كم يلزمنا من الوقت لنهرب من شبح الاستبداد؟   
الخميس 1436/3/4 هـ - الموافق 25/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 1:16 (مكة المكرمة)، 22:16 (غرينتش)

عزة سلطان

بينما كان الشعب الروماني يصفق للدكتاتور أينما كان، معبّرا عن ولائه وطاعته لكل ما يقوم به، كان هناك غليان في العمق سينفجر أقرب مما يظن الدكتاتور.

امتلأت الساحة بنحو مائة ألف يستمعون لخطاب الرئيس الأسبق نيكولاي تشاوشيسكو وهو يتحدث في فخر وصرامة، بينما سرت جملة في الحشود "يسقط القتلة" انتقلت من شخص إلى آخر، حتى صارت هديرا يدوي في الميدان. عندها شعر الدكتاتور بأن ثمة خطرا، فهرع إلى الداخل، وسرعان ما استقل طائرته هو وزوجته ليهرب، وخلال أربعة أيام كان الدكتاتور قد سقط.
لم يكن بإمكان الرومانيين أن يستقلوا سياراتهم في الليل، ولا أن يتحدثوا في الموضوعات المهمة عبر الهاتف، فقد تحولت نسبة كبيرة من المواطنين إلى مخبرين وعملاء للأمن السياسي

بعد أكثر من عشرين عاما على سقوط نظام تشاوشيسكو في رومانيا، يتحرى فيلم "رومانيا شبح الاستبداد" حال الشعب الروماني، حيث يذهب محمد قناوي في رحلته لاكتشاف حال شعب بعد ثورته.. الأمر يستحق الاكتشاف، والنتائج على كابوسيتها مذهلة ومزعجة في ذات الوقت.

يلجأ قناوي إلى التنويع في وسائله للكشف، فالفيلم في أحد محاوره يرافق صحفية تُعد موضوعا عن الدكتاتورية وتأثيرها حتى بعد زوال الأنظمة. الرحلة مع الصحفية إلينا فيغولي ولقاءاتها ليست المحور الوحيد في هذا الفيلم الذي يلجأ إلى مقابلات تلفزيونية لا تدخل ضمن برنامج الصحفية، وإنما تُحيلنا إليها حالة الاستقصاء التي تحدث في خلفية الأحداث.

فبينما يزور أحد المواطنين المجلس القومي لأرشيف الأمن السياسي ليقرأ ملفه ويتعرف إلى من وشى به، يظهر المحلل الاجتماعي ليشرح الطبيعة النفسية والاجتماعية للمواطنين. ولا يكتفي قناوي بهذه الطريقة في فيلمه، وإنما يلجأ أيضا إلى استخدام التعليق الصوتي الذي يحمل صبغة تاريخية وتحليلا سياسيا.

ملفات مفتوحة
اسم رومانيا يحمل صبغة أمجاد الإمبراطورية الرومانية في الأزمان البعيدة، وبينما تغفل وسائل الإعلام الحديث عن أوروبا الشرقية منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، يدخل قناوي وطاقم عمله ليكشف عن أوضاع أقل ما نصفها به هو البؤس.

من داخل المجلس القومي لأرشيف الأمن السياسي سنجد عددا من المواطنين الرومانيين ذهبوا ليقرؤوا ملفاتهم، وليكتشفوا أن من وشى بهم في لحظةٍ ما كان أحد الأصدقاء أو فردا من العائلة، بينما تعقب جيرمنا ناجات العاملة في المجلس بأنه وفقا للإحصائيات كان هناك أكثر من مليوني معتقل بغض النظر عن المستوى الاجتماعي، حتى إن هناك عائلات بأكملها دخلت المعتقل.

قد يظن البعض أن عشرين عاما كافية للتخلص من آثار قمعية نظام تشاوشيسكو، وهو الأمر الذي ينفيه عالم الاجتماع دورين دوبرينكو، حيث يُشير إلى أنه "في الثمانينيات عانى المجتمع الروماني من الفصام، الأمر الذي ظل يلازمه حتى أيامنا هذه ونحن في أعوام الألفين.. ما يقوله الناس في منازلهم غير ما يقولونه في الأماكن العامة، وقد اعتاد الناس على تربية أبنائهم على ذلك".

يلجأ قناوي إلى دقات البيانو المتصاعدة في موسيقاه المختارة، صانعا حالة توتر مع الصورة التي تنطوي على توتر أعظم.

الثورة التي نجحت واستطاعت محاكماتها الثورية أن تقضي بإعدام الدكتاتور وزوجته، قد ترسم صورة لنجاح ثورة والتخلص من دكتاتور ونظام قمعي، إلا أن أسوأ ما تغرسه النظم القمعية هي سلوكيات ترسخ في الوعي واللاوعي.

من داخل المجلس القومي لأرشيف الأمن السياسي سنجد عددا من المواطنين الرومانيين ذهبوا ليقرؤوا ملفاتهم، وليكتشفوا أن من وشى بهم في لحظةٍ ما كان أحد الأصدقاء أو فردا من العائلة
لم يكن بإمكان الرومانيين أن يستقلوا سياراتهم في الليل، ولا أن يتحدثوا في الموضوعات المهمة عبر الهاتف، فقد تحولت نسبة كبيرة من المواطنين إلى مخبرين وعملاء للأمن السياسي.

آثار عالقة
وبعد عشرين عاما من زوال نظام تشاوشيسكو، هناك نحو 70% من الرومانيين يرون أن تكوين الثروة يأتي فقط عبر طرق غير شرعية وانتهاك القانون، بينما يقول 17% إنه يجب أن تكون لديك علاقات. وفي تحليل لرادو نيكولاي من مركز أبحاث مكافحة الفساد، فإن هذه الأرقام تشير إلى أن 87% من الشعب الروماني الآن (عام 2010- زمن تصوير الفيلم) مقتنعون بأن الوسائل الوحيدة للكسب السريع في رومانيا هي فقط التي تتبع طرقا غير أمينة.

المحتوى لافت لفيلم "رومانيا.. شبح الاستبداد" حيث تتشابه الظروف والواقع بين رومانيا وعدد من الدول في المنطقة العربية، ومن ثم يصبح المحتوى بمثابة قوة مغناطيسية تجتذب وعي مشاهديه، رغم أن التصوير كان قبل بدء ثورات الربيع العربي.

قوة الموضوع قد تجذب صناع الفيلم للانحياز إلى المحتوى على حساب الصورة، لكن مخرج الفيلم الذي يدرك بذائقته وموهبته أن الأصل في السينما صورة متوافقة مع المحتوى، استطاع أن ينجو من جاذبية المحتوى ليصنع صورة موفقة، فتميزت لقطاته الخارجية بذكاء شديد ورمزية، فهناك امرأة تسير وخلفها رجلان كأنما يتعقبانها، ورجل يقف وخلفه آخر كحالة من المراقبة الدائمة، ذلك ما اعتاده الرومانيون ولم يستطيعوا التخلص منه حتى الآن.

اجتهد قناوي لاستكمال عناصر فيلمه، فدعمه بأرشيف ممتاز، وتمكن من استخدامه بشكل متناغم مع الفيلم، وهو يسعى لاستكمال عناصر الصورة.

فدخول المجلس القومي لأرشيف الأمن السياسي وجهة لنظام بائد، بينما اللقاء مع إحدى المُعلمات هو انعكاس لحالة مستقبلية. يمثل اختيار الضيوف تنوعا في استعراض الموضوع بطرق رأسية وأفقية، كما لم يغفل العمق الذي يكشفه أكثر من اختصاصي.

قناوي يدخل رومانيا ليكشف أوضاعا أقل ما نصفها به هو البؤس (الجزيرة)

التنوع العمري للضيوف يكشف عن الشبح الجاثم فوق صدور الرومانيين. ينتقل قناوي بين ضيوفه كاشفا تنوعا في الرؤية، ومدخلات عدة كلها تؤدي إلى واقع صعب، ويلتقي مع مواطنة رومانية هاجرت، لنكتشف أن عدد المهاجرين من الرومان إلى الخارج نحو ثلاثة ملايين، ونصطدم بحقيقة الأرقام، فالقوة العاملة في رومانيا تبلغ 4.5 ملايين، أي أن ثلثي القوة العاملة الرومانية في خارج البلاد، وهو ما توضحه إيريس أليكس من مؤسسة سورس للمهاجرين.

نجح مخرج الفيلم في عقد موازنة بين المحتوى وباقي عناصر الفيلم من صورة وموسيقي وتوليف، لكن في هذه النوعية الصادمة من الأفلام يبقى الشغف بالمحتوى هو الأوضح، ومن ثم كان ترابط المحتوى وتماسكه إشارة إلى فيلم قوي متميز.

الفيلم لمن يراه الآن يكاد يكون صفعة على وجوه المواطنين الذين خاضت دولهم ثورات الربيع العربي، حيث يرسم صورة كابوسية إلى حد كبير.

فرومانيا (إحدى دول الاتحاد الأوروبي) التي استطاع مواطنوها أن يعقدوا محاكمات ثورية ويعدموا الدكتاتور، لديها أيضا بعض أشكال الشفافية، ففيها مجلس قومي لأرشيف الأمن السياسي ويستطيع المواطنون أن يقرؤوا ملفاتهم بكل يسر.

هذا البلد لا يزال يعاني من آثار الاستبداد، والفصام الاجتماعي، وأنماط الفساد.. فماذا نحن فاعلون في بلادنا؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة