"الهجرة الأخيرة".. هل مصورو الأعراس سينمائيون تسجيليون؟   
الجمعة 1436/8/25 هـ - الموافق 12/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 10:16 (مكة المكرمة)، 7:16 (غرينتش)

 راشد عيسى*

هناك حادثة مأساوية لا ندري كم مرة تكررت دون أن يغير ذلك من مأساويتها، ودون أن يكون التكرار حافزا لاتقاء شرها.. هي حادثة إطلاق نار في حفل زفاف، مما يمكن أن يؤدي أحيانا إلى خطأ كارثي يصيب -غالبا- عددا من حشد المحتفلين.
 
لكن في الفيلم التسجيلي "الهجرة الأخيرة" للإيراني فريدون نجفي، يمكن القول إن المأساة تبلغ ذروتها حين يصدر الخطأ عن والد العروس. تفلت من يده البندقية وهو يطلق النار في الهواء ابتهاجا، فيردي صهره العريس ويصيب آخرين، بينما العروس -ابنته- جامدة من الخوف والرعب لا تقوى على الحراك.

لعلها الحوادث الأكثر توثيقا، فالناس تميل إلى توثيق لحظات الفرح تلك بسخاء بالغ، ويكاد شريط الزفاف يكون الفيديو المشترك الذي يحرص الجميع على الاحتفاظ به. فهل يصح اعتبار كل فيديو زفاف شريطا تسجيليا حتى لو احتوى بالمصادفة على صور مأساوية قد تصل إلى مرتبة مجزرة؟

دية باهظة دفعتها قبيلة العروس التي زُوّجت لشقيق عريسها القتيل وسُجن أبوها عشر سنوات (الجزيرة)

فيلم "الهجرة الأخيرة" (2013) يصلح أن يكون جوابا حين يحول مادة الواقع الخام -أي شريط الزفاف المأساوي- إلى تسجيلي متقن. هنا نرى كيف يتحول "فيديو منزلي" إلى سينما. يعتمد المخرج على ذلك الشريط المنزلي، ويعرض بعض مفاصله مرارا وتكرارا بين ثنايا فيلمه الجديد، لكنه يقرر أن يعالج المادة بطريقته. يذهب إلى أبطال الحكاية وشهودها، يتحدث إلى العروس، والدها، والدتها، جدتها، وكذلك إلى ذوي الضحايا: والد العريس القتيل، والدته، جدته، عمه، وشهود كثر على طرفي الحكاية. بل يذهب إلى المصور نفسه الذي أبقى كاميرته مفتوحة إلى النهاية، فكان أهم شهادة على الحادث. يقول المصور "لقد تناثر الدم والدماغ على كاميرتي ووجهي". إلى هذا الحد كان قريبا من الحدث.

هنا سيتاح لنا أن نشاهد الحقيقة من وجهتي نظر، بل من أكثر من وجهة.. الحقيقة كما حدثت، أي كما تبدو أمامنا على الشاشة لحظة إطلاق النار، وفي هذه الحالة يمكن القول إنها الحقيقة التي يعرفها ويملكها المشاهد، ثم الحقيقة كما يرويها مؤيدو القاتل، وتلك التي تحكى على لسان ذوي الضحايا.

سنرى مأساة تحريف الحقيقة تبعا لأهواء ومصالح وماضي الشخصيات.. عم القتيل يفسر "الجريمة" بالعودة إلى نزاع قديم على الأرض بين القبيلتين، وهو هنا يؤكد أن القاتل تعمّد إطلاق النار على رأس القتيل. معظم الشهود يؤمنون بهذه الرواية، وإلا لماذا كان الضحايا كلهم من جهة واحدة؟ يقول والد العريس القتيل "كان هناك خلافات وأردنا إصلاح الوضع بهذا الزواج، لكن الرجل قام باستغلال الوضع". استذكار النزاع القبلي يستعيد حكاية "روميو وجولييت"، أي قصة حب في قلب نزاع قبلي.

ذلك في وقت كنا نرى القاتل نفسه -وقد بدا على هذا القدر من الطيبة- يبكي ويقول "كنت أحب صهري كأحد أبنائي.. خسرناه بسبب إهمالي وحظي السيئ". كذلك تؤكد العروس "والدي أراد الانتحار بعد الحادثة".

حاولت قبيلة القاتل بشتى السبل الاعتذار والمصالحة، وكانت قبيلة الضحايا تصدهم وترفض اعتذارهم، بل وتهينهم وتسد الطرقات في وجوههم، إلى حد إحراق بيوتهم، مما اضطرهم إلى هجرة نهائية عن المكان.

أحد أقرباء العروسين الذي كانت كاميرته الشاهد الأهم على الفاجعة (الجزيرة)

ولكن يبدو أن حكم المحكمة سيفضي إلى مصالحة بين القبيلتين، سيدفع القاتل دية باهظة تجمعها قبيلته، ثم أعطيت البنت إلى شقيق عريسها القتيل تعويضا عن الدم. القاتل يُحكم عليه بالسجن عشر سنوات، يقول "عندما أخرج ستكون حياتنا القبلية قد انتهت.. كانت هذه هجرتنا الأخيرة".

لكن ليس هذا كل شيء في الفيلم. بالعكس، يبدو أن كل ذلك -على أهميته- ما هو إلا ذريعة لشيء آخر، كأنها طريقة لرسم بورتريه لحياة قبيلة في تلك الجرود الصعبة.. هي إطلالة على يوميات وتفاصيل عيش وعادات وتقاليد القبيلة.

يسلط الفيلم الضوء باستمرار على تفاصيل الرقص وألوان ملابس النساء كما ظهرت في العرس. بعدها مباشرة تصوير الأسود الذي عم ملابسهن وهن يلطمن ويبكين فوق القبور. الكاميرا لا تنصت إلى الشهود والضحايا فحسب، هي دائمة الحَوَمان لتصور عمل أفراد القبيلة على النول، غزل الصوف، التحطيب، الحصول على الماء، كيف يخبزون، كيف يحلبون ماعزهم، كيف يتصرفون في الفرح، كيف يتصرفون في الجنازة، رحيلهم ومواشيهم عبر الجبال القاسية، وبالطبع كانت حيواناتهم دائما جزءا من المشهد، أصواتها، وأصوات أجراسها كانت حاضرة على الدوام، لقد سمعناها أكثر مما سمعناهم.

كل ذلك وصولا إلى تسليط الضوء على عادة حمل السلاح وإطلاق النار، واعتزازهم به إلى حد اعتباره شرفا لهم. وحدها العروس من يستنكر حمل السلاح لأنه يجلب المشاكل، الباقون يقولون إن السلاح هو حياتهم. الجدة مثلا تقسم "إن الدب نزل من الجبل وأخذ اثنين من أطفالي". ويقول آخر من القبيلة "حين تكون أعزل يتجرأ الدب على مهاجمتك".

يعرض الفيلم لمفارقة ساخرة، فأثناء المصالحة بين القبيلتين يخطب رئيس شرطة في القبيلتين فيحذر من استخدام السلاح ويتوعد بمصادرته، بينما يطلق رجال القبيلة النار على مسمعه احتفالا بالمصالحة!

"الهجرة الأخيرة" قدم بورتريه الحياة القبلية في الجرود الصعبة (الجزيرة)

نحن هنا كأننا أمام ذلك النوع من أفلام الرحلات، الذي يحتوي على محاولات تأريخ للثقافات البدائية. نظرة تدعمها إحدى شخصيات الفيلم حين تستحضر فيلما عالج موضوع "الهجرة الأخيرة" نفسه، موضوع السلاح والحياة البدائية للقبيلة، هو فيلم "العشب" (١٩٢٥) لمخرجه مريان سي كوبر، فيروح الفيلم يستخدم مشاهد من ذلك الفيلم المصور بالأبيض والأسود، ليبدو وكأن تفاصيل الحياة هي ذاتها من دون تغيير يذكر.

هكذا، كنا أمام شريط منزلي متواضع صوره مصور أعراس، صرنا أمام فيلم تسجيلي متقن استخدم المادة الخام التي لدى المصور، ليضيف إليها ثقافة الإخراج السينمائي الذي يضع الحدث في مسار ومناخ إبداعي.
__________________
* صحفي وناقد فلسطيني مقيم في باريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة