حق اللجوء   
الخميس 1437/7/1 هـ - الموافق 7/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:47 (مكة المكرمة)، 14:47 (غرينتش)

اللجوء هو صفة قانونية قوامها حماية تُمنح لشخص غادر وطنه خوفا من الاضطهاد أو التنكيل أو القتل بسبب مواقفه أو آرائه السياسية أو جنسه أو دينه. كما قد يُفرض اللجوء على الناس فرضا نتيجة حرب أهلية ماحقة، أو غزو عسكري أجنبي، أو كارثة طبيعية أو بيئية.

لمحة تاريخية
يعتبر حق اللجوء تقليدا قديما؛ إذ يمكن إرجاع أصوله البعيدة إلى العهد الإغريقي عندما كانت الدولة تمنحه لمرتكبي جرائم معينة، وفي العصر الروماني اعترفت السلطات بشكل محدود للغاية بهذا الحق.

كما شهد مفهوم "اللجوء" شيوعا خلال القرون الأولى من التاريخ المسيحي، وخاصة القرن الرابع الميلادي الذي شهد طفرة كبرى في حالاته مع تواترِ لجوء الأشخاص إلى الكنائس طلبا للحماية من الإمبراطورية الرومانية.

ومع انتشار ظاهرة اللجوء، عمل رجال الدين المسيحي على استصدارِ قانون للجوء عُرف بـ"قانون اللجوء المسيحي". ومن يومها صارت الكنيسة "ملاذا آمنا" لكل المضطهدين والمنبوذين، ولها حرمة خاصة لكونها مكان عبادة وحيزا لا يجوز فيه الظلم ولا الاضطهاد. وفي القرون الوسطى، كان "قانون اللجوء المسيحي" يشمل الحماية من المتابعات المترتبة على جرائم الحق العام.

كما نجد نصوصا قانونية وحالات تطبيقية للجوء في التعاليم الإسلامية؛ إذ نجد في القرآن الكريم والسنة النبوية نصا على مفهوم "الأمان" الذي هو صفة تُمنح لغير المسلمين، ويُسمح لهم بموجبها بدخول دولة الإسلام وضمان أمنهم ما داموا فيها.

وقد يكون طلب الأمان نتيجة للاضطهاد السياسي أو الديني، كما قد يكون جراء غزوٍ أجنبي أو كوارث طبيعية أو مجاعة. ويحتفظ التاريخ الإسلامي بالهجرة إلى الحبشة كأول عملية لجوء جماعية دُفع إليها المسلمون هربا بدينهم من بطش قادة قريش في مكة المكرمة.

وفي العصر الحديث؛ شهدت أوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين موجات لجوء واسعة لليهود من ألمانيا والنمسا بسبب اضطهاد النازية لهم، وبعد نكبة 1948 شُرد الشعب الفلسطيني بسبب فظائع الاحتلال الإسرائيلي فسلك دروبَ اللجوء الطويلة.

ودفع الغزو الأميركي للعراق عام 2003 ملايين العراقيين إلى اللجوء في بلدان الجوار وأوروبا والولايات المتحدة، وإثر اندلاع الثورة السورية عام 2011، هُجّر ملايين السوريين من بلدهم بسبب القمع والحرب، وامتد بهم طريق اللجوء إلى أوروبا، منتجين أكبرَ أزمة لجوء تشهدها القارة بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي عام 2015، قدرت المنظمة الدولية للهجرة عدد اللاجئين في العالم بمئات الملايين تختلف أسباب لجوئهم بين الحروب والكوارث والاضطهاد السياسي، وإن كانت الحروب والنزاعات المسلحة تحتل الصدارة في أسباب اللجوء عبر العالم.

أنواع اللجوء
تنظم حق اللجوء قوانين وطنية واتفاقات ومواثيق دولية؛ فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948 على منح "حق اللجوء"، وألزم الدول التي تمنحه بحماية اللاجئ، وبعد ذلك بثلاث سنوات (عام 1951) فصَّلت معاهدة جنيف "حق اللجوء" وصفة "اللاجئ".

ونصت المعاهدة على استثناء المتابعات المترتبة على جرائم الحق العام، إذ لا تشمل الحماية الناتجة عن الحصول على حق اللجوء إلا الأخطار والمتابعات الناجمة عن خلفية سياسية أو عرقية أو دينية أو نحو ذلك.

كما نص الإعلان العالمي على حق كل شخص في حرية التنقل والإقامة في بلده أو أي بلدٍ آخر، ونص على حقه في الحماية واللجوء إذا تعرض للاضطهاد.

وترهن المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة منح اللجوء بمعايير أساسية، منها أن يكون اللاجئ تعرض فعلا للاضطهاد أو لخطر حقيقي على حياته، ولا يُمنح اللجوء من منطلق مخاوف أو توقعات بتعرض المعني للاضطهاد إلا إذا كان يجري في بلده نزاع مسلح قد يُعرضه لخطر الموت في حال عودته، ويُطلق عادة على هذا النوع من اللجوء "اللجوء الإنساني".

ويجب أن يكون اللاجئ تعرض للاضطهاد أو التهديد بالقتل بسبب مواقفه السياسية أو نضاله الحقوقي من أجل الحريات والديمقراطية في بلده، وفي هذه الحالة يُوصف اللاجئ بـ"اللاجئ السياسي" وهو أكثر أصناف اللجوء شيوعا، لا سيما بين رعايا دول العالم الثالث حيث يسود الاستبداد ومصادرة الحريات والقمع السياسي.

ولا يُشترط في منح صفة "اللاجئ السياسي" أن يكون حائزه له سوابق في النضال الحقوقي أو السياسي من أجل الحريات والتعددية والاختلاف، كما يُمنح اللجوء أحيانا لأدباء ومفكرين حماية لهم من الاضطهاد بسبب أفكارهم وقناعاتهم.

حقوق
يتمتع اللاجئ بحق الإقامة وبالتالي يُوفر له مصدر للدخل يعيش به، وهنا تتفاوت التشريعات المحلية بين تخويل اللاجئ حق العمل ومنحه منحة مالية مع توفير السكن والتعليم. وتشمل هذه الإجراءات عادة طالبي "اللجوء الإنساني".

أما "اللاجئ السياسي" فيُقيَّد في بعض الأحيان بالمنع من العمل، كما يُلزم بالتحفظ إزاءَ أي ممارسة سياسية أو حقوقية قد تُسبب توترا في علاقات بلد اللجوء بالبلد الأصلي، أو تلحق ضررا بالأمن القومي لهذا الأخير.

وتُلزم الاتفاقيات الدولية بلد الاستقبال بعدم ترحيل اللاجئ لبلده أو أي بلد يُمكن أن يفقد فيه حياته أو يتعرض للاضطهاد، سواء كان ذلك بسبب آرائه ومعتقداته أو بسبب اضطرابات وأعمال عنف يشهدها البلد المعني.

وقد شكل تعاظم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنزاعات المسلحة في العالم الثالث -وخاصة أفريقيا- مصدرا للجوء مئات الآلاف من بلدانهم بحثا عن الأمان ومستقبل أفضل.

ومن تجليات هذا الواقع المأساوي ظاهرة "الهجرة غير النظامية" التي استبدت باهتمام الرأي العام العالمي منذ تسعينيات القرن العشرين، وبرز معها مفهوم "اللاجئ الاقتصادي" الذي يعني أن الشخص يُغادر بلده أحيانا بدافع اقتصادي محض، وهو ما لا تعترفُ به التشريعات الدولية ذات الصلة.

وقد طالب كثير من الحقوقيين بضرورة مراجعة تلك التشريعات بما يُناسب التغيرات الحاصلة في العالم، لا سيما مع تزايد المآسي الإنسانية الكبيرة التي خلفتها ظاهرة "الهجرة غير النظامية".

ومع اشتداد ظاهرة التغيرات المناخية على كوكب الأرض، برز صنف جديد من اللجوء هو "اللجوء المناخي"، فثمة مناطق متعددة من العالم -خاصة في المحيط الهادئ والهندي والساحل الأفريقي- لم تعد صالحة للسكن جراء ارتفاع منسوب البحار والمحيطات أحيانا، والارتفاع الشديد لمعدلات الحرارة وندرة المياه في أحايين أخرى. ومن هذا المنطلق، بات الملايين عبر العالم مهددين باللجوء نتيجة تدهور ظروف المناخ في مواطنهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة