وجوه عديدة لإسبانيا في بناية واحدة   
الثلاثاء 2/7/1436 هـ - الموافق 21/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:42 (مكة المكرمة)، 17:42 (غرينتش)

نييبس مارتين*

الفيلم التسجيلي "بناية إسبانيا" للمخرج فكتور مورينو بدقائقه الـ94 يعد استعارة عن ماض حديث للبلد ومجتمعه حتى أيامنا الحالية في ظل أزمنة اقتصادية خانقة.

يتحدث الفيلم عن إعادة بناء وتفريغ داخلي لبناية تعتبر حتى وقت قريب أطول ناطحات سحاب في البلاد إذ شيدت عام 1953، وتتألف من 28 طابقا ضمت مئات المكاتب والشقق والمحلات التجارية والمطاعم وأحد أرقى الفنادق المشهورة عالميا.

عبر الخط المنشود لكبرى البنايات والمدن في منتصف القرن العشرين، فقد بدأ تشييد البناية عام 1947 لتخدم دكتاتورية فرانكو (1939- 1975) وذلك للترويج أمام العالم لصورة رخاء إسبانيا في مواجهة صورة الفقر المتمكن لسنوات ما بعد الحرب الأهلية الإسبانية. وهو في هذا إنما شاء الترويج للقدرة الاقتصادية للبلاد وخير ممثل عنها هي تلك الرموز الواضحة التي زينت الجدار الأكبر للصالة الرئيسية بزخرفات ورسوم لإله الآلهة زيوس ورموز الرخاء والغنى الأخرى.

المخرج فيكتور مورينو أنهى عمله لكن مالكي بناية إسبانيا رفضوا عرض وتوزيع الفيلم (الجزيرة)

عندما طلب المخرج إذنا بتصوير عملية الهدم الداخلي للبناية عام 2007، لم يعرف سوى القليل عن الصعوبات التي ستواجه فيلمه التسجيلي هذا. لقد حقق ذلك من خلال التصوير بكاميرا محمولة على الكتف، وهذا ما جعله يهدي الفيلم لكل منْ واجه معه الصعوبات وساهم في العمل، خاصة أولئك الذين قبلوا الظهور في الفيلم. لكن بعد الانتهاء من التصوير، لم يوافق بنك سانتاندير، مالك البناية منذ عام 2005 على السماح بعرض وتوزيع الفيلم.

رؤية رأس المال
رأس المال الإسباني الذي ألهم عملية تشييد البناية آنذاك، لم يعجبه اليوم أن يظهر الجانب المعتم والمتدهور لعملية الإصلاحات في مرحلتها الأولى، والتي مع مرور السنين لم تكتمل تماما وبقي البناء فارغا إلا من الواجهة والأعمدة الساندة له.

 لقد أكل التهديم الداخلي كل شيء مميز للبناية ما عدا بعض المرافق المهمة مثل الصالة الرئيسية برسومها وكذلك السلالم وبعض المرافق الأرضية التي تعرضت فحسب لعمليات تجميل وإضافة في مسائل التجهيزات الأمنية والكهربائية.

يبتدئ الفيلم بعرض جوانب تاريخية من البناية في مشاهد صامتة تشير إلى عملية البناء الأولى، تليها مباشرة أشياء مهملة ومتروكة مثل ملابس عتيقة قذرة في الغرف أو لوحة مفاتيح كمبيوتر منزوية في إحدى دورات المياه. بعد هذه المشاهد الصامتة، يرتفع صخب العمل الجاري. معاول وماكينات تفعل فعلها في الجدران والأرضيات. أكثر من مئتي عامل من جنسيات مختلفة، وآخر العمال الذين حافظوا على البناية هم الشخصيات الرئيسية في الفيلم.

البناية تبتدئ بالتخلص من أحشائها الداخلية، ومن ماضيها أيضا. كل تلك الأشياء الرائعة المتعلقة بذكرى البناية تبقى إلى الخلف مع ماضي الشقق ذات الشرفات التي تطل على مناظر المدينة المدهشة، السطوح المغرية بمسابح تطال السماء.

رأس المال الإسباني الذي ألهم عملية تشييد بناية إسبانيا في أربعينيات القرن الماضي، لم يعجبه اليوم أن يظهر الجانب المعتم والمتدهور لعملية الإصلاحات في مرحلتها الأولى، والتي مع مرور السنين لم تكتمل تماما وبقي البناء فارغا إلا من الواجهة والأعمدة الساندة له

يبقى الفيلم مع تلك الحياة البسيطة واليومية لبشر عاشوا فيها أجمل ذكريات أو أكثر أعوامهم تميزا مثل ليلة زواج أو إشاعات عن أحد الأشباح المسيطرة على جزء كبير من البناية، أو الذكرى المؤلمة لرجل فقد زوجته في البناية قبل أعوام من إخلائها وتجريدها من كل شيء.

تتصاعد وتيرة الفيلم عندما تنشغل الكاميرا بالصعود تدريجيا من الأدوار الأرضية حيث المنازع وغرف عمال الصيانة للبناية، لتقوم بجولة بين الغرف والمكاتب دورا دورا لنتوه معها في متاهة شخصيات وأماكن من الصعب المرور بها دون توقف ولو للحظات تمعن وتذكر.

حكاية أخرى
وعلى الرغم من دخول البلاد في الأزمة الاقتصادية، فإن الراديو الذي يستمع له العمال يشير إلى النمو وفرص العمل المرتقبة التي يعلن عنها رئيس البلاد السابق ثاباتيرو (2004- 2012).

 بعيدا عن السياسة والاقتصاد، يسرد العمال بين وقفة عمل وأخرى حكايات عشقهم وبلدانهم وأكلاتهم ودياناتهم، كل شيء له علاقة بالبشر، فجدران البناية تتكفل بذلك ولأعوام طويلة.

بعد عمليات الهدم، يتوقف المشروع الأولي عام 2012 وهو العام نفسه الذي يتوقف فيه الفيلم، وذلك عندما يغادر العمال موقع البناية ليعودوا إلى بلدانهم أو يضافوا لطابور البطالة الطويل.
 

أكثر من 200 عامل اشتغلوا في هدم بناية تمثل رمزا هاما في الذاكرة الجمعية الإسبانية (الجزيرة)

لكن للبناية حكاية تتبع ذلك، ففي العام الماضي اشترى البناية أغنى رجل أعمال في الصين وهو وانغ جيانلين، وقد اشتراها بنصف كلفتها الأصلية تقريبا، ثم  قرر أن يعيد ترميم البناية ويساهم بتحوير المنطقة كلها ومن ضمنها أهم ساحات مدريد المعروفة بساحة إسبانيا.

مع انتظار بدء العمل من جديد في البناية، شرع فيلم "بناية إسبانيا" يؤسس حضوره بالمشاركة في مهرجانات عالمية عديدة، لا سيما بعد ترشيحه لأرفع جائزة وطنية وهي جائزة غويا لعام 2015، والأهم من كل هذا أنه قد بدأ عبر شريط التذكر في الفيلم بتكوين ذاكرة جمعية لهذه البناية المهمة بوصفها تراثا مدنيا لبشر مروا بها وعاشوا فيها وكأنها قطعة مصغرة عن بلد أكبر وعن أرض خاصة بهم وممثلة عنهم.

• كاتبة إسبانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة