النظام الفدرالي   
الاثنين 7/5/1437 هـ - الموافق 15/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:42 (مكة المكرمة)، 13:42 (غرينتش)

هو نمط من أنماط التنظيم السياسي والمؤسساتي للدول تتحد بموجبه مجموعة وحدات سياسية مستقلة (دول، ولايات، كانتونات... إلخ) في دولة فدرالية واحدة، على أن تتمتع الوحدات السياسية باستقلالية واسعة في تدبير شؤونها وبهياكل مؤسساتية مستقلة تماما عن الحكومة الفدرالية، مع أن العلاقة بين الطرفين يجب أن تبقى محكومة بمبدأ تقاسم السلطة والسيادة.

وفي النظام الفدرالي تتوفرُ الوحدات الفيدرالية على حكومات كاملة الصلاحيات في تدبيرها للشأن المحلي، في حين تؤول للحكومة المركزية السلطات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع، كما تتولى جميع الشؤون المالية كتحصيل الضرائب ووضع الميزانية الفدرالية، ويكون للوحدات السياسية الفدرالية نصيب من عائدات الضرائب والنشاط الاقتصادي والاستثماري الذي يتم على أراضيها.

النشأة
نجد الأصول النظرية للنظام الفدرالي أو الفدرالية في كتابات الفيلسوف ورجل الدين الألماني جوهان ألتيزيوس (1557-1638) حول التنظيم السياسي في إطار اتحادي تضامني. وضمَّن ألتيزيوس أفكارَه بشأن النظام التضامني في كتاب صدر عام 1603 وحمل عنوان "السياسة: عرض منهجي ومعزز بنماذج شاهدة ومقارنة".

عرض ألتيزيوس في كتابه أفكارا حول الفدرالية لم تكن ليبرالية مطلقا، إذ ركز على حرية المجموعات المؤلفة للفدرالية أكثر من تركيزه على حرية الفرد داخل النظام الفدرالي. ومع ذلك، فإنه يبقى الأب المعنوي لفكرة النظام الفدرالي الذي تعود نشأته في الواقع إلى ما قبل صدور كتابه ذاك بأربعة قرون.

تجربة تضامنية سويسرية
يُمكن القول إن الفدرالية وُجدت على أرض الواقع قبل أن يُنظر لها الفلاسفة في كتاباتهم، وبالتالي فهي تجربة سياسية واجتماعية حية أكثر منها نظرية فلسفية ألهمت خيارات سياسية لاحقا.

ففي عام 1291، قام عهد دفاعي بين كانتونين في سويسرا هما شويز وأنتروالد أسس لاحقا لقيام الفدرالية السويسرية التي اعتمدت في البداية النظام الكونفدرالي القائم على اتحاد كيانات سياسية مستقلة، وتفويضها صلاحيات سياسية وتنفيذية لحكومة مركزية تُمثل فيها تلك الكيانات.

بيد أن الدولة الفدرالية كما هي معروفة اليوم قامت لأول مرة بموجب دستور الولايات المتحدة الأميركية الصادر في 1787.

video

من الكونفدرالية إلى الفدرالية
دفع تطور الدولة الحديثة وتشعب التزاماتها وبُـناها السياسية والمؤسساتية الدول الفدرالية إلى التخلي تدريجيا عن النهج الكونفدرالي لفائدة الفدرالية القائمة على اتحاد كيانات مستقلة وذات سيادة، في اتحاد فدرالي تقوده حكومة تتقاسم الصلاحيات والسيادة الوطنية مع حكومات الوحدات المشكلة للدولة.

قام النظام الكونفدرالي على اتحاد كيانات سياسية وترابية داخل اتحادي مشترك يقوده مجلس فدرالي تمثل فيه الكيانات المشكلة للاتحاد ويتمتع بصلاحيات ذات طبيعية تنسيقية فقط، لكن لهذا النظام محدوديتَه مع النزعة المركبة المتنامية لطبيعة بنية الدولة والوظائف التي تقوم بها، لاسيما مع تطور آليات تسيير الشأن المحلي واتساع نطاقه ليشمل عددا من الخدمات الأساسية.

محاسن النظام الفدرالي
يضمن النظام الفدرالي قدرا من سهولة التبادل التجاري والاقتصادي بين مكونات الدولة وهذا أحد الأسباب التي قام من أجلها في الأصل، كما يُتيح الإبداع والتنوع في الممارسة الإدارية بين الوحدات الفدرالية، وهو ما يُنتج في المحصلة نماذج أكثر تطورا وقادرة على ابتكار أساليب فعالة لتقديم مزيد من الخدمات وبجودة أفضل.

يقوم النظام الفدرالي على تكريس التعددية والتنوع، وهذا مصدر إثراء للدولة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإدارية وعلى مستوى الحكامة.

كما يضمن هذا النظام إسناد تسيير الشؤون المحلية للوحدات الفدرالية وحكوماتها ملاءمة الخدمات والضرائب والإطار العام للحياة مع خصوصيات السكان في كل منطقة، وتجنب النماذج الجاهزة المصدرة من المركز والتي لا تكون غالبا واعية بالخصوصيات المحلية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

video

مساوئ النظام الفدرالي
لا يخلو النظام الفدرالي من مثالب، فمثلا السلطات الواسعة للحكومات المحلية تعوق بلورةَ رؤية تنموية شاملة على المستوى الوطني، كما أن التنوع الكبير الذي تُعززه السياسات المحلية يُعسّر صوغ هوية وطنية مع مرجعيات موحدة، وهو ما يَطرح بشكل مزمن إشكالية الاندماج الوطني.

ومن المآخذ الجوهرية على النظام الفدرالي الخلافات بين الحكومة الفدرالية والحكومات المحلية خاصة عند نشوب اضطرابات، إذ يُثير التداخل بين سلطة وسيادة الحكومة المركزية والصلاحيات الخاصة بالحكومة المحلية إشكالاتٍ قد تتحول إلى مواجهة سياسية بين الجانبين.

وفي بعض الأحيان تنشأ خلافات بين الطرفين حول الضرائب وتوزيعها، وحول استفادة الحكومة المحلية من الاستثمارات المباشرة في الحوزة الترابية التابعة لها.

وفي هذا الصدد، يمكن الاستشهاد بالنزعة الانفصالية المتنامية في إقليم كتالونيا بإسبانيا والتي تعود في أصلها إلى استياء الحكومة المحلية مما تعتبرهُ غبنا تمارسه حكومة مدريد ضدها في توزيع عائدات الضرائب، وهو ما ترد عليه حكومة مدريد دائما بأن الإقليم غني وليس في حاجة إلى الجزء الأكبر من عائداته من الضرائب، وبالتالي ترى أنه من الأنفع توجيهه لدعم التنمية في أقاليم أخرى أكثر فقرا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة