مصر في عام 2006   
الجمعة 1427/12/9 هـ - الموافق 29/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:47 (مكة المكرمة)، 10:47 (غرينتش)
 
غلب على الشهور الأولى لعام 2006 في مصر سمة الحراك في الشارع السياسي غير أن هذا الحراك لم يسفر عن نتائج كبيرة تلبي طموحات دعاة الإصلاح - كما يقولون- رغم ما أعلنه الرئيس المصري في نهاية العام من تعديل شمل 34 مادة دستورية.
 
الإصلاح السياسي يراوح مكانه رغم التعديلات الدستورية
رغم النشاط الملحوظ لدعاة الإصلاح السياسي في مصر خلال عام 2006 والذي تمثل في مظاهرات قامت بها جماعة الإخوان المسلمون وحركة كفاية وبعض التنظيمات اليسارية والناصرية للمطالبة بإلغاء قانون الطوارئ وقانون الأحزاب ورفض محاولات توريث الحكم وصد موجات الفساد وتعديل المادة 77 من الدستور التي تتيح عمليا للرئيس البقاء في منصبه مدى الحياة عن طريق ترشحه للرئاسة دون تحديد لعدد المرات، وإعادة النظر في القيود التي وضعتها الحكومة أثناء تعديل المادة 76 من الدستور والتي تحول دون ترشح المستقلين لرئاسة الجمهورية...إلخ، لكن القليل من هذه المطالب التي من شأنها إحداث تغييرات جوهرية في الحياة السياسية هو الذي تحقق وأعلن عنه الرئيس مبارك في تعديلاته الدستورية أثناء خطابه في الأسبوع الأخير من العام.
 
الخلاف بين السلطتين القضائية والتنفيذية
"
أبرز عناوين عام 2006 في مصر تركزت في قضايا الإصلاح السياسي ومظاهرات القضاة وكوارث غرق العبارة وتصادم القطارات وتسمم مياه الشرب وانتشار فيروس أنفلزنزا الطيور
"
وكان الخلاف بين الحكومة والمؤسسة القضائية أحد أبرز مشاهد عام 2006، حيث نظم قضاة مصر مظاهرات تطالب بإقرار قانون "السلطة القضائية" الذي يضع حدا لتدخل السلطة التنفيذية في أعمال جهاز القضاء، وهددوا بامتناعهم عن الإشراف على أي انتخابات قادمة سواء أكانت تشريعية أو رئاسية، معتبرين ذلك بمثابة "شهادة زور تضفي شرعية على انتخابات لا تتوافر لها ضمانات النزاهة".

 
وقد ردت الحكومة في البداية على تحركاتهم بتحويل اثنين منهم للمحاكمة وضرب ثالث بالأحذية واعتقال العديد من القيادات الوطنية التي حاولت مساندتهم، لكنها عادت قرب نهاية العام ووافقت عن طريق أغلبيتها الكاسحة في البرلمان على "بعض" هذه المطالب، وهو ما لم يُرضي القضاة الذين اعتبروا ذلك أقل من "الحد الأدنى" الذي يأملونه.
 
ضعف أداء أجهزة الدولة
ولفت النظر في أحداث مصر خلال عام  2006 أيضا العديد من الكوارث الناجمة عن ضعف كفاءة أجهزة الدولة لا سيما المختصة منها بالتفتيش على إجراءات الأمن والسلامة، وقد تسبب ذلك في وقوع ضحايا كثر.
 
وكانت أكبر وأهم هذه الأحداث غرق العبارة السلام 98 وموت أكثر من 1400 من ركابها، وحريق مسرح قصر ثقافة بني سويف ومقتل 32 شخصا، وسلسلة حوادث القطارات التي أدت إلى مقتل المئات، فضلا عن تلوث مياه الشرب في بعض محافظات الدلتا والتي أدت لتسمم أكثر من 200 من المواطنين، كما لوحظ ضعف الأداء أثناء انتشار فيروس أنفلونزا الطيور وتسببه في موت عشرة أفراد.
 
تكرار أحداث الفتنة الطائفية
أما أحداث الفتنة الطائفية المتكررة فلم يخلو منها عام 2006، فقد شهدت مدينة الإسكندرية اشتباكات بين بعض المسلمين والمسيحيين أسفرت عن قتلى وجرحى على خلفية مسرحية عرضت داخل الكنيسة بها مشاهد اعتبرها المسلمون مسيئة لمقدساتهم وطالبوا بابا الكنيسة الأرثوذكسية الأنبا شنودة الذي "بارك هذا العمل المسرحي" بالاعتذار لكنه رفض.
 
ملاحقات قضائية للصحفيين
وعلى الرغم من أن عام 2006 شهد ارتفاعا ملحوظا لسقف حرية الرأي والتعبير فإن هذا لم يمنع من أن يشهد العام أيضا ملاحقات قضائية لبعض الأقلام التي اشتهرت بجرأتها على انتقاد الأوضاع القائمة لا سيما ما يتعلق منها بقضيتي التوريث والفساد وهو ما حدث لرئيس تحرير صحيفة الأسبوع مصطفى بكري ورئيس تحرير صوت الأمة وائل الإبراشي ورئيس تحرير الدستور إبراهيم عيسى .
 
تنامي مؤشرات العنف المجتمعي
"
علماء الاجتماع في مصر يلاحظون ضعف وترهل أجهزة ومؤسسات الدولة التي تتعامل مع الجماهير في مقابل تضخم قوة ونفوذ الأجهزة الأمنية المخصصة للتعامل مع دعاة الإصلاح السياسي والرافضين لمحاولات فرض التوريث وجعله أمرا واقعا

"
شهد المجتمع المصري كذلك هذا العام تنامي ما أسماه بعض علماء الاجتماع "العنف المجتمعي" حيث لم يعد العنف صادرا فقط عن الدولة أو بعض التنظيمات السياسية المعارضة ولكنه بات واضحا في سلوك بعض شرائح وفئات المجتمع غير المسيسة، ويتبدى في المكان والزمان الذي تضعف فيه قبضة الدولة، وفي هذا السياق كانت الحادثة الأبرز تلك التي وقعت أول أيام عيد الفطر أمام إحدى دور السينما في قلب القاهرة وما تعرضت له بعض الفتيات من تحرشات على يد مجموعة من الشباب، وهي حادثة أثارت دلالتها المجتمعية قلق الكثيرين على منظومة القيم في مصر .
 
زيادة التحركات الطلابية والعمالية
وفي إطار التحرك الشعبي شهد العام فعالية ملحوظة لطلاب وأساتذة الجامعات، حيث بادر الطلاب إلى تكوين اتحاد مستقل يمثلهم أطلقوا عليه "الاتحاد الحر" بعيدا عن الاتحاد الذي وصفوه بـ "الحكومي" وارتفع صوت أساتذة الجامعات المطالبين بوقف التدخل الأمني في شؤون الجامعة، ولا تزال نتائج إحدى مظاهرات الطلاب (جامعة الأزهر) تلقي بظلالها على المشهد السياسي في مصر وتفجر قضايا كبيرة متعلقة بكيفية التعامل مع "المسألة الإخوانية" والاعتراف القانوني بهم كقوة سياسية أسوة باليساريين والليبراليين.
 
وكان التحرك الآخر اللافت ذلك الذي نظمه حوالي 20 ألف عامل في شركة المحلة للغزل والنسيج بصورة عفوية بعيدا عن أي تنظيم سياسي وبعيدا عن سلطة اتحاد عام نقابات عمال مصر الذي تسيطر عليه الحكومة منذ أكثر من ثلاثين عاما، وقد نجح العمال في إجبار إدارة الشركة على تلبية مطالبهم المتعلقة بالحوافز وصرف الأرباح. 
 
إعادة الحياة للبرنامج النووي
ولم يكد العام يوشك على الانتهاء حتى فوجئ الرأي العام المصري بدعوة الحكومة لإعادة الحياة للبرنامج النووي والذي توقف بصورة متدرجة منذ السبعينات ثم تجمد تماما منذ أواسط الثمانينات. وقد 
تردد فجأة أن مصر بحاجة إلى الدخول في عصر الطاقة النووية السلمية نظرا لحاجتها الماسة  للطاقة الكهربائية.

 
غير أن هذه الدعوة لم تلق استجابة واسعة لدى الرأي العام ولم يأخذها على محمل الجد، وقد برر البعض ذلك بضعف كفاءة النظام الإداري للدولة في تشغيل مرافق أقل خطورة كمرفقي النقل والمياه وبالتالي فإنها في نظر أصحاب هذا الرأي غير مؤهلة من الناحية العملية حاليا لإدارة مرفق بحجم وخطورة الطاقة النووية.
 
موت أدباء وفنانين بارزين
وكان عام 2006 لافتا في أعداد الفنانين والأدباء الذين وافتهم المنية بدءا من المخرج علاء كريم ونجمي الكوميديا عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس والممثلة ماجدة الخطيب والممثلة والمطربة هدى سلطان، أما على صعيد الأدباء والنقاد فكانت الوفاة الأبرز للروائي الأشهر صاحب جائزة نوبل نجيب محفوظ وللناقد الأدبي الدكتور سمير سرحان. 
 
انهيار البورصة واستمرار الخصخصة
وعلى الصعيد الاقتصادي كان تدهور أوضاع البورصة وخسارة الكثيريين لا سيما صغار المستثمريين أموالهم، فضلا عن بيع بعض شركات القطاع العام وبالأخص بنك الأسكندرية وشركة عمر أفندي الشهيرة بثمن وصفه كثير من المحللين الاقتصاديين بالبخس فضلا عن استمرار غلاء الأسعار الأبرز هذا العام.
 
استمرار دور الوساطة
وأخيرا على صعيد السياسة الخارجية حاولت مصر خلال عام 2006 الاستمرار في أداء دور "الوساطة" وهو الدور الذي رسمته لنفسها بعد خروجها من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي عام 1979 بتوقيع معاهدة السلام وتراجع دورها المؤثر في محيطها الإقليمي، غير أن هذه الوساطة التي تمت طوال أشهر العام الذي يوشك على الانقضاء سواء بين فتح وحماس أو بين الفرقاء في لبنان والعراق والسودان لم تسفر بعد عن نتائج تحسب في رصيد الدبلوماسية المصرية.
______________
الجزيرة نت
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة