؤسسة العسكرية التي جعلت مصيرهم مجهولا، بينما سجن صديقه الفنان خوليو بتهمة حيازة سلاح مع أن سبب الاعتقال الحقيقي كان حيازته كتابا للشاعر الإسباني غارسيا لوركا.

يلتقي دافيد بخوليو في السجن ويتعرف على قصة الحب التي ولدت في رحم المعتقل، ويتساءل في آخر الفيلم عن دوره في القصة، وعما لو كان شاهدا عليها، أو إن كان دافيد بديلا لبيذرو مع أنه ليس بيذرو.

تجيب لينا في مشهد آخر أن دافيد هو حب حياتها مع أنها لم تنس بيذرو الذي يلتقي الفيلم أيضا مع أخيه ليروي قصة اختطافه ثم فقده للأبد.

يعمد المخرج إلى تصوير شهادات أبطال الفيلم كلا على حدة، حتى دافيد ولينا الزوجين، لا نراهما مجتمعين إلا في آخر الفيلم الذي ينتهي برقصة تعبيرية من ابنتهما على أنغام موسيقى يشارك الابن بالعزف على إحدى آلاتها.

وعدا أم لينا التي كانت بجانب والدها ولم نستمع لكلامها، فقد كان التصوير فرديا لأن المخرج أراد أن يتحدث كل شخص بأريحية تامة دون وجود آخرين.

المخرج الأرجنتيني سيرخيو قسطنطين أثناء العمل مرتديا علم فلسطين (الجزيرة)

سنطير بحريّة
ومن المشاهد اللافتة في الفيلم تصويره المعتقلات بالأبيض والأسود، وكأنه يريد أن يقول إن تلك الفترة قد اختفت، وإنها أصبحت من الماضي، بينما يصور بالطرق الحديثة شبابا يدهنون جدران المعتقل بألوان فاقعة ويرسمون عليها فراشات بألوان حية إشارة للتغيير الذي حل بالأرجنتين.

ربما تصلح قصة دافيد ولينا لفيلم روائي، فهي في عمقها قصة عاطفية مؤطرة بالأحداث السياسية التي تروي حكاية جيل كامل وتعكس تمرده ورفضه الإذعان للديكتاتورية، بل أيضا ثقافته التي تتبين لنا واضحة جلية في طريقة الكتابة التي لم تخل من الشعر، فقد كانت رسائل دافيد -كما تحكي لينا التي أصبحت زوجة له بعد خروجهما من السجن عام 1983- لا تخلو من قصائد الكاتب الأروغواياني ماريو بينيديتي.

ومن الرسائل التي أرسلتها لينا لدافيد سنستمع لصوت ممثلة تقرأ بصوت عذب: "آه أيتها الفراشات، أحب كلماتك، إنها هواء ونسمات، أتمنى أن نستمر، أعرف أننا سنلتقي يوما ما وسنطير بحرية، قلبي يحدثني بذلك، أعرف أن هذه الكلمات ستتضاعف بالآلاف، وأننا سنقاتل معا من أجل العدالة، من أجلنا، ومن أجل رفقائنا المفقودين".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة