أنا المرأة العربية أقود سيارتي   
الثلاثاء 1435/11/22 هـ - الموافق 16/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 19:20 (مكة المكرمة)، 16:20 (غرينتش)

 أنمار حجازي


الأشياء أقرب مما تبدو عليه في المرآة، الجملة الافتتاحية في فيلم "خلف المرآة" للمخرج المصري محمد ممدوح من إنتاج الجزيرة الوثائقية، فيلم يتحدث عن أربع سائقات مصريات لعربات نقل من أعمار مختلفة، لكن السؤال هو ما الذي نراه خلف مرآة هؤلاء السائقات؟ هل هي وجوههن أم هل تمكن الفيلم من تقديم صورة أقرب لحياة هؤلاء النساء؟

تبدو النساء في بداية الفيلم ككل النساء، يتجملن ويلبسن ويطبخن، وبعد لحظة ينزلن إلى معترك الشارع، يثابرن على الخلق بشكل دائم، فقد أدت مصاعب الحياة وغياب الذكر المعيل إلى الاتجاه لقيادة وسائل النقل، ما عدا أم وليد التي اختارت هذه المهنة حبا بها.

يحاول الفيلم إظهار الوحدة الشديدة التي يعشنها، فمعظم اللقطات تأخذهن وحيدات، إما في منازلهن، أو في عملهن أو خلال أحاديثهن، وجودهن مع العائلة أو الأصدقاء خلال فترات العطل لا يغير من هذه الوحدة

يبدو هيكل الفيلم وكأنه مقسم إلى قسمين وبينهما فاصل، القسم الأول يتحدث عن تحدي هؤلاء النساء في سبيل هذه المهنة، وعشقهن البذل والخلق، في الوقت الذي يعتبر فيه نادرا بل وغريبا رؤية امرأة تقود وسيلة نقل عامة.

في الفاصل تلاحق الكاميرا تفاصيل عطلة السائقات ورغبتهن في عيش حياة عادية خلال العطل تعود فيها الأنثى لتسترد ما سرقه الشارع من نعومة وهدوء، إلى أن يأتي القسم الثاني الذي يعبر عن معاناة هؤلاء النسوة من الناحية الاجتماعية، ومدى صعوبة مهنة القيادة في وسائل النقل على المستويين الشخصي والعائلي، وعلى مستوى الاستقرار أيضا.

لكن هذه المصاعب تختلف باختلاف الشخصية والظروف والعربة التي تقودها كل من النساء الأربع اللواتي يشكلن شخصيات الفيلم، فأكبرهن أم وليد سائقة التاكسي التي اختارت هذه المهنة لشغفها بالسيارات، هذه الستينية تربت في منزل يعج بالفتيات، وتمكنت من الحصول على دعم والدها لقيادة التاكسي، يبدو أن التحدي كان السبب الرئيسي في قيادتها للتاكسي.

أم خالد
أما أم خالد التي اشتهرت في مصر كأول سائقة لسيارات شحن بعد هجر زوجها لها وزواجه من غيرها فهي تعبر عن نفسها بتفاؤل وإيجابية، وترى التحدي حافزها أيضا للتقدم ولبذل جهد أكبر في سبيل زيادة خبرتها ونجاحها في مهنتها.

من جهتها، أُجبرت أم سماح على العمل بعد مرض زوجها وعملت في قيادة "الميكروباص" لمدة 17 عاما، لكن الأحوال المادية أدت إلى بيع الحافلة لتزويج بناتها، ويبدو أنها تعيش أوضاعا صعبة حاليا.

أم خالد التي اشتهرت في مصر كأول سائقة لسيارات شحن تعبر عن نفسها بتفاؤل وإيجابية وترى التحدي حافزها أيضا للتقدم ولبذل جهد أكبر في سبيل زيادة خبرتها ونجاحها في مهنتها

داليا، الفتاة الصغيرة المحبة لأنوثتها تعمل في الأحياء الشعبية وتتعرض كل يوم للتحرش ولعشرات المضايقات في عشوائيات القاهرة، تشعر بالخذلان وبفقدان الأمل من المجتمع ومن قدرتها على قبول أحدهم بالزواج بها.

يختلف الانجذاب إلى الشخصيات بين القسمين الأول والثاني، فخلال قسم الإعجاب تتمكن هؤلاء النسوة من النجاح في مهن تعد شبه مستحيلة على المرأة الشرقية يتركز الانجذاب على القسم الفاعل حاليا في الشارع، وعلى القسم الأقوى والأكثر خبرة إضافة إلى التركيز على رغبتهن الجامحة بالقيادة، وتظهر أيضا كيفية تعاملهن مع الآلة بكل حب وأناقة واهتمام، في حين أن القسم الثاني من الفيلم يركز على معاناة النساء كجزء من المجتمع المصري الخانق للمرأة.

تبدو الموسيقى الحزينة مرافقة لداليا بشكل دائم، مما يولد إحساسا بالعجز يماثل الإحساس الذي يتولد عندما بدأت أم سماح بالبكاء خلال تحدثها عن وضعها الحالي، يقوم الجزء الثاني بسرقة أضواء الدهشة من هؤلاء النسوة السائقات ليجعلنا نحس مرة أخرى بالشفقة على المرأة التي تمكنت من خوض غمار المنافسة مع الرجل في أصعب الظروف، وتمكنت أيضا من رعاية منزلها وزوجها وأطفالها في الوقت ذاته.

في مجتمع ضاغط
يحاول الفيلم إظهار الوحدة الشديدة التي يعشنها، فمعظم اللقطات تأخذهن وحيدات إما في منازلهن، أو في عملهن أو خلال أحاديثهن، وجودهن مع العائلة أو الأصدقاء خلال فترات العطل لا يغير من هذه الوحدة، فلا نسمع ولا نرى أي لقطة تأخذ هؤلاء الأشخاص بعين الاعتبار، وحدة لا يمكن تفسيرها، هل هي لانعدام وجود زميلات من النسوة أم بسبب تحملهن أعباء الحياة وحيدات؟

وجهة النظر هذه تؤكد محاولة الفيلم سرد حياة هؤلاء الشخصيات بتركيز الشفقة عليهن، فيلم لا تقدم الكوادر النظيفة ولا الموسيقى الحزينة أو الموسيقى الشعبية أي قيمة مضافة لهؤلاء السائقات لتظهرهن كبطلات في مجتمع ضاغط.

محمد ممدوح مخرج فيلم "خلف المرآة" (الجزيرة)

 لكن المخرج استقى في بعض المشاهد من الذاكرة البصرية المصرية، فيبدو تأثره واضحا في طريقة تصويره لشخصية أم وليد سائقة التاكسي التي تقود في شوارع القاهرة بسيارتها البيضاء والسوداء، ترافقها أغنية لكوكب الشرق أم كلثوم.

طريقة أظهرت أم وليد القوية جزءا من التراث المصري الحديث عكس داليا التي بدت دائما كفتاة تريد إظهار جمالها وشبابها، لكن الصدمة من مجتمعها وخجلها من عملها ظهرا واضحين في الموسيقى المرافقة لها وفي اللقطات القريبة جدا من وجهها المكتنز.

أما أم خالد وأم سماح فقد شكلتا متن الفيلم، لوضوح علاقتهما مع زوجيهما ومع عائلتيهما في حديثهما، وفي اللقطات التي تظهرهما مع أو دون أفراد العائلة، الأولى تظهر بكل قوتها وقدرتها واستقرارها في شاحنتها المنسقة، أما الثانية فتظهر كل وحدتها وتعبها وهي تمشي على جسر إمبابة في نهاية الفيلم.

وينتهي الفيلم مع غروب يدل على نهاية يوم طويل لنسوة تمكنّ من تحدي مجتمع لا يتقبلهن بسهولة، ومع وحدة جافة تعايشن معها لأنها أخف من وطأة الواقع الذي حاولت كل منهن مداورته بطريقة أنثوية كي يتمكنّ من الخلق مرة جديدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة