المحاكمة العسكرية.. سلاح الأنظمة الاستبدادية   
الأحد 1437/9/29 هـ - الموافق 3/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 11:19 (مكة المكرمة)، 8:19 (غرينتش)
"المحاكمة العسكرية" محاكمة استثنائية تُجريها محكمة أو هيئة قضائية مؤلفة من عسكريين أو مدنيين للنظر والفصل في جرائم أو جنح ارتكبها عسكريون أو عناصر مدنية تعمل في المؤسسة العسكرية، أو تعرضوا لها أثناء ممارسة مهامهم العسكرية.

فروق ومميزات
المحاكمة العسكرية محاكمة ذات طبيعة استثنائية ومؤقتة في أغلب الأحيان وتُقام بغية البتّ في حالة خاصة بعينها شُكّلت المحكمة من أجلها، ولذلك فهي خارج النظام القضائي العادي. وهنا يجب التفريق بينها وبين هيئات القضاء العسكري التي هي هيئات دائمة.

بل إنه في بعض البلدان ذات التقاليد المدنية العريقة تكون هيئات القضاء العسكري في أوقات السلم هيئاتٍ تابعةً للقضاء العادي، وتُنتدب للبتّ في القضايا المتعلقة بأفراد الجيش والموظفين الإداريين العاملين فيه.

تتميز المحكمة العسكرية عن القضاء العسكري بطابعها الاستثنائي وغالبا ما تُشكل في أوقات الحرب، في حين يتسم القضاء العسكري باستمراريته لكونه يضطلع بالبتّ في القضايا الجنائية المتعلقة بالعسكريين والإداريين العاملين بالمؤسسة العسكرية المرتكبة في أوقات السلم، وقد تشمل هذه القضايا مدنيين ضالعين في جرائم كان الضحية فيها عسكريا.

وتتميز المحاكمات العسكرية كذلك بمحدودية ضمانات المحاكمة العادلة فيها مقارنة بالمحاكمات المدنية نظرا لحساسية كل ما يتصل بالمؤسسة العسكرية، ولأهمية الانضباط داخلها وصرامة القوانين العسكرية، كما أن إمكانية الاستئناف تكون أقل أمام القضاء العسكري.

ويفرّق القضاء العسكري بين أوقات السلم وأوقات الحرب، ففي الأولى تبتّ في القضايا المتصلة بعسكريين (جناة كانوا أو ضحايا) هيئاتٌ مدنية تابعة للقضاء العادي لكنها مخصصة للبتّ في هذه القضايا، أما في أوقات الحرب فتتولى هذه المهمة هيئاتٌ مشكّلة من ضباط عسكريين.

وحين يُخضَع المدنيون للقضاء العسكري يُطلق عليه "القضاء العرفي"، وعادة ما ترتبط هذه الحالة بوجود احتلال عسكري أجنبي وغياب أي وجود للإدارة المدنية، وفي هذه الحالة قد تحال المسؤولية عن السكان المدنيين إلى القضاء العسكري.

وأحيانا، تلجأ قوة الاحتلال إلى إخضاع السكان للقضاء العسكري ردعا لهم عن أي تحرك سياسي مناوئ لها، ومن النماذج الصارخة على هذه الحالة ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي الحقبة الاستعمارية مارست الإدارات الاستعمارية هذا السلوك على نطاق واسع لقمع الانتفاضات الشعبية في المستعمرات.

وتستخدم الأنظمة الاستبدادية في أحيان كثيرة القضاء العسكري والمحاكمات العسكرية لملاحقة وقمع التنظيمات السياسية المعارضة لها، خاصة التنظيمات السرية وحركات التمرد ذات الطبيعة العسكرية.

نماذج شهيرة
بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قامت اثنتان من أشهر المحاكم العسكرية في التاريخ الحديث، وهما المحكمة الدولية للشرق الأقصى ومحكمة نورنبيرغ، وذلك بناءً على "إعلان بوتسدام" الذي وقعه الحلفاء في يوليو/تموز 1945.

تبلورت لدى دول الحلفاء فكرة معاقبة "مجرمي الحرب" النازيين والفاشيين منذ 1942، لكن هذا المسعى لم يتحقق إلا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ووُقع في 8 أغسطس/آب 1945 "اتفاق لندن" الذي قضى بإنشاء "المحكمة العسكرية الدولية". عقدت المحكمة جلساتها بمدينة نورنبيرغ الألمانية التي أخذت منها اسمها فاشتهرت بـ"محكمة نورنبيرغ".

تراوحت الملفات المعروضة على محكمة نرونبيرغ بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية مثل الإبادة والتعذيب والترحيل القسري، والاستغلال الذي تعرض له مئات الآلاف ممن سُخّروا في خدمة الصناعة الحربية الألمانية خلال سنوات الحرب.

وعلى الجانب الآسيوي من الحرب، شُكلت "محكمة الشرق الأقصى" رسميا يوم 19 يناير/كانون الثاني 1946 بأمرٍ من قائد القوات الأميركية في آسيا والمحيط الهادي الجنرال دوغلاس ماكارثر (1880-1964)، وخصصت لمحاكمة "مجرمي الحرب" اليابانيين.

تألفت المحكمة من 11 قاضيا يُمثلون دول الحلفاء التي شاركت في حرب المحيط الهادي، وبتّت بشكل حصري في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والسلم العالمي التي "ارتكبها" القادة اليابانيون بين 1928 و1945.

أصدرت المحكمة قراراتها في نوفمبر/تشرين الثاني 1948 وتضمنت سبعة أحكام بالإعدام و16 حكما بالسجن المؤبد. وفي الشهر نفسه رَفض الجنرال ماكارثر استئناف المدانين بالإعدام فنُفّذ فيهم الحكم في الشهر الموالي بعد رفض استعطافٍ أخير وجهوه إلى المحكمة العليا الأميركية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة