بيت الشرق.. أسسه "الحسيني" وأغلقه الاحتلال   
الأحد 1437/3/3 هـ - الموافق 13/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:03 (مكة المكرمة)، 11:03 (غرينتش)

بيت الشرق، مقدسي، يملكه آل الحسيني، أقيم عام 1897، يحمل بين جدرانه وقائع وشهادات بحقوق أصحاب الأرض والتاريخ، أغلقته سلطات الاحتلال الإسرائيلي نهائيا عام 2001.

الموقع
يقع شمال شرق القدس الشرقية المحتلة، بناه إسماعيل موسى الحسيني، مفتي القدس بالنصف الأول من القرن الماضي سنة 1897 بالشيخ جراح، في حارة الحسينية، شارع أبي عبيدة.

وجرى بناؤه وفق تخطيط أوروبي، بالحجر المقدسي الصقيل، وهو مؤلف من ثلاثة طوابق، واستخدم بيت ضيافة لزوار القدس وخاصة الشخصيات السياسية، ففي عام 1898 شهد حفل استقبال كبير للإمبراطور الألماني وليام الثاني أثناء زيارته للقدس، خلال جولته الثانية بالدولة العثمانية ، والتي اعتبرت في حينها "تجسيدا للصداقة بين الأمتين الألمانية والعثمانية".

وفي أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، أقيمت فيه مراسم العزاء في وفاة الشريف حسين الذي دفن برحاب المسجد الأقصى، وتلقى ولداه فيصل وعبد الله العزاء في بيت الشرق الذي ظل مكاناً لتجمع آل الحسيني ووجهاء القدس وضيوفها حتى حلول النكبة 1948، حيث استأجرته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين لفترة، ثم أصبح مقراً لفندق "الشرق الجديد" الذي أغلق بعد حرب 1967 وأصبح مسكناً لأسرة إبراهيم بن إسماعيل الحسيني.
 
معركة الهوية
وفي عام 1980، اضطلع السياسي الفلسطيني الراحل فيصل الحسيني (17-7-1940 إلى 31-5-2001 ) بدور كبير في معركة الدفاع عن القدس، وكان حريصا على إقامة مؤسسات فلسطينية بالمدينة لدعم أهلها، والحفاظ على هويتها العربية، فأنشأ "جمعية الدراسات العربية" لإعداد الأبحاث التربوية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والسياسية والثقافية من خلال مراكز متخصصة.

وأنشأت الجمعية منذ تأسيسها مراكز متخصصة، هي مركز التوثيق والمعلومات، ومركز المعلومات الفلسطيني لحقوق الإنسان، والمركز الجغرافي الفلسطيني، ومركز أبحاث الأراضي، ومركز استطلاع الرأي العام، ومركز الأبحاث والنشر والطباعة، ومركز التخطيط، ومركز الدراسات والمعلومات السياحية، ودائرة الشباب والرياضة.
 
أقلق نشاط الحسيني سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فأغلقت مقر الجمعية والمؤسسات التابعة يوم 28/ يوليو/ تموز 1988متعللة بذرائع  أمنية، وتكررت أوامر الإغلاق أكثر من مرة على مدى سنوات الانتفاضة الأولى التي كان الحسيني أحد قادتها، واعتقل عامين لهذا السبب.

رمز
وبعد مرور نحو أربع سنوات، سمحت سلطات الاحتلال بإعادة فتح بيت الشرق في يوليو/ تموز 1992، واستأجر فيصل الحسيني البيت بكامله بعد أن أصبح مسؤول ملف القدس باللجنة التنفيذية لـ منظمة التحرير الفلسطينية.

وسرعان ما أصبح بيت الشرق مقصدا للضيوف الأجانب الذين يزورون القدس، فاختير مقراً لوفود مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية للاجتماع بالمبعوث الخاص للأمم المتحدة جيمس جونا لمناقشة موضوع المبعدين الفلسطينيين إلى مرج الزهور في لبنان والبالغ عددهم 415 فلسطينيا.

وأصبح مكتب فيصل الحسيني في بيت الشرق رمزاً فلسطينياً يقصده قناصل الدول وسفراؤها وزوار القدس الرسميون من كل أنحاء العالم والوفود الشعبية والرسمية والإعلامية الدولية، وفيه أعدت التحضيرات لمؤتمر مدريد، فأصبح بيت الشرق المقر شبه الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

هاجس الاحتلال
وسن الكنيست (برلمان إسرائيل) قانونا خاصا للحد من فعالية بيت الشرق ونشاطاته، ثم طبقت حكومة الاحتلال عقوبات خاصة ضد الدبلوماسيين الذين يلتقون الحسيني بالمقر الذي أخذ يشهد مظاهرات للمستوطنين الصهاينة تهدد بإحراقه "لأنه يعطي ملمحا بسيطرة فلسطينية على شرقي القدس" وفق ما زعموا.

ومع حلول عام 1995، تزايدت المضايقات الإسرائيلية للأنشطة الفلسطينية في بيت الشرق، وأصدرت محكمة إسرائيلية قرارا بمنع أعمال الترميم الجارية فيه، بزعم أنها تتم بدون إذن خاص من البلدية الإسرائيلية بالقدس، وقام المستوطنون بنصب خيمة احتجاجية أمام البيت الذي يرفع العلم الفلسطيني، بينما انطلقت مظاهرات فلسطينية لحماية المقر.

رأت سلطات الاحتلال في أنشطة بيت الشرق مصدرا لتهديد مخططها الرامي لتهويد القدس بكاملها والتي يصرون على اعتبارها عاصمتهم الأبدية، فقررت حكومة بنيامين نتنياهو إغلاق ثلاثة مكاتب تعمل من خلال بيت الشرق بالقدس الشرقية يوم 26 أبريل/نيسان 1999 ما أثار اعتراضات الدول العربية وعدة دول في العالم، فأصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية حكما بوقف قرار الإغلاق، إلا أن حكومة الاحتلال أمرت شرطتها باحتلال بيت الشرق وإغلاقه يوم 10 أغسطس/ آب 2001.

مصادرة
في مايو/ أيار 2001، اتضحت نوايا حكومة رئيس الوزراء أرييل شارون لإغلاق كافة المؤسسات الفلسطينية بالقدس، بما فيها بيت الشرق الذي استولت عليه قوات الاحتلال فعليا في أغسطس/آب من العام نفسه بعد وفاة فيصل الحسيني بقليل، وأنزلت العلم الفلسطيني من فوقه ورفعت العلم الإسرائيلي بدلا منه.

وصادرت السلطات الإسرائيلية ما فيه من وثائق ومستندات وأبحاث ودراسات، واعتقلت سبعة من حراسه. فاعتبرت القيادة الفلسطينية أن العملية الإسرائيلية قد سددت ضربة قاضية إلى جميع اتفاقيات السلام.

وتوالت الاحتجاجات الفلسطينية على الإجراء الإسرائيلي بإضراب عام بالضفة والقطاع، كما حدث إضراب عام بالمخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان، وسط حملة انتقاد عربية ودولية واسعة للإجراء الذي اتخذته سلطات الاحتلال. لكن الولايات المتحدة منعت مجلس الأمن من تقديم مشروع قرار يدعو سلطات الاحتلال إلى الانسحاب من بيت الشرق.

ورفض جواد بولس (محامي عائلة الحسيني) التوجه إلى ما يسمى "محكمة العدل العليا" في إسرائيل لعرض أمر بيت الشرق أمامها، معتبرا أن هذا يعني اعترافا بالاحتلال، ولم يظهر الصهاينة أي استجابة للمطالبات المتكررة دوليا لهم بالانسحاب من المكان.
 
ومنذ ذلك الوقت، انتقل مقر بيت الشرق إلى بلدة الرام شمال القدس خلف جدار الفصل العنصري، ولم يعد للمؤسسة دور كالذي كانت تلعبه في السابق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة