دقيقة صمت.. لحظات للتأمل والوحدة   
الاثنين 1437/2/5 هـ - الموافق 16/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:07 (مكة المكرمة)، 11:07 (غرينتش)

تقليد يتمثل في الصمت لمدة دقيقة بناء على قرارٍ من الحكومة يُطبق على كافة التراب الوطني بغيةَ التأمل الجماعي بعد مأساةٍ أو مصاب تعرضت له الأمةْ أو إحياء لمناسبة أليمة.

ويكون توقيت دقيقة الصمت موحدا على امتداد التراب الوطني لتأكيد الوحدة والتضامن في وجه الخطر أو المصاب الذي تُواجهه الأمة. كما تلجأ الهيئات والشركات والأندية الرياضية والمجموعات إلى الوقوف دقيقة صمت عند وقوع مصاب أليم.

ودقيقة الصمت تقليد فرنسي بامتياز، بحكم أن فرنسا هي أول بلد أقرها بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين الأول 1919 حين كانت البلاد تستعد لتخليد الذكرى السنوية الأولى للنصر على ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. وكان الهدف من ذلك المرسوم وضع آلية تُمكن في كل سنة من تخليد ذكرى القتلى من أجل فرنسا في تلك الحرب.

تنظم دقيقة الصمت عادة بعد مأساة وطنية ناتجة عن هجوم أو كارثة بيئية أو نحو ذلك، كما قد تكون لإحياء ذكرى أو للتضامن مع دولة صديقة أو لاستنكار المس بقيم حضارية أو دينية مشتركة مُست في بلد آخر.

النشأة
نشأ مفهوم دقيقة الصمت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فقد كانت الاحتفالات بنصر الحلفاء وهزيمة ألمانيا صاخبة ومفعمة بالحماس الزائد، بل وحتى بالشماتة والتشفي.

وقد ساءَ ذلك النفـَـس الانتقامي مثقفين رأوا أن الاحتفالات كان يجب ألا تتحول إلى مهرجانٍ للفرح الهستيري، بل يجب أن تكون مصدرَ إلهامٍ وتأمل نظرا للعدد الكبير الذي خلفته الحرب من الضحايا والمآسي التي ألحقتها بأسر كثيرة في المعسكرين المتحاربين على حدٍ سواء.

التطور
اكتسبت دقيقة الصمت صفة رسمية مع الذكرى السنوية الأولى لتوقيع معاهدة فرساي وهزيمة ألمانيا، وذلك عندما بعث صحفي أسترالي رسالة إلى الملك البريطاني جورج الخامس، يطلب فيها تخفيف الطابع الاحتفالي للمراسيم المخلدة، وإبراز الجانب المأوساي في الحرب والويلات التي خلفتها، وتحويل المناسبة إلى لحظةِ تأمل تَستخلص العبر من الحرب الماضية وتُؤسس لجهدٍ جماعي يعمل على تفادي وقوعها من جديد.

وقد تجاوب الملك مع الرسالة إيجابا، فأصدر في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1919 مرسوما بالوقوف دقيقة صمت في كل أنحاء البلاد في مستهل الاحتفالات التي تُقام كل سنة في 11 نوفمبر/تشرين الأول، أي في نفس اليوم الذي وُقعت فيه معاهدة فرساي.

نزعة "علمنة"
شهدت احتفالات السنة الأولى بعد النصر في فرنسا كذلك إعلانَ دقيقة الصمت فقد أقرَّها الرئيس ريموند بوين كارّي بمرسوم وقَّعه في 25 أكتوبر/تشرين الأول 1919.

وبينما كان الدافع في بريطانيا الرغبة في تغليب الطابع التأملي على الاحتفالين، فقد وجدت السلطات الفرنسية في ترسيم دقيقة الصمت فرصة سانحة لتسويق مفهوم محايد دينيا وثقافيا وقادر على توحيد طابع الاحتفالات وإحداثِ نمط ''علماني'' يجمع المؤمنين والملحدين على حدٍ سواء في مثل هذه اللحظات.

ويومها لم يمض إلا نحو عشر سنوات على دسترة علمانية الدولة في فرنسا بموجب قانون 1905، وكانت قطاعات واسعة في المجتمع ما زالت مرتبطة بخلفيتها الدينية المسيحية بشدة، ومتوجسة من العلمانية.

خلاف
حين أُقر الصمت لأول مرة في بريطانيا عام 1919 ساد خلافٌ حول المدة، فقال البعض بإقرار خمس دقائق، وردَّ آخرون بأنَّها مدة طويلة قائلين إن دقيقة واحدة كافية، وهو ما ردَّ عليه الفريق الآخر بأنَّ دقيقة واحدة قصيرة جدا، لينتهي السجال بإقرارِ دقيقتين كحل وسطْ. ومن يومها أقرت في بريطانيا دقيقتا صمت وليست واحدة في المناسبات الوطنية الحزينة.

وفي فرنسا، فجرى التقليد على دقيقة صمت واحدة بناء على مرسوم الرئيس بْوين كارّي، أما في الولايات المتحدة فأقرت ثلاث دقائق لتخليد المناسبات الحزينة وعند بدء الحداد الوطني أو في نهايته.

الحداد الوطني
لما كانت دقيقة الصمت مرتبطة عضويا بالمناسبات الوطنية التي تستدعي التأمل أو تبعث الحزن أو هما معا، فإنَّها ترتبط كذلك عضويا بالحداد الوطني الذي يُعلن عادة إثرَ المآسي والكوارث الوطنية، والهدف منه تكريم ضحايا كارثة أو اعتداء.

كما يُعلن الحداد الوطني أحيانا إثر وفاة شخصية محورية في المجتمع كرئيس الدولة، أو رئيس سابق، أو وزير، أو شخصية علمية أو أدبية أو فنية معروفة لدى الرأي العام أو لها إسهام مشهود في تطورِ الأمة.

وللحداد الوطني رمزية شديدة، فهو أعلى درجات التخليد والتأمل الجماعي، كما أنَّه تعبيرٌ شامل عن حزنٍ عام. ومع ذلك فإنَّ لدقيقة الصمت رمزيتها القوية هي الأخرى خاصة في الذكرى المخلدة لمناسباتٍ حزينة مرَّت وانقضتْ ولم يعد إعلانُ الحداد واردا فيها.

نماذج
لم يَسبق أنْ أُعلن الحداد الوطني في ظل الجمهورية الخامسة في فرنسا لثلاثة أيام قبل هجمات باريس التي وقعت في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015. ففي عام 1970 مثلا أُعلن الحداد يوما واحدا إثر وفاة الجنرال ديغول في 9 نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام. وأعلن يومُ حدادٍ واحد عند وفاة الرئيس جورج بومبيدو عام 1974 ووفاة الرئيس فرانسوا ميتران عام 1995.

أما في كوبا فقد أعلن فيدل كاسترو الحداد الوطني ثلاثة أيام في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1967 إثرَ وفاة الزعيم اليساري تشي غيفارا قبل ذلك التاريخ بستة أيام.

وفي جنوب أفريقيا أُعلن الحداد 7 أيام بعد وفاة نلسون مانديلا في 5 ديسمبر/كانون الأول 2013.

وفي المغرب أعلن الحداد أربعين يوما إثرَ وفاة الملك الحسن الثاني في 23 يوليو/تموز 1999.

مع أنَّ أطول حداد في الحقبة المعاصرة هو ذلك الذي أعلنته الملكة إليزابيث الثانية بعد وفاة والدها جورج السادس في السادس من فبراير/شباط عام 1952، واستمر عاما ونصف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة