هل "الحج المحرم" فيلمان في فيلم واحد؟   
الجمعة 1435/8/9 هـ - الموافق 6/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 22:22 (مكة المكرمة)، 19:22 (غرينتش)


عزة سلطان*


يبين فيلم "الحج المحرم" الذي عُرض على شاشة قناة الجزيرة ضمن برنامج "فلسطين تحت المجهر"، كيف تتعامل إسرائيل مع الحجاج المسيحيين القادمين إلى فلسطين.

يبدأ الفيلم بمشاهد تمثيلية مع تعليق صوتي يعرض معلومات عن الأب أوريانوس الذي ولد في مصر عام 185 ميلادية، وترك مصر متتبعا خطى المسيح، والذي نقل عنه الآباء في الكنيسة بعد ذلك الشعائر وطقوس الحج، كما دونها هو.

على الرغم من أنه الفيلم الثاني لمخرجه، فإن أحمد الضامن القادم من عالم التأليف الموسيقي يعزف على شريط الفيلم بوعي شديد، ورغبة كبيرة في صناعة فيلم جيد.
فيلم "الحج المحرم" افتقد لكاتب السيناريو (الجزيرة)
لكن الرغبة وحدها لا تكفي، حيث أصاب الفيلم بعض الارتباك في محتواه، هذا المحتوى الذي بدا واضحا لصُناع الفيلم ومشاهديه من العنوان، لكن عبر الأحداث قد يأتي ما يخالف هذا الوضوح.

فعلى مدار خمسين دقيقة يحفل الفيلم بلقطات تمثيلية ومواد أرشيفية، وتصوير في الأردن وبريطانيا، عكس كل ذلك مجهودا كبيرا. ولا شك أن المواد الأرشيفية كلما كانت جيدة ومختارة بعناية فإن هذا يُعد من محسنات الفيلم وعلامات جودته، والحقيقة أن ذلك قد تم بشكل جيد للغاية.

بل إن الضامن لم يكتف بمواده الأرشيفية، أو لقطاته التمثيلية التي وضعها، لتضفي بعدا جماليا للفيلم، لكنه أضاف أيضا بعض رسوم الغرافيك حول رحلة الحج التي تنظمها اسرائيل.

فرضيات وواقع المشاهد
كان واضحا أن أحمد الضامن تعامل مع رحلة الحج بوصفها حالة معلومة لدى الجميع، فبدأ فيلمه يشرح كيف تتعامل إسرائيل مع وفود الحجاج، ساعية لإبعادهم عن أي منطقة يكون بها فلسطينيون مسيحيون، وكنت أنتظر أن يقدم الضامن عبر إحدى وسائله في الفيلم -سواء على لسان إحدى شخصياته أو بالتعليق المصاحب للغرافيك- طقوس الحج الأساسية، حتى يمكن للمشاهد أن يتعرف على الفروق بين طقوس الحج الحقيقية، وبين ما يقدمه الإسرائيليون، فقد قدم الفيلم مسار الحجاج في الرحلات التي تنظمها إسرائيل.

المواد الأرشيفية في الفيلم كانت جيدة ومختارة بعناية وهذا يُعد من محسنات الفيلم وعلامات جودته ولم يكتف المخرج بهذا بل استثمر المشاهد التمثيلية والغرافيك

يتسبب ذلك في ارتباك لدى المشاهد المسلم والمشاهد المسيحي، اللذين تغيب عنهما طقوس الحج في الأراضي المقدسة.

استخدم مخرج الفيلم شخصية الأب أوريانوس -أو أرجانوس- التي قدمها المخرج في بداية الفيلم، وشخصية فادي قطان المرشد السياحي، المتخصص في رحلات الحج، وما بين فادي الذي يشرح كيف يجري تغييب الأماكن المقدسة الحقيقية عبر تجاهلها أو تقصير زمن زيارتها، وبين لقاءات مع رجالات دين تمضي أحداث الفيلم مشبعة بمواد أرشيفية متنوعة تخدم السياق.

الناصرة إحدى أهم المدن الفلسطينية، والتي جاءت النكبة لتغير منها، وتسعى إسرائيل بشتى الطرق لتهويدها، وهي مدينة ذات قدسية في الديانة المسيحية، ففي الناصرة بشر جبريل السيدة مريم بولادة السيد المسيح، وفي الناصرة عاش السيد المسيح طفولته، ومن ثم فهي مزار مهم في رحلة الحج.

 تهميش الناصرة
وقد تطرق الفيلم لمدينة الناصرة، ومحاولات إسرائيل تهميشها في رحلة الحج، وجعل زيارتها سريعة قد لا تتجاوز 45 دقيقة، ومن ثم فإن ذلك يمنع الحجيج من التواصل مع المسيحيين المحليين.

ومن الدقيقة الـ26 حيث بدأ الحديث عن الناصرة، وأهميتها في رحلة الحجيج، ينتهي الحديث عن الناصرة ليتحول مسار الفيلم متناولا الاضطهاد الذي يتعرض له رجال الدين المسيحيون، موردا عددا من القضايا والأحداث التي تظهر الاضطهاد سواء لرجال الدين أو للأماكن المقدسة.

بدأ الحديث عن الاضطهاد جليا عندما أشار فادي قطان -شخصية الفيلم التي يأتي السرد عبرها- إلى كيف يكيد الإسرائيليون للمسيحيين، في السماح لهم بزيارة الأماكن المقدسة، فيذكر أن الإذن بالزيارة قد لا يشمل كل أفراد الأسرة، وهو الأمر الذي ينتقص أو يقضي على فكرة زيارة الأماكن المقدسة للاحتفال بالأعياد.
لم يأت سياق الفيلم وحدة واحدة، بحيث إنه يمكن مشاهدة الجزء الثاني من الدقيقة 26 دون الشعور بخلل، وهو أمر ليس في صالح الفيلم ووحدة بنيته

اغتيال الأب جيرمانوس رئيس دير وادي القلط عام 2001 جاء بعد أن تعرض الفيلم عبر شرح الضيوف كيف يضطهد المحتل الإسرائيلي رجال الدين بشكل غير مباشر، ولم تكن هذه هي الحادثة الوحيدة في الفيلم بل وردت حوادث أخرى منها الاعتداء على كنيسة البشارة من قبل متطرفين يهود.

تناول مظاهر الاضطهاد الإسرائيلي لرجالات الدين المسيحي والأماكن المقدسة لأكثر من عشرين دقيقة، يطرح سؤالا مهما عن المحتوى، فهل كان الفيلم عن الحج وطقوسه لكن المادة في الموضوع لم تكف لخمسين دقيقة زمن الحلقة، فاستكملها المخرج بحوادث الاضطهاد أم أن معالجة الفيلم احتوت من اللحظات الأولى لصناعة الفيلم على هذا القسم؟
في كلتا الحالتين، لم يأت سياق الفيلم وحدة واحدة، بحيث إنه يمكن مشاهدة الجزء الثاني من الدقيقة 26 دون الشعور بخلل، وهو أمر ليس في صالح الفيلم ووحدة بنيته، حتى مع تلك الحيلة التقليدية التي أظهر فيها الضامن شخصيته التاريخية الأب أوريانوس (في مشهد تمثيلي) في الدقيقة 47 ثم ظهور فادي قطان الشخصية الثانية في الفيلم والتي تمثل الواقع الحالي، وقد ظهر في الدقيقة 48 هذه الحيلة في البناء لا تعني وحدة الفيلم أو العودة لمسار الحج مرة أخرى. 
لو استعان المخرج بمؤلف لقطات "مونتيير" غيره لكان ذلك أجدى للفيلم (الجزيرة)
الموسيقى المميزة التي أعدها الضامن بحكم وعيه الموسيقي، وتلك المواد الأرشيفية التي عُنونت على الشاشة بكلمة "سري" حتى ذلك "الغرافيك"، كلها لا شك عوامل إبهار وعناصر تشير إلى الجودة، لكن الفيلم لم يخرج مبهرا كما أراد صُناعه.

 فالسيناريو أصابه الارتباك، وربما لو استعان الضامن بمؤلف لقطات (مونتير) غيره لكان ذلك أجدى، بحيث وجود عين أخرى تسهل على صانع الفيلم الوقوف على مناطق الارتباك به.

كان يمكن مزج حوادث اضطهاد رجال الدين داخل سياق الفيلم، لا أن تفصل في قسم ثان وحدها. فيلم "الحج المحرم" إجمالا افتقد كاتب السيناريو.
* كاتبة  من مصر
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة