الاشتراكية.. نظرية تحلم بتوزيع عادل للثروة   
الأحد 1437/5/21 هـ - الموافق 28/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 10:37 (مكة المكرمة)، 7:37 (غرينتش)

الاشتراكية هي مذهب سياسي واقتصادي رأى النور مع بداية القرن الـ19 عشر في أوروبا، كرد فعل على الاختلالات الاجتماعية الناجمة عن الانتشار الواسع للنمط الرأسمالي في الإنتاج وتركز رأس المال، ويسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الرفاهية للجميع.

السياق التاريخي
أدى شيوع النمط الرأسمالي في الإنتاج بفضل التقدم التقني الذي أفرزته الثورة الصناعية وتركز رأس المال في أيدي أقلية (البورجوازية)، إلى حالة استقطاب حاد داخل المجتمع تمخض عنها نشوء طبقتين متعارضتيْ المصالح هما: البورجوازية (أصحاب رأس المال) والبروليتاريا (العمال).

وأمام تعاظم أعداد العمال الملتحقين بالمدن للعمل في المصانع إضافة إلى بداية تشكل الوعي لدى طبقة العمال بذاتها وبمدى بؤس أوضاعها الاجتماعية وحجم استغلال أرباب العمل لها؛ برزت إلى الوجود حركة عمالية منظمة للدفاع عن حقوق العمال والمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية.

ووفرت الأفكار الاشتراكية سندا فكريا وأساسا نظريا لنضال الحركة العمالية، بدعوتها إلى الانتقال من مجتمع رأسمالي تتركز فيه الثروة في أيدي أقلية إلى مجتمع اشتراكي تتوزع فيه الثروة بشكل عادل، ويعيش فيه الجميع في مساواة ورفاهية ووئام. 

الأفكار والمبادئ
بالرغم من اتفاق الاشتراكيين حول المبادئ الكبرى والغايات فإنهم انقسموا تاريخيا إلى تيارين مختلفين يتبنى كل منهما مذهبا مغايرا: الاشتراكية المثالية والاشتراكية العلمية. وتتمثل أوجه التباين بين هذين التيارين في المنطلقات وبعض المبادئ، بالإضافة إلى السبل التي يقترحانها لترجمة غاياتهما واقعا على الأرض.

وقد اتفق الاشتراكيون بشكل عام على مطلب العدالة في توزيع الثروة، وضرورة تحجيم الملكية الخاصة مقابل تعزيز الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. كما أنهم يؤمنون جميعا بمنح الدولة دورا رياديا في الحياة الاقتصادية، لكن حجم هذا الدور يختلف عند كل من الفريقين.

الاشتراكية المثالية
تقوم على نزعة إنسانية ونقد أخلاقي للرأسمالية، وتدعو للانتقال إلى نظام اجتماعي يحقق العدالة والرفاهية للجميع، من خلال تعزيز الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والعمل التعاوني والتعليم الشامل لكل الناس، والقضاء على الفقر وعلى كل أشكال الاستغلال.

ويرى المحسوبون على الاشتراكية المثالية أن دور الدولة هو التعاون مع القطاع الخاص (اقتصاد مختلط)، من أجل تصحيح الاختلالات التي قد تنتج عن اللجوء إلى مؤسسة السوق بغرض تنظيم الإنتاج.

ومن جملة هذه الاختلالات أن ينتج السوق عرضا يفوق الطلب بكثير مما يؤدي إلى تبذير الموارد، أو العكس مما يؤدي إلى ندرة تسبب غلاء الأسعار.

ويؤمن الاشتراكيون المثاليون بالطرق السلمية وغير الثورية لبلوغ مرادهم وتحقيق أملهم في بناء مجتمع اشتراكي يسوده العدل والمساواة، لأن الإنسان في نظرهم كائن عقلاني مجبول على الطيبة، ولا حاجة إلى العنف الثوري لإقناع كافة المجتمع بتبني أفكارهم. وهذا الذي جعل مخالفيهم من بقية الاشتراكيين يصفونهم بالمثالية.

ويعد كل من الإنجليزي روبرت أوين والفرنسيين سان سيمون وشارل فوريي من أبرز المفكرين الذين يمثلون هذا التيار داخل الاشتراكية.

الاشتراكية العلمية
أنصارها يقولون إنهم يستندون إلى فهم علمي ونقد عقلاني للرأسمالية، فهم يرتكز على رؤية مادية لحركة التاريخ باعتباره صراعا مستمرا بين الطبقات وكفاحا متواصلا من أجل نيل الحقوق.

ويرى منظرو هذا المذهب أن الرأسمالية ليست إلا مرحلة فقط ولن يتوقف التاريخ عندها، بل سيتجاوزها كما تجاوز غيرها (الإقطاعية والعبودية)، وستتحول المجتمعات الإنسانية إلى نمط جديد من التنظيم الاجتماعي (المجتمع الاشتراكي). 

ويعتقدون أن إشاعة الوعي لدى طبقة البروليتاريا (العمال) بضرورة تبني الخيار الثوري هو السبيل الوحيد الكفيل بخلخلة الوضع القائم وإحداث التحول المنشود.

وبخصوص دور الدولة في الاقتصاد، فإن منظري الاشتراكية العلمية يؤمنون باحتكار الدولة لكل وسائل الإنتاج دون أي استثناء، وتأميم كل المقاولات المملوكة للخواص. ويرون أن الإنتاج ينبغي أن ينظم بشكل مركزي وموجه عبر إسناده إلى هيئة للتخطيط تقوم مقام السوق في الاقتصاد الرأسمالي.

كما أنهم -خلافا لأصحاب الاشتراكية المثالية- ينظرون إلى المجتمع الاشتراكي الذي تسهر فيه الدولة على تنظيم الإنتاج باعتباره مرحلة تاريخية انتقالية فقط (مرحلة التحول الثوري)، ستقود في النهاية إلى قيام الشيوعية حيث يصبح المجتمع خاليا من الطبقات وتلغى الدولة لانعدام الحاجة إليها حينئذ. ويعد كارل ماركس وصديقه فريدريك إنجلز رائدين لهذا المذهب بامتياز.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة