البورجوازية.. طبقة أنهت زمن النبلاء وأغضبت الكادحين   
الخميس 1437/10/10 هـ - الموافق 14/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 12:20 (مكة المكرمة)، 9:20 (غرينتش)

البورجوازية طبقة اجتماعية ظهرت في أوروبا أواخر القرون الوسطى وتوسطت طبقة النبلاء وطبقة الفلاحين الفقيرة، وارتبط وجودها بالمدينة التي ساهمت بشكلٍ كبير في تطورها لا سيما مع الثورة الصناعية التي مكّنتها من القضاء على امتيازات النبلاء وانتزاع السلطة منهم.

الأصول والنشأة
اشتق مصطلح البورجوازية من الجذر "bourg"، ويعني التجمع السكاني الذي يحمل معالم المدينة في العصر الوسيط والقرون الأولى من النهضة الأوروبية. ومنذ القرن الثالث عشر، بدأت باكورة الطبقة البورجوازية بالظهور في التجمعات السكنية أو "البورغات" إلا أنها لن تُعرف باسمها الشائع إلا بعد ذلك بثلاثة قرون، ولن تكون طبقة اجتماعية معروفة ولها مواصفات دقيقة وبادية للعيان إلا مع الثورة الصناعية في القرن الـ18.

وقد ارتبط اسم البورجوازية بالمدينة نظرا لنشأتها في هذه التجمعات السكانية المتميزة عن الوسط القروي الذي كان هو مجال النشاط الاقتصادي الرئيسي، بحكم أنّ مرحلة ما قبل التصنيع كانت تستند بشكلٍ كبير على الفلاحة والتنمية الحيوانية وبدرجةٍ أقل على التجارة والصناعة التقليدية والقطاع المصرفي، وهي قطاعات نشأت في "البروغات" -أو المدن- على يد السواد الأعظم من السكان الذي بات يُعرف بالبورجوازية، أي سكان المدن.

التمكن والسيطرة
تعززت مكانة البورجوازية مع الثورة الصناعية فاستطاعت إلغاء امتيازات النبلاء وأبعدتهم عن السلطة، وباتت هي القوة الاجتماعية الضاربة والمهيمنة على المصانع.

ويرى كارل ماركس أن البورجوازية هي الطبقة الاجتماعية المهيمنة في البلدان الرأسمالية بحكم سيطرتها على وسائل الإنتاج واستغلالها الطبقة الكادحة (البروليتاريا) بالإبقاء على الأجور في أدنى مستوياتها محققة بذلك هدفا مزدوجا: فمن ناحية تُبقي كلفة الإنتاج منخفضة مما يضمن هامش ربح أكبر، ومن ناحية أخرى تُبقي الطبقة الكادحة ضعيفة نظرا لتواضع دخلها.

ويعود الفضل إلى الطبقة البورجوازية في تفجير الثورة الفرنسية عام 1789 التي كانت لها آثار مشهودة على كامل أوروبا، إذ فتحت عيون شعوب القارة على الثورة على الاستبداد وحكم النبلاء بالتحالف مع الكنيسة.

ونجحت البورجوازية في إقصاء طبقة النبلاء من السلطة عبر إلغاء امتيازاتها من خلال وضع أسس دولة القانون التي هي أنموذج الحكم السائد اليوم في أوروبا وأميركا الشمالية، وتقوم على المساواة والمواطنة وإلغاء الامتيازات، وربط المردودية بالعمل والجهد المبذول من قبل الشخص.

ومهد هذا التحول لسيطرة البورجوازية بشكلٍ مطلق على الدول القومية في مختلف أرجاء القارة، وما زالت إلى اليوم هي القوة الاجتماعية الأقوى والأكثر قدرة على التأثير وإن تبدلت التسميات والتقسيمات الاجتماعية، مع ترسخ المجتمع ما بعد الصناعي بتعقيداته الكبيرة، التي يتداخل فيها الاجتماعي بالمهني إلى حد كبير.

أقسام البورجوازية
تنقسم البورجوازية إلى عدة أقسام، فنجد في قمة الهرم البورجوازية العليا، وهي الطبقة الأكثر غنى وتملك وسائل الإنتاج وتُسمى بالطبقة الرأسمالية، وهي القوة المالية والإدارية الضاربة في الاقتصادات الرأسمالية.

video

في المرتبة الثانية، نجد البورجوازية المتوسطة وهي وقود الآلة الاقتصادية والصناعية، وتنتمي إليها الأطر العليا كالمهندسين والأطباء والمصرفيين ومن على شاكلتهم من أصحاب المهن الحرة كالمحامين والتجار المتوسطين، وتتميز هذه الطبقة بهيمنتها المطلقة على الدورة الاقتصادية وقدرتها على التأثير في القرار السياسي والاقتصادي نظرا لقدرتها على التعبئة وصناعة الأفكار وترويجها، وبالتالي تحريك الرأي العام لصالحها.

ومن ميزات هذه الطبقة دخلها المرتفع وتوفرها على أملاك عقارية هامة.

وفي أسفل الترتيب، نجد البورجوازية الصغرى المؤلفة في سوادها الأعظم من صغار التجار والفلاحين والأطر والتقنيين الذين هم دون البورجوازية المتوسطة ولكن مستواهم المعيشي والتعليمي أعلى من الطبقة الكادحة أو البروليتاريا.

وتُشكل البورجوازية الوسطى والصغرى ما يُعرف في مجتمع الاستهلاك السائد اليوم بـ"الطبقة المتوسطة" التي باتت اليوم القوة الأهم في تحريك الاقتصاد بحكم تحسّن مستوياتها التعليمية وقدرتها المضطردة على التنظيم وعلى التعبئة من أجل مصالحها.

وفي العقود الأخيرة، سمح النمو الاقتصادي الهائل الذي عرفه العالم الغربي باتساع الطبقة المتوسطة بشكلٍ كبير. وفي عالم اليوم، باتت الطبقة المتوسطة هي الممثل الأكثر حضورا ونشاطا للبرجوازية التاريخية، كما أنَّها المنافح الأهم عن دولة الحق والقانون والمواطنة التي بشَّرت بها البورجوازية في نشأتها الأولى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة