المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية   
الأحد 1437/5/7 هـ - الموافق 14/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 10:52 (مكة المكرمة)، 7:52 (غرينتش)

مؤسسة أكاديمية حكومية مغربية، أُنشئت بمرسوم أصدره الملك محمد السادس في أكتوبر/تشرين الأول 2001، من أجل تقديم المشورة بشأن سبل تطوير وصيانة اللغة والثقافة الأمازيغية، والإسهام في هذا الجهد عبر برامج للبحث العلمي تتناول الثقافة واللغة الأمازيغية وتسعى لإعادة تثمينها ودمجها في المنظومة التربوية والثقافية والإعلامية للبلد.

لمحة تاريخية
يُشكل الأمازيغ جزءا مهما من النسيج الاجتماعي المغربي، وينتشرون في أرجاء واسعة من البلاد، بدءا من منطقة سوس جنوبا إلى الريف شمالا مرورا بالأطلسين الصغير والمتوسط، كما لهم وجودٌ في المناطق الواقعة شرقي الأطلس وجنوب سوس.

وأكثر من ذلك، فإنَّ الأمازيغ هم السكان الأصليون للمغرب وشمال أفريقيا عموما، وتشهد الحفريات والدراسات الأركيولوجية والاجتماعية على ذلك، واحتفظ تاريخ المغرب والتاريخ الإسلامي بأسماءِ أعلام الأمازيغ من أمثال طارق بن زياد.

في الحقبة الحديثة حاول الاستعمار الفرنسي تقسيم المجتمع المغربي من خلال ما عُرف بالقانون البربري الذي أصدرته سلطات الوصاية في 16 مايو/أيار 1930 وجوهرهُ التمييز بين مناطق الأمازيغ والمناطق المخزنية الأخرى ذات الأغلبية العربية مثل فاس والرباط، إذ نصَّ الظهير على إبقاءِ القضاء في المناطق الأمازيغية خاضعا للمحاكم العرفية التقليدية كما كان الأمر قبل الحماية، في حين تُخضع المناطق المخزنية للقضاء الرسمي التابع لحكومة المخزن والسلطان. ورفض الوطنيون المغاربة هذا القانون لما فيه من تمييز، وما يتضمن من بذورِ الانفصال والتمايز.

بعد استقلال المغرب في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1956، ظل مطلبُ تطويرِ الأمازيغية وترقيتها مطروحا من قبل النخب المنحدرة من المناطق الأمازيغية، وإن كان لا بد من الإشارة هنا إلى أنَّ الأمازيغ والعرب اختلطوا على نحوٍ واسع بحكم المساكنة والزيجات المختلطة.

وشهد العام الثاني بعد الاستقلال أول مواجهة بين النظام والأمازيغ تمثلت في ما عُرف بثورة الريف (1957-1959)، فقد نشأت في هذه المنطقة ذات النفس الثوري القديم (ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الإسبان في عشرينيات القرن الماضي) حركة سياسية تتضارب المصادر التاريخية حول مطالبها بين من يرى أنَّها رفعت شعار الانفصال وبين من يقول إنَّها نادت فقط بنوعٍ من الحكم الذاتي يُمكن أهالي الريف من تدبير شؤونهم وإنهاءِ التهميش الذي يعانونه.

قُمعت الانتفاضة بشدة على يد ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن (الملك الحسن الثاني لاحقا)، والجنرال محمد أوفقير وزير الدفاع، لكنها أحدثت شرخا عميقا بين أهالي الريف والحكومة المغربية، وكرَّست لديهم الشعور بالغبن والتهميش.

في ضوء أحداث الريف، اكتسب موضوع اللغة الأمازيغية حساسية شديدة، وبات الحديث عنه مرادفا لترويج أفكار الانفصال وشق عصا الطاعة. وهكذا، ظلَّت مطالب ترقية الأمازيغية محتشمة وغير منظمة، ولن تأخذ مطالب ترقية الأمازيغية زخمها إلا مع الانفتاح السياسي الذي مهد له التناوب التوافقي (1998) وعززه جلوس الملك محمد السادس على العرش في يوليو/تموز 1999، وما واكب ذلك من انفتاح واسع للنظام في مجال الحريات.

تأسيس المعهد
تأسس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بموجب مرسوم وقعه الملك محمد السادس في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2001.

وكان العاهل المغربي تناول بإسهاب موضوع الثقافة واللغة الأمازيغية في خطاب العرش من تلك السنة (في الثلاثين من يوليو/تموز)، مما مهَّد لبدءِ العمل التقني لإنجاز الظهير. وقد أُسندت هذه المهمة الحساسة للجنة تتألف من أربعة أشخاص هم محمد شفيق، العميد المعين للمعهد، والراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه مستشار الملك، ومدير الديوان الملكي رشدي الشرايبي، والناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي حسن أوريد.

وتُوجت مرحلة التأسيس بإقامة حفل كبير في بلدة أجدير بمنطقة الريف (أحد مواطن الأمازيغ)، في 17 أكتوبر/تشرين الأول، حضره مستشارو الملك وأعضاء الحكومة وتُلي خلاله المرسوم الملكي المؤسس للمعهد والموقع في اليوم نفسه.

الانطلاقة الفعلية
رغم صدور المرسوم التأسيسي، فإنَّ المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لم يبدأ العمل إلا في سبتمبر/أيلول 2002، وخلال العام الفاصل بين التاريخين، انصبَّ الاهتمام على وضعِ تصور لبنية المعهد وهياكله وآليات عمله واكتتاب الأطقم الإدارية والأكاديمية.

وقد تم تقسيم المعهد إلى هيكلين أساسيين: أولهما إداري ويضم مجلس الإدارة، والعميد، والأمين العام، والأقسام الإدارية.

أما القسم الثاني فأكاديمي، وتم توزيعه على سبعة مراكز للبحث مؤلفة من عدة وحدات للدراسة والبحث. 

الأهداف
حُددت أهداف المعهد في تثمين وترقية وإدماج اللغة والثقافة الأمازيغية في النظام التربوي وفي الفضاء الإعلامي والثقافي المحلي. ولتحقيق هذه الأهداف، تم تأسيس مراكز للبحث داخل المعهد أُنيطت بها مهمة الإحاطة بالثقافة واللغة الأمازيغية في مختلف أبعادها، وهو ما يعكسه تعدد وتنوع اهتمام مراكز البحث داخل المعهد:

-مركز البحث الديداكتيكي والبرامج البيداغوجية.

-مركز الدراسات التاريخية والبيئية.

-مركز الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية.

-مركز الدراسات الأدبية والفنية والإنتاج السمعي البصري.

-مركز الترجمة والتوثيق والنشر والتواصل.

وقد نجح المركز في تحقيق إنجازات شاهدة، منها مثلا وضع مناهج وكتب مدرسية باللغة الأمازيغية كان لها إسهام بالغ في إدخال الأمازيغية إلى المدرسة، كما وضع المعهد تصوراتٍ حول الإعلام العمومي ومكانة الأمازيغية فيه، وكان له الفضل في تحسين مضامين البرامج التلفزية الأمازيغية من خلال اتفاقيات التعاون التي تربطه بمؤسسات الإعلام الرسمية وشبه الرسمية والتي يُقدم من خلالها النصح والتوجيه لهذه المؤسسات في ما يتصل باللغة والثقافة الأمازيغية عموما.

اعتماد حرف تيفنياغ
شكَّل الحرف الواجب اعتمادهُ لكتابة الأمازيغية إشكالا بارزا في مسار تأسيس المعهد وكشف عمق الصراع القائم بين النخب الأمازيغية التي انقسمت بين اتجاهين: أحدهما ذو ميول علمانية فرانكفونية تكون في الجامعات الفرنسية وله ميول تبعية ترى أنَّ سبيل التقدم والازدهار تمرُّ حتما باعتماد اللغة الفرنسية في المدرسة والإدارة، وتُحمل سياسات التعريب جزءا كبيرا من تخلف المنظومة التعليمية في المغرب، أما الاتجاه الثاني فيُمثل الأمازيغ في أصالتهم وتشبثهم بالدين الإسلامي واللغة العربية التي ظلوا سدنتَها منذ الفتح الإسلامي بوصفها لغة دين وليست لغة عرق.

كشف هذا الصراع، وهو في جزءٍ كبير منه أيديولوجي، أنَّ اعتماد أي من الحرفين (العربي أو اللاتيني) ستكون له تبعات سلبية على الصيرورة المترتبة على إعلان أجدير بأكمله، رغم أنَّ وثائق تاريخية كثيرة (مراسلات، وعقود، وأحكام، وأوراق ملكية، وعقود زواج، ....) تُؤكد بما لا يرقى إليه الشك أنَّ الأمازيغ كانوا يكتبون لغتهم بالحرف العربي، تماما كما كان الأتراك قبل سياسات أتاتورك التغريبية، وكان الفلان قبل قدوم الاستعمار الأوروبي إلى أفريقيا.

وعدا هذا الجدل، كانت القناعة السائدة يومها أنَّ ترقية الأمازيغية ترتبط عضويا بتميزها بصريا بحرفٍ خاص بها يضاف إلى خصائصها اللسانية والسيميائية المتميزة والغنية. ووجد القائمون على المشروع ضالتهم في حرف تيفنياغ الذي هو حرف أمازيغي يعود الفضل للطوارق في الحفاظ عليه وصونه رغم التغيرات الهائلة التي عرفتها منطقة الصحراء الكبرى على المستويين الثقافي والاجتماعي، وإن كان أنثربولوجيون كثر يعتقدون بأنَّ أصل التسمية فينيقي.

وتُشير الحفريات التي أنجزت في مضارب الطوارق التقليدية في مالي والنيجر والجزائر ومالي وليبيا إلى أنَّ آخر استخدامٍ واسع النطاق لهذا الحرف في المنطقة يعود إلى القرن 17، ويُرجع مؤرخون سرَّ حفاظ الطوارق على تيفنياغ إلى عزلتهم النسبية في الصحراء الكبرى وما ظلت تُوفره لهم من أسباب الحصانة من التأثيرات الاجتماعية والثقافية الواردة على المنطقة.

وكشفت دراسات أركيولوجية عديدة شيوع استخدام تيفيناغ لدى الأمازيغ في شمال أفريقيا منذ ما قبل الميلاد، وقد نسبت بعض الدراسات الغربية هذا الحرف إلى ليبيا، وسمته الحرف الليبي أو الليبيكي، في ضوءِ العثور على عدد كبير من التحف الأثرية التي تُثبت اعتماد تفينياغ في مناطق الأمازيغ بليبيا خاصة في الجبل الغربي وجبل نفوسة، مع ضرورة التنويه إلى أنَّ حرف تفينياغ كما هو معروف اليوم يختلف عما كان عليه في الحقب القديمة.

وفي الحقبة المعاصرة، تم بعث تيفنياغ أول مرة على يد ناشطي الحركة الأمازيغية في الجزائر المستقلة، والذين شكلوا إطارا لترقية وتطوير الأمازيغية سموه الأكاديمية البربرية، وكان مقرها في باريس.

وانتهى هذا النقاش بشأن اعتماد حرف تيفنياغ بمصادقة الملك محمد السادس عليه كحرف رسمي وحيد لكتابة الأمازيغية بالمغرب، وذلك في العاشر من فبراير/شباط 2003.

آفاق وتحديات
يسعى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى استكمال المشروع الذي وُجد من أجله، وقد اخرط في برامج تعاون مع قطاعات عدة منها الإعلام والثقافة والتربية والتعليم، بهدف تيسير وتشجيع دمج الأمازيغية في هذه المجالات الحيوية، بيد أنَّ تحدياتٍ كبيرة ما زالت تواجه هذا الجهد، لعل أبرزها تطوير الأمازيغية نفسها لمسايرة العصر والتحول من لغة تراثية تُدرس لذاتها أو لاعتباراتٍ سياسية تتعلق بتشجيع جزءٍ من الهوية الوطنية وتثمينه، إلى لغة مفيدة في الحياة النشطة وقادرة على خلق الثروة والتوفيق بين طابعها التراثي وبين ضروراتِ الحاضر.

وسيكون على المعهد، ومعه سدنة اللغة الأمازيغية، بذل جهد جهيد لبلوغ هذا الهدف، لا سيما أنَّ التطورات المتسارعة التي يعرفها العالم باتت معها لغاتٌ عريقة خدمها أهلها لقرون، متجاوزة من باب أحرى لغة ما زالت في بداية الطريق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة