فيلم "أبيض" مُهق يواجهون الشمس والظروف القاسية   
الثلاثاء 1435/7/22 هـ - الموافق 20/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 21:23 (مكة المكرمة)، 18:23 (غرينتش)

غدير أبو سنينة-مناغوا

وجه آخر لجمهورية الدومينيكان سيظهر في الفيلم التسجيلي "أبيض" الذي يمتد لساعة ودقيقتين. روح شابة مجدِّدة استحقت أن تحصد جائزة أفضل فيلم تسجيلي في الدورة الأولى لمهرجان الدومينيكان للأفلام الوثائقية (فبراير-2014).

قرية كونستانسا -مسرح أحداث الفيلم- هي مسقط رأس المخرج ميلفين دوران الذي تركها في عمر الـ19 كي يدرس الفنون السينمائية ويعمل في مجالها.

بعد العودة للقرية يقرر دوران أن يصور أطفالا من كونستانسا في مجموعة يطلق عليها اسم "أطفال من قريتي"، وأثناء شروعه في التقاط الصور يتفاجأ بالعدد الكبير للأشخاص المُهق (الألبينو) الذين سيصبحون أصدقاءه لاحقا.
 ظروف اقتصادية سيئة تجبر المُهق على مواجهة عدوتهم الشمس لتأمين اللقمة (الجزيرة)

لون وهوية
للوهلة الأولى نظن أن الفيلم يبتعد عن أي مسائل سياسية أو اجتماعية معقدة، كونه يغوص عميقا في البعد الإنساني لستة أشخاص مُهق، لكننا سنتأكد لاحقا أن معاناتهم في تلك القرية الكاريبية ليست فقط نتاج جينات وراثية، بل لظروف اقتصادية واجتماعية سيئة تجبرهم على الخروج ومواجهة عدوتهم الشمس لتأمين لقمة العيش، ناهيك عن العيش في بلد يكون فيه لون البشرة نوعا من تحديد الهوية.

لن تكون الدومينيكان في فيلم "أبيض" مجرد فنادق ومنتجعات سياحية رغم أن كاميرا دوران تصور بعفوية شديدة الأجواء الطبيعية الرائعة لقريته كونستانسا من غابات وجبال ووديان مكسوة بتدرجات الأخضر، تتجاوز لوهلة بؤس الأحياء الفقيرة التي تدور فيها قصص أبطال الفيلم.

يسوق الفيلم العناصر المسرحية لعرضه، ففي البداية نسمع صياح ديكة، وطيورا مغردة تنبئ ببزوغ الفجر، وعلى التلة الخضراء التي تذكرنا بخشبة المسرح يقف ستة ممثلين متباعدين بلباس أبيض لتشرق الشمس وكأنها خرجت من بينهم ثم تتحول الشاشة للون الأبيض لثوانٍ معدودة، تدرك فيها أن الأبيض هو بطل الفيلم الرئيسي، تتبعها شاشة سوداء كأنما هي ستارة المسرح، ويظهر اسم البطلة الأولى جابيل، الفتاة الرضيعة ذات الأشهر التسعة التي تعيش في عائلة فقيرة ومحبة، ولا نرى بمتطلباتها كطفلة ما يجعلها مختلفة عن أي رضيعة في عمرها.

الكاميرا الصديقة
المشهد الثاني للصبي آرييل (تسعة أعوام) وأخته أنابيلكس (13 عاما) وبينما يبدو الصبي متفاعلا أكثر مع مجتمعه تبدو الفتاة انطوائية خجولة تتردد في الحديث مع الغرباء على عكس علاقتها اللطيفة بأهلها، ويتوجب على الفتى أن يصاحب أباه للعمل في الحقل.

نرى بوضوح جمال الطبيعة والأجواء النقية التي يفتقر إليها العالم التكنولوجي حين يغطس الولد وأبوه بعد يوم عمل شاق في نهر صغير بالقرية.

ستكون الكاميرا صديقة الأبطال في كل خطواتهم، فها هو آرييل يقول لدوران القابع خلف كاميرته إنه سعيد بلونه، وإنه ليس الوحيد بعينين زرقاوين، ثم كيف يضطر آرييل للنظر للأرض حين تدمع عيناه من الشمس.

تتوالى مشاهد خوستا (33 عاما) التي يبدو جلدها مكسوا ببقع داكنة تظهرها ملابسها المكشوفة وهي تتحدث عن حياتها وعملها وذوقها باللباس.

خوستا لا تتعرض فقط لإشكالية الظروف الرديئة التي يقاسي منها المُهق، بل لكل امرأة في تلك القرية زُوّجت برجل يكبرها بثلاثة أضعاف عمرها وهي في سن يافعة.

المشهد الخامس ينفتح على أوغستين بينايس المعروف بشيري (27 عاما) وهو مغنٍّ شعبي يعمل نهارا في الحقول تحت الشمس التي أصبحت صديقة لـ"أعداء الشمس"، لكنه ليلا يمارس هوايته بالغناء في أحد الملاهي الشعبية، ويبدو مقبولا بين الناس رغم ظروفه الاجتماعية الصعبة كوفاة زوجته وعدم تمكنه من إعالة ابنه الوحيد.

ما كان للفيلم أن يتم بجدارة لولا بناء جسر من الثقة مع الشخصيات المشاركة (الجزيرة)
خاتمة بيضاء
المشهد السادس الذي يختتم به دوران فيلمه تظهر فيه المرأة الأربعينية دينورا أكبر المُهق سنا في كونستانسا، ونراها تتحدث مع الكاميرا عن حالة الملل التي تعيشها ومحاولتها تجديد حياتها.

يتحدث زوجها أيضا -وهو شخص عادي كسائر الأزواج المُهق في الفيلم- عن بداية علاقته بـ"دينورا" في جلسة عائلية دافئة كأنه لا وجود لكاميرا غريبة فيها.

 ومن الضروري أن نذكر أن المخرج ما كان ليستطيع إتمام الفيلم لولا أنه بنى جسرا من الثقة والصداقة يصله بأبطاله، الأمر الذي جعلهم يتحدثون بتلقائية تامة عن حياتهم القاسية، لكن في الوقت ذاته رغبتهم في مقاومة المصاعب وعيش حياة طبيعية وتحويل ظرفهم لأمر إيجابي.

وكما بدأ الفيلم ينتهي، إذ يجتمع أبطاله مرتدين الأبيض في الهواء الطلق وبين التلال الخضراء، والكاميرا هذه المرة قريبة جدا من وجوههم بعكس بداية الفيلم، كأنما كانت تلك الساعة كفيلة بتقريبنا إليهم حتى بدت سيماهم مألوفة لنا.

يختتم الفيلم -إذاً- توليفته بأبطاله الذين تبدو عليهم سيماء البهجة والسعادة والأمل دون أن نسمع كلمة نقد واحدة خلال زيارتنا القصيرة لهم، وفي النهاية يسدل ستار أسود على الشاشة لتظهر حروف كلمة "أبيض" بالأبيض مصاحبة أغنية الألبينو شيري.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة