لغة الإشارة في عالم تسحقه الضوضاء   
الثلاثاء 1437/7/13 هـ - الموافق 19/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 21:13 (مكة المكرمة)، 18:13 (غرينتش)


شارلوت جانون*

هؤلاء الأصدقاء الصم يقولون شيئا تمرديا ومتحررا في العمق "نرغب بشكل مختلف".
الغبطة والحب هذان هما الإحساسان الأولان اللذان يثيرهما لدي فيلم الفرنسية ليتيسيا كرتون التسجيلي "سأسير باتجاهك مع عيني أصم"، وإلى جانب ذلك الرغبة الكبيرة بالإصغاء للآخر، ليس بوساطة أذني ولكن بجسدي كله وبكامل انتباهي، على غرار الأطفال والنساء والرجال الذين نتابعهم في هذا الفيلم الرائع.

تنقلنا المخرجة عبر رسالة موجهة لصديق توفي مبكرا جدا، إلى عالم أغلبيتنا لا تعرفه جيدا، أو لا تعرفه إطلاقا، إنه عالم الصم.

كيف يستطيع المرء بناء شخصيته بطريقة متوازنة وهو في نضال مستمر مع نفسه؟

مع شعور بالذنب بعض الشيء أدرك لأي درجة وأنا في الـ27 أني لا أعلم شيئا عن الصم، وعن كفاحهم ومعاناتهم وتهميشهم الدائم.

يقدم هذا الفيلم التسجيلي بشكل متناوب مقاطع تتابع المخرجة فيها أشخاصا صما خلال لحظات مختلفة من حياتهم وكفاحهم. رسائل مصورة بالفيديو وموقعة، وأصوات خارج الصورة تتوجه بالكلام لصديقها الراحل، ولقاءات حميمة مع الشخصيات بلغة الإشارة مع ترجمة أسفل الشاشة.

يخبروننا كيف سعى المجتمع جاهدا إلى تعليمهم النطق منذ طفولتهم، مع اعتبار لغة الإشارة بالفرنسية لغة ثانوية على نقيض ما قد تكون عليه اللغة "الطبيعية"، مع أننا نلاحظ طوال الفيلم إلى أي درجة يمكن أن يكون التكلم -دون سماع ما يقال- محدودا، وكم هو عبثي وفظيع أن نعلم شخصا ما طريقة تواصل لا يمكنه ممارستها وإدراكها.

وهكذا الطرفة التي يرويها أحد أبطال الفيلم الذي فهم متأخرا حرج الأشخاص الذين يكلمهم لأن صوته يشبه صوت فتاة صغيرة، بالطبع إن كان الآخرون يسمعونه فهو لا يعرف صوته الشخصي. كيف يستطيع المرء بناء شخصيته بطريقة متوازنة وهو في نضال مستمر مع نفسه؟

ومن هنا الطابع المريع لهذا الفيلم التسجيلي، الموجه إلى الصديق الأصم الذي رحل عن العالم بسبب هذه المعاناة كلها، ومن خلال بحثي علمت أن أقل من 5% من الأطفال الصم المسجلين في المدارس في فرنسا يحصلون على لغة الإشارة الفرنسية كلغة تعلم.

تصور ليتيسيا كارتون تجمع هؤلاء، والمظاهرات التي ينظمونها لإسماع صوتهم، وتبرز عبر الصورة بوضوح المجابهة، أو بالأحرى الغياب التام للمجابهة بين هذا المجتمع المتضافر والغاضب والذي يبذل طاقة جنونية لإسماع صوته، وغياب ردة فعل باقي العالم الذي بالكاد يظهر في خلفية الصورة، مع شيء من الفضول اللامبالي.

وإضافة إلى طابع هذا الفيلم التعليمي وحتى التربوي فإنه سياسي بامتياز، لأنه يبين إلى أي مدى الصم (على غرار المخرجة أستخدم هذه الكلمة عمدا، إذ إن وصف "ضعيفي السمع" هو تجميلي وتحقيري) -من خلال إرادتهم بالتأكيد على لغة الإشارة كلغة أولى وكلغتهم الأم، ومن خلال كفاحهم لتسجيل أولادهم في مؤسسات مختصة- هم مثال على محاربة التطبيع، ومحاربة الثقل الساحق لنظام، حيث الاختلاف عنه يعني بالضرورة أن الشخص معاق أو غير متكيف مع المجتمع.

فيلم شعري يفتح الأعين على جمال لغة الصم واستثمارهم المميز للجسد

والميزة الكبرى هنا هي أن ليتيسيا كارتون حققت فيلما شعريا رائع الجمال، هنالك أولا الالتفاتات حيث تصور نفسها من دون تبرج أمام الكاميرا وجها لوجه، وهي بعيدة كل البعد عن النرجسية وتؤكد على الطابع الشخصي جدا والحميمي جدا لهذا الفيلم، ومن ثم لدينا جميع هذه المقاطع، حيث تتجسد لغة الإشارة في الرقص "وأناشيد-الإشارة"، يضاف إليها أحيانا صوت المغنية كامي، وذلك يفتح الأعين على جمال هذه اللغة وعلى الاستثمار المميز جدا للجسد عند الصم، أجساد ونظرات حية، مسكونة، أجساد وصمت، كل ما تفتقده حضارتنا التائهة في غياهب العقل الخالص وضوضاء العالم المعاصر.

هذا الفيلم التسجيلي مهم جدا، ويجب عرضه ليس في جميع المدارس فحسب بل في كل مكان، إنه انفتاح شعري وحميمي على رقعة من العالم بقيت لوقت طويل تعيش في الصمت، ليس هذا الصمت الرائع الذي يهدهد الفيلم، ولكن الصمت المتمثل بغياب الرد من مجتمع قاعدته الغضب ومعاناة أقلية من الناس، قطعة من العالم تطرح أسئلة عالمية، صرخة من القلب تثير الانفعال وتؤثر فينا بالتأكيد.

فيلم لليتيسيا كارتون
2015، 90 دقيقة، ملون، فرنسا
أفلام كاليو
الهيئات العامة للفيلم التسجيلي في لوساس.
ـــــــــــــــــــ
* ناقدة فرنسية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة