الكاميرا على أرض صلبة   
الثلاثاء 11/10/1436 هـ - الموافق 28/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 2:13 (مكة المكرمة)، 23:13 (غرينتش)


راشد عيسى*

عنوان الفيلم التسجيلي السوري "بعيد، قريب من تخوم الوطن" (٢٠١٤) ٦٢ دقيقة، وهو قد اختير أساسا تيمنا بالفيلم الألماني "بعيد جدا.. قريب جدا" (1993) لـ" فيم فيندرز"، يذكر بعبارة الشاعر الفلسطيني محمود درويش عندما أراد تفسير رحيل الفلسطينيين بعيدا عن بلادهم فوصفه بـ "الرحيل عكس الوطن من أجل تصويب أدق". هذا هو حال ملايين السوريين اليوم، وهم يهجرون عن بلادهم بالقوة، ويظلون، رغم ذلك، يحومون حولها، لصق الحدود.

أساس الفيلم، على ما قال مخرجه الفوز طنجور لـ"الجزيرة"، كان إطلالة على عينة من الطبقة الوسطى السورية عبر مقهى بيروتي في شارع الحمرا، لكن الفكرة أُخذته إلى أمكنة أخرى، لترصد تلك الشريحة في الأردن وتركيا إلى جانب لبنان.



وكما يقول طنجور فقد كان مقصودا أن يبتعد الفيلم عن خيمة اللاجئ، وهو في مهب الغبار والثلج والمطر وعصف الريح، ربما لتصبح هذه المفردات خلفية للمشهد.

هكذا اختار الفيلم عددا من السوريين باتوا كلهم خارج الحدود، ولم يكن محض مصادفة أنهم ينتمون إلى مدن ولهجات مختلفة، وبداهة، ولأن الثورة ضمت مختلف الطوائف، فقد كان أمرا غير محسوب أن ضيوف الفيلم انتموا أيضا إلى طوائف سورية مختلفة.

ناجي الجرف، رئيس تحرير مجلة "حنطة" الناشئة بعد الثورة، وابن مدينة سلمية. محمد ملاك، كاتب مسرحي وإعلامي، وابن مدينة السويداء. حسان عباس، الباحث ومؤسس "الرابطة السورية للمواطنة" وابن الساحل السوري. أبو منتصر الشامي وزوجته ناشطان في مجال الإغاثة. زويا بوستان الإعلامية الكردية والناشطة. هبة العقاد الفنانة التشكيلية وابنة حي الميدان الدمشقي. محمد خير الغباني، الأستاذ الجامعي وابن مدينة حماة. بالإضافة إلى الناشطين صباح حلاق وعبد الجليل الشققي.
تحدث هؤلاء عن تجربتهم التي تراوحت بين الاعتقال والتهديد بالاعتقال والتظاهر وأعمال الإغاثة والإعلام. أهم ما يقدمه مشهد هؤلاء أنه يصعب تصديق أنهم ينتمون إلى ثورة متشددة، أو متطرفة. لقد برع الفيلم في تقديم الصورة التي تستحقها الثورة السورية، المدنية، السلمية، والتوق إلى الكرامة والعدل ودولة المواطنة.

الفيلم برع في تقديم الصورة التي تستحقها الثورة السورية المدنية السلمية (الجزيرة)
بهذا يستطيع الفيلم أن يغيظ أعداءه، أنصار النظام السوري وماكينته الإعلامية التي حاولت إسباغ سمة التشدد الديني على الثورة السورية منذ نهارها الأول. يشبه الفيلم ما تقوله هبة العقاد إنها لاحظت نساء كثيرات يخرجن في تظاهرات حي الميدان يرتدين الخمار درءا لعيون الأمن، لكنها لم تحب ذلك، أرادت أن تخرج سافرة الوجه، كي تدفع شبهة التشدد والسلفية التي يريدها النظام للثورة.

لا حضور للدم
فيلم "بعيد قريب من تخوم الوطن" واحد من أفلام تسجيلية سورية قليلة أتيح لها أن تكون الأكثر احترافا، أن يضع الكاميرا على أرض صلبة، ومعها كل الوقت لتأمل المشهد من غير اهتزاز.

يصعب أن يقدم أحد شهوده بالجمال الذي قدمه طنجور، إنه أولا يعرف بالضبط ما يريده منهم، لا ثرثرة، ولا دموع فائضة، وبالعكس، بدل أن يستغرق في تصوير الدموع، على ما تفعل كاميرات كثيرة، قدم دموع أم منتصر الشامي وزويا بوستان وهي تكابر، فجاءت أكثر تأثيرا.
تخشى الكاميرا الكلام، أو لعلها تعرف أن الصورة أبلغ، فلا يكاد شاهد يكمل العبارة حتى تكون الكاميرا في الشارع، تحاول التقاط مشهد يتساوق مع ما يريد الفيلم أن يروي. فهو قبل كل شيء يريد أن يقدم صورة السوريين قرب حدود بلادهم، كيف يعيشون حياة مماثلة، كما لو أنهم أرادوا مدنهم وشوارع مصغرة؛ هنا، في عمان، محل يحمل اسم سوق الحميدية، وهناك لافتات تعلن عن مأكولات خاصة بالسوريين، كرابيج حلب، محلات الفلافل، خبز سوري.. وهناك أيضا التجارة التي تنتعش على أكتاف السوريين، فترى لافتات تعلن عن بيوت للإيجار للسوريين، وسواها.

الكاميرا تخشى الكلام، أو لعلها تعرف أن الصورة أبلغ (الجزيرة)
كذلك يريد الفيلم أن يروي بالكاميرا مشاهد حياتية بسيطة ومؤثرة، أن تمر لحظات تصور ناشطا وهو يناغي طفلته يصبح حدثا، أو أن تصوب الكاميرا إلى برواز فيه صورة طفلة فيما يروي شاهد تجربة مداهمة بيته من أجل اعتقاله، ركوة القهوة، سقاية نباتات الشرفة، شهود الفيلم في الشوارع الغريبة، ولكن أيضا هنالك حياة الناس في تلك البلاد، نعني سكان البلاد الأصليين.

فالكاميرا تصور بؤساء تلك الأمكنة فيبدو للناظر وكأنه يريد أن يوحي بأنهم سوريون وكيف يعيشون في تلك البلاد، في الوقت الذي يقول المنطق إن لتلك المدن بؤساء أيضا. لن توفر الكاميرا صورة رجل يجر عربة فارغة، البويجية، امرأة تحمل حملا ثقيلا، صورة مقربة لأيد خشنة وأظافر قاسية، عجوز على عكازين، باعة الورد والمسابح، صورة لعابرين على حافة يتشاركان رغيف خبز حاف، باعة القهوة، أشخاص يجرون حقائب سفر.. حين قلت للمخرج يستحيل أن يكون كل هؤلاء سوريين، قال "أردت أن أقول إننا كلنا في كفة الميزان نفسها".

ما يلفت في فيلم "بعيد، قريب من تخوم الوطن" الغياب الكلي لذاتية المخرج. لقد شاع في الأفلام التسجيلية السورية في ظل الثورة أن يحضر المخرج غالبا عبر التعليق المرفق، هذا إن لم يحضر شخصيا بكل وزنه وثقله. غير أن المخرج هنا فضل الاختفاء، لكنه حضر عبر موهبة واضحة لا تخفى.

كذلك، فإن الفيلم يتخفف من مشاهد الدم والتوحش التي سادت أفلام المرحلة، وبالطبع، لا يمكن القول إنها لم تكن على حق في تصويرها ذاك، غير أن هذا الفيلم أراد تصوير أحوال أخرى، فأحوال الناس المرعبة سنراها في خبر يمر على شاشة كمبيوتر الناشطة صباح حلاق على سبيل المثال.

الفوز طنجور غابت ذاتيته في الفيلم وحضرت موهبته بوضوح (الجزيرة)
لا حضور للدم، إلا كبقعة صغيرة لا تلحظ حين تجرح إبهام ناشط فيما يسقى نباتا شوكيا، هنا فقط تصوب الكاميرا على شتلة صغيرة تضج ببقعة دم، تصير وسع الشاشة، لكن الكاميرا لا تنسى الناشط وهو يعالج جرحه الطفيف، فيمص إبهامه المجروح كطفل.

إلى هذا الحد يقدم الفيلم الناشطين السوريين، بهذه الهشاشة، بهذه الرقة، وذاك الحنين الجارف للبلاد كما يعبر عنه الشامي "على ما أرجع أمشي بالقيمرية، أقعد بقهوة النوفرة، فوت على حمام نور الدين الشهيد، البزورية، ناطف قلبي". يقولها الشامي، يغمض عينيه، ويعض شفته السفلى، وربما قلبه.

* ناقد وصحفي فلسطيني مقيم في فرنسا
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة