العلاقات السياسية العراقية – الأمريكية 1979 - 2003   
الخميس 1430/10/12 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

* بقلم/ معتز سلامة

منذ تولي الرئيس صدام حسين السلطة في العراق عام 1979 كانت العلاقات العراقية-الأمريكية نموذجا للعلاقات المتقلبة التي انعكست عليها الأوضاع المختلفة للنظامين الدولي والإقليمي. ولقد انعكست على هذه العلاقات أحداث مهمة منها الثورة الإيرانية عام 1979 والحرب العراقية - الإيرانية 1980 والغزو العراقي للكويت 1990، وحرب الخليج الثانية 1991، وأخيرا أحداث 11 سبتمبر 2001. وكان العراق عنصرا رئيسيا في مفاصل الانتقال والتحولات الكبرى في كلا النظامين.

لقد تأثرت هذه العلاقات بالتحولات الموضوعية وانتقال النظام الدولي من الحرب الباردة إلى القطبية الأحادية، وتأثرت بعوامل ذاتية وبالطبيعة الخاصة لشخصية الرئيس صدام حسين وتطلعاته وطموحاته، وأيضا بمواقف إدارات أمريكية تعاقبت على البيت الأبيض لمدة تزيد على عشرين عاما.

وهناك مجموعة من العوامل تحكمت بالعلاقات الأمريكية - العراقية، أهمها: طبيعة التوجه القومي البعثي للدولة العراقية، وموقف العراق من الصراع العربي - الإسرائيلي، وطبيعة العلاقات السوفييتية - العراقية حيث كان البلدان قد وقعا على معاهدة الصداقة والتحالف في 9 إبريل 1972 لمدة 15 سنة، وخصوصية العلاقات بين أمريكا وإيران الشاه.

لقد ظلت إيران كحامي للخليج وأحد الأعمدة الركينة في استراتيجية "الأعمدة المتساندة" في الشرق الأوسط، وذلك في الفترة ما بين 1958 – 1978، بينما نظر للعراق على أنه مراجع إقليمي في الصراع العربي - الإسرائيلي، ومصدر التهديد الرئيسي للدول الملكية في الخليج. لذلك فقد دعمت أمريكا إيران الشاه بكل الأسلحة، وأرسلت المستشارين والخبراء العسكريين الأمريكيين ليعلموا جنوده.

ومع الزيادة الكبيرة في عائدات النفط في 1973 أصبح بإمكان الشاه زيادة مشترواته من السلاح على نحو مكنه من أن يصبح شرطي الخليج.

يمكن تقسيم مراحل العلاقات الأمريكية العراقية إلى أربع هي:

- أولا: مرحلة الثورة الإيرانية 1979 والحرب العراقية الإيرانية في 1980
والتي تمثل مرحلة التقارب والتعاون والالتقاء على هدف كبح جماح الثورة.

- ثانيا: مرحلة الغزو العراقي للكويت وأزمة وحرب الخليج الثانية
والتي تمثل مرحلة قمة الأزمة في العلاقات الأمريكية - العراقية.

- وثالثا: مرحلة ما بعد أزمة الخليج الثانية 1991-2001
والتي تتمثل بمرحلة تطبيق قرارات الأمم المتحدة والتفتيش والاحتواء

- رابعا: مرحلة إدارة بوش والتي تكرس نهجها بعد أحداث 11 سبتمبر.
وهذه المرحلة شهدت الخلط بين الإرهاب والدول المارقة أو ما أسميت فيما بعد دول "محور الشر" والتي كان العراق في طليعتها.

العلاقات في مرحلة الثورة الإيرانية وحرب الخليج الأولى 1979-1988(الالتقاء على هدف كبح الثورة)


المرحلة الأولى(1979-1988) من العلاقات بين البلدين مرحلة تقارب وتعاون والتقاء على كبح جماح الثورة الإيرانية

العنوان الرئيسي لهذه المرحلة هي أنها مرحلة الحياد الأمريكي المعلن بين طرفي القتال، والتعاون السري، ثم الانحياز الصريح للعراق ودعمه عسكريا، على الرغم من انتقادات هائلة تعرضت لها الإدارة الأمريكية من جراء دعمها للعراق.

لقد أدت الثورة التي قادها الإمام الخميني في إيران 1979 والتي أطاحت بحكم الشاه، ثم بدء الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) إلى تغيير كبير في العلاقات الأمريكية – العراقية.

بالنسبة للولايات المتحدة، انتهت استراتيجية الاعتماد على قوة إقليمية تناط بها مهمة حماية المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحددت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه الخليج فيما عرف "بمبدأ كارتر" الذي قدم الرئيس الأمريكي السابق أبعاده في مطلع عام 1980 بإقرار الولايات المتحدة حماية مصالحها بنفسها من خلال قوة للتدخل السريع في منطقة الخليج.

وبالنسبة للعراق، فنزولا على ظروف الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) وحاجته الماسة للدعم الأمريكي تآكلت الطاقة الراديكالية للنظام في الصراع العربي - الإسرائيلي وأعلن الرئيس صدام حسين قبوله بخيار الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية وهو موقف امتدحته واشنطن، كما أن علاقاته مع الاتحاد السوفييت تراجعت في ظل الرغبة السوفييتية في التقارب مع إيران وامتناعه عن تقديم الأسلحة للعراق بموجب اتفاقية الصداقة والتعاون ين البلدين.

تمثل الدعم الأمريكي للعراق أثناء الحرب العراقية الإيرانية في خمسة أشكال:

- أولا: الدعم المباشر الاستخباراتي والمعلوماتي والعسكري.

- ثانيا: الدعم من خلال حلفاء.

- ثالثا: الدعم من خلال فرض حصار على إيران لعدم استيراد السلاح.

- رابعا: السكوت عن جرائم العراق باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد القوات الإيرانية.

- خامسا: التدخل المباشر لتعديل ميزان الحرب وأحيانا الهجوم المباشر على مواقع إيرانية. فعلت الولايات المتحدة ذلك في ظل استراتيجية وسياسة لميزان القوى بين الطرفين، حيث اعتبرت الحرب فرصة لإضعاف الطرفين، ففي الوقت الذي كانت تزود العراق بالأسلحة الحديثة لم تتردد في تزويد إيران سرا بالأسلحة عن طريق مصادر غربية عديدة منها إسرائيل نفسها وذلك في الفترة 1984 و 1987 وهي التي عرفت فيما بعد بفضيحة "إيران كونترا - جيت.

وفي عام 1987 تدخلت الولايات المتحدة مباشرة بعد أن هاجمت الزوارق الإيرانية السرية ناقلات البترول لدول الخليج. فدمرت السفن الحربية الأمريكية في إبريل 1987 رصيفين بتروليين عائمين تابعين لإيران وعندما تعرضت لها السفن الإيرانية أغرقت البحرية الأمريكية 3 مدمرات وأصابت فرقاطتين إيرانيتين أخريين.

دونالد رامسفيلد في بغداد 1983

قام رامسفيلد بزيارة العراق في وقت كانت المعركة تتحول لصالح إيران، ووسط تخوف أميركي من اختراق إيراني من الجنوب.

تحت ضغط الحرب غيرت الولايات المتحدة موقفها المعلن بالحياد وانحازت إلى للعراق. وقد أشارت مصادر عديدة مؤخرا إلى الزيارة التي كان وزير الدفاع الأمريكي الحالي دونالد رامسفيلد الحالي قام بها لبغداد حينما كان مستشارا للرئيس ريجان ولقائه صدام حسين وطارق عزيز وزير الخارجية آنذاك في ديسمبر 1983. قام رامسفيلد بزيارته في وقت كانت المعركة تتحول لصالح إيران، وكانت الولايات المتحدة راغبة في عدم السماح بانهيار الجبهة العراقية. وقد كشف "هوارد تيشر" مساعد مجلس الأمن القومي السابق الذي رافق رامسفيلد في الزيارة في شهادة له في 31 يناير 1995 عن مدى تورط إدارتي ريجان وبوش في دعم العراق مباشرة أو من خلال وسطاء. طبقا لـ"تيشر" فإن الانحياز إلى العراق بدأ في ربيع 1982 بعد 18 شهر من الغزو العراقي لإيران سعيا لإحراز نصر سريع على إيران، وقد بدأت المخاوف تدب في إدارة ريجان من احتمال اختراق إيراني من الجنوب إلى الكويت والسعودية. في ربيع 1982 كان العراق يتجه لخسارة الحرب. ففي مايو ويونيو 1982 اكتشف الإيرانيون فجوة في الدفاعات العراقية بين بغداد والبصرة شنت إيران هجوما شاملا عبر الفجوة في الدفاعات الإيرانية وكان الاختراق الإيراني سيفصل بغداد عن البصرة، ومن ثم ينتهي إلى هزيمة عراقية. اكتشفت المخابرات الأمريكية وصور الأقمار الصناعية التابعة لأمريكا الفجوة في الدفاعات العراقية والغزو الإيراني الشامل عبر الفجوة. كانت الإدارة الأمريكية لازالت محايدة في الحرب، وكان اختبار الرئيس ريجان بين الحفاظ على الحياد الصارم والسماح لإيران بهزيمة العراق وبين التدخل ومساعدة العراق. وانتهى إلى قرار بالتدخل ضد إيران سرا.

المساعدات الأمريكية للعراق أثناء الحرب (إدارة ريجان)

ما بين 1988 و 1990 كان هناك تباين بين موقف الإدارة والكونجرس الأميركيين، فالأخير كان يتجه إلى موقف متشدد من العراق، بينما كانت الإدارة تتصدى للكونغرس

زودت الولايات المتحدة العراق بمساعدات مادية وعسكرية واستخباراتية. في 1982 أمر الرئيس ريجان وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية بإمداد الجيش العراقي بالمعلومات الاستخباراتية وآلة الحرب بعد أن نصحه مدير السي أي يه وليم كيسي بعمل ذلك. وفي شهادته السابق الإشارة إليها قال هوارد تيشر أن وليم كيسي كان يشرف شخصيا على تزويد العراق بما يكفيه من ذخيرة وأسلحة وعربات من أجل ضمان ألا ينهزم العراق في هذه الحرب.

وبرغم معارضة الكونجرس رفعت إدارة ريجان في فبراير 1982 العراق من لائحة وزارة الخارجية بشأن الدول الراعية للإرهاب. في 1983 وافقت إدارة ريجان على بيع 60 طائرة هليكوبتر مدنية من نوع "هوفز" للعراق رغم علمها بإمكان تسليح ه8ذه المروحيات بتعديل طفيف. في 1983 دفع وزيرا التجارة والخارجية الأمريكيين مستشار الأمن القومي إلى الموافقة على بيع العراق 10 طائرات هليكوبتر رغم معارضة باقي أعضاء مجلس الأمن القومي. وقد طلب الرئيس ريجان شخصيا من رئيس الوزراء الإيطالي جوليو أندريوتي بتمويل الأسلحة للعراق.

في أغسطس 1984 أقامت السي أي إيه علاقة مخابراتية مباشرة مع العراق. في 26 نوفمبر 1984 أعادت إدارة ريجان علاقات الدبلوماسية الكاملة مع العراق. وفي أوائل 1985 وأواخر 1986 فضلا عن أن الولايات المتحدة قدمت للعراق صورا بالأقمار الصناعية تكشف تحركات القوات الإيرانية فقد نشرت الولايات المتحدة بسرية ضباط قوات جوية أمريكيين في العراق لكي يساعدوا نظرائهم في الجيش العراقي علاوة على أكثر من 60 ضابطا من وكالة استخبارات الدفاع، التي قدمت معلومات سرية مفصلة عن القوات الإيرانية وأماكن انتشارها، والتخطيط التكتيكي للمعارك، وخطط لضربات جوية وتقديرات لنتائج الضربات وما ألحقته من خسائر للعراق.

في نوفمبر 1986 علمت المخابرات الأمريكية أن مركز أبحاث سعد 16 العراقي يحاول تطوير صواريخ بالستية وعلى الرغم من ذلك وافقت وزارة التجارة الأمريكية على بيع أجهزة كمبيوتر للمركز بقيمة مليون دولار. في 1988 زودت الولايات المتحدة بغداد بضمان بقيمة 500 مليون دولار لشراء منتجات زراعية أمريكية. في 1988 ومن خلال مكتب السي أي إيه في بغداد تم تقديم جزء كبير من معلومات المخابرات العسكرية الأمريكية إلى العراقيين.

بالنسبة لصانعي السياسة الأمريكيين فإن نهاية الحرب العراقية - الإيرانية في 1988 وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار رسميا في أغسطس 1989 لم يعن انتهاء التهديد الإيراني واستمر الأمريكيون في دعم العراق بهدف تشجيع الاعتدال العراقي. ومنذ 1988 كان هناك توجه أمريكي رسمي لتكثيف الاستثمار في العراق. واعتبرت الإدارة الأمريكية أن العلاقات مع العراق حيوية للمصالح الأمريكية. وما بين 1988 و 1990 كان هناك تباين بين موقف الإدارة والكونجرس، فالكونجرس كان يتجه إلى موقف متشدد من العراق على خلفية استخدامه الغازات السامة والأسلحة الكيماوية ضد المناطق الكردية بينما الإدارة كانت تتصدى لمحاولات الكونجرس عرقلة تقدم العلاقات.

في سبتمبر وديسمبر 1988 طبقا لوثيقة نشرت من قبل وزارة التجارة الأمريكية تحت عنوان "التراخيص التي تمت الموافقة عليها للعراق 1985 – 1990" تبين سجلات إدارة ريجان أنه بين سبتمبر وديسمبر 1988 تم منح 65 رخصة لصادرات مواد تكنولوجية ذات استخدام مزدوج. في 8 سبتمبر 1988، مرر مجلس الشيوخ "قانون جرائم الإبادة الجماعية لعام 1988" الذي جعل العراق غير قابل لتلقي قروض أمريكية، أو المساعدة العسكرية أو غير العسكرية، وضمانات الائتمان وحظر تصدير مواد معينة. وحظر أيضا على الولايات المتحدة استيراد النفط العراقي، ولكن بعد إمرار القانون مباشرة شنت إدارة ريجان حملة لإجهاضه، بمساعدة حلفائها في مجلس النواب ونجحت الإدارة في إجهاض القانون في اليوم الأخير للجلسة التشريعية.

كان موضوع دعم العراق موضوعا خلافيا داخل إدارة الرئيس ريجان ففي أواخر ديسمبر 1988 أعدت وزارة الخارجية الأمريكية مراجعة لوزير الخارجية جورج شولتز فيما يتعلق بضمانات الولايات المتحدة لقرض متوسط الأجل للعراق من بنك الاستيراد والتصدير. كان البنك راغبا في تمويل قرض قصير الأجل. لكن ريتشارد مورفي من مكتب شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا وآلين واليس من مكتب الشؤون الاقتصادية والأعمال كلاهما كان مع التمويل طويل الأجل باعتباره ضروريا لتمكين الشركات الأمريكية من المنافسة على عقود ومشاريع إعادة البناء في عراق ما بعد الحرب. ولكن ريتشارد شيفتر من مكتب حقوق الإنسان والشؤون الإنسانية عارض بشدة زيادة تسهيلات الضمان للعراق بعد أشهر من استخدامه الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد. ووجه انتقادات عنيفة للحكومة العراقية. لكن مورفي اعترض وعلق بأن هذا التوصيف للسلوك العراقي يستند إلى مصادر متحيزة وأن الهجوم على العراقي كان ضد أكراد تحالفوا مع إيران عدو العراق. وأوصى بضمانات ائتمانية متوسط الأجل للعراق، وقد وافق مكتب الشؤون الاقتصادية، ولكن شولتز اتخذ قرارا بترحيل المسألة إلى إدارة بوش المقبلة.

إدارة بوش الأب

في يوليو 1990 اتخذ الرئيس العراقي صدام حسين قرارا بوقف كل الواردات من الولايات المتحدة مما دمر العلاقات بين البلدين

سارت إدارة بوش على نفس خطى إدارة ريجان من حيث دعم العراق وإعلاء شأن المصالح الاقتصادية والنظر إلى العراق كسوق واعدة للشركات الأمريكية وكشريك تجاري مهم، ومن ثم تجاوزت عن الأخطاء العراقية وسارت في نفس تحليلاتها كما تثبت ذلك الكثير من التوجيهات والمذكرات الصادرة عن تلك الإدارة.

في العام 1989 أعد النواب أنفسهم وطرحوا للمناقشة في مجلس النواب مشروع قانون جديد ينص على فرض العقوبات على الشركات المشاركة في إنتاج أو نقل الأسلحة البيولوجية والجرثومية إلى العراق، إلا أن هذا القانون اصطدم بمعارضة البيت الأبيض.

في 2 أكتوبر 1989 توقفت كل البنوك الدولية عن منح القروض للعراق، مع ذلك فإن إدارة الرئيس بوش وقعت توجيها للأمن القومي في 26 أكتوبر 1989 يؤسس لروابط أوثق مع العراق ويمنح 1 بليون دولار على شكل ضمانات قرض زراعي للحكومة، واتبعت وسائل متعددة لضمان عدم اعتراض الكونجرس وضمان حصول العراق في النهاية على القرض، بيد أنه كانت هناك شكوك في الأوساط الأمريكية حول قدرة العراق على تسديد الديون، ولهذا لم تستطع الإدارة إقناع البنوك إلا بمبلغ 500 مليون دولار فقط..

وفي عام 1990 عندما أعد جون كيلي معاون وزير الخارجية لشؤون الأمن القومي مذكرة طالب فيها بفرض الحظر على القرض المقدم للعراق وقيمته 500 مليون دولار وقفت إدارة بوش ضد المذكرة، معللة موقفها بأن هذا الحظر يمكن أن يثير جنون صدام حسين وسيعمل على دفعه لاتخاذ خطوات ضدنا على جناح السرعة.

لكن في يوليو 1990 اتخذ الرئيس العراقي صدام حسين قرارا دمر العلاقات بن العراق والولايات المتحدة، فقد أبلغت الحكومة العراقية السفارة الأمريكية في بغداد أن العراق سوف يوقف كل الواردات من الولايات المتحدة إذا لم يتلق ضمانات قروض بنهاية شهر سبتمبر، وبدأ مسلسل الأزمة العراقية باتهام العراق للكويت بانتهاك حصص انتاج النفط وبسرقة النفط العراقي.وبعد الغزو مباشرة أصدر الرئيس بوش قرارات تنفيذية بتجميد كل الأصول العراقية. ومن جانبه توقف العراق عن تسديد مدفوعاته على القروض الأمريكية.

أزمة وحرب الخليج الثانية 1990 – 1991
(العراق: من حليف إلى عدو)

بخروج العراق منتصرا على إيران في الحرب حدث تغير في المسرح الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وكان هذا التغير ملموسا. ساعد على ذلك أن الاعتدال العراقي زمن الحرب مع إيران بشأن إسرائيل تراجع ثانية بعد انتهاء الحرب، فأخذ العراق يتجه للتشدد ويقود لواء المراجعة في السياسة العربية خصوصا خلال سنتي 1989 و 1990، ويلوح جهارا بالتهديد بحرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج.

وقد نبه الغزو العراقي للكويت الولايات المتحدة إلى القدرة العسكرية العراقية التي تنامت في ظل ظروف مختلفة وفي ظل تقديرات متباينة للاستخدام المستقبلي لتلك القوة. وقد أفصح الجنرال مايكل دوجان الرئيس السابق لقيادة أركان القوات الجوية الأمريكية في مقال نشرته صحيفة الجارديان البريطانية (2/9/1990) عن أن أحد أهداف حرب الخليج هو "تحطيم وتصفية عشر سنوات من التنمية الصناعية في العراق ". وقد حققت الضربة الجوية هذا الهدف بدرجة عالية من الإتقان عندما أتيحت الفرصة لتنفيذ الخيار العسكري.

بعد الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990 اتخذت العلاقات الأمريكية - العراقية مسارا مختلفا تماما عن مسار ما قبل الحرب، وهو مسار العداء التام، والذي استمر حتى الآن. وتمثلت الخطوط العامة للسياسة الأمريكية في إدارتها لأزمة وحرب الخليج الثانية فيما يلي:

  • إدارة الأزمة بهدف الوصول إلى الحرب
  • إدارة الحرب بشكل ينتهي إلى تدمير القدرات الاستراتيجية للجيش العراقي
  • الإدارة بالأزمات المستمرة ما بعد الحرب.
  • ضمان استمرار بقاء العقوبات وتطبيق قرارات مجلس الأمن كلها دون أدنى اختراق.
  • الضربات العسكرية المتواصلة لمواقع القوة الاستراتيجية العراقية وبما تجعل العراق في استنزاف مستمر لقدراته.
  • فرض منطقتي حظر الطيران في الشمال والجنوب تغطي 62% تقريبا من مساحة العراق تؤهل لتنامي حكم فيدرالي في المستقبل.

تشكل التحالف ضد العراق في 1990 – 1991 من 29 بلدا، تحملت الولايات المتحدة العبء الأكبر فيه. بعد 100 ساعة من الغزو البري تصدع الجيش العراقي. اعتقد المخططون الأمريكيون أن الهزيمة القاسية لصدام حسين سوف تتركه مكشوفا وتثير انتفاضة شعبية تطيح به، لذلك قررت الإدارة الأمريكية إنهاء المعركة وقبول التعهدات العراقية بنزع السلاح.

وبعد انتهاء الضربات الجوية وإيقاف الزحف البري اعتمد الاحتواء الأمريكي للعراق على إجراءات متعددة الجوانب، منها نظام عقوبات صارم مفروض من قبل مجلس الأمن بترسانة من القرارات الدولية. بينما الولايات المتحدة تمتلك حق النقض لمنع رفع العقوبات بعد تنفيذ العراق لكل القرارات. وخلال نهاية عام 1990، مرر مجلس الأمن حوالي 12 قرارا يدين العمل العراقي، ويصر على الرد عليها ويفرض عقوبات على عدم الالتزام بها. وكان وقف إطلاق النار مشروطا بموافقة العراق على كل القرارات. ونص على ذلك في قرار مجلس الأمن رقم 687.

اتخذ النمط الأمريكي أسلوبا مدروسا في إدارة الأزمة ففي البداية أعلن عن أن هدف قدوم القوات الأمريكية هو حماية السعودية وأن القوات الأمريكية لن تهاجم العراق إذا لم يغز السعودية. وكانت لغة التهديد والتصعيد الأمريكية بالعمل العسكري تتصاعد بمقدار تسارع وقدرة الانتشار العسكري، وفي النهاية اختلفت اللغة بالمطالبة بالخروج من الكويت بلا قيد أو شرط، ثم انتهت إلى تدمير قدرات العراق الاستراتيجية.

مرحلة العقوبات والتفتيش 1991 – 2001
(الاحتواء والاستنزاف)


في عام 1998
أصدرت إدارة الرئيس كلينتون قانون "تحرير العراق" مؤذنة بمرحلة جديدة في التعامل مع العراق
تمثلت أهم عناصر التحرك الأمريكي ضد العراق في هذه المرحلة فيما يلي:

  • إدارة أوضاع ما بعد الحرب بأسلوب الحرب.
  • الأزمات الدورية مع فرق التفتيش وتجنيد مفتشين لأغراض تجسسية.
  • الاحتواء المزدوج – الدول المارقة.

فعلى مدى السنوات من 1991 وحتى الآن، وقفت الولايات المتحدة بصلابة في وجه مساعي القوى الدولية الراغبة في رفع الحظر المفروض على العراق. وأفضل ما أمكن الوصول إليه بسبب ضغوط تلك القوى الدولية لم يتجاوز اتفاق "النفط مقابل الغذاء" الذي تم العمل به بموجب قرار مجلس الأمن رقم 986 لعام 1995 الذي يسمح للعراق بتصدير كميات محدودة من النفط كل ستة أشهر لا تتجاوز قيمتها ملياري دولار. وقامت الولايات المتحدة خلال السنوات من 1993 إلى 1998 بثلاث حملات كبرى على العراق:

  • الأولى، عشية انتهاء فترة الرئيس بوش الأب وتسلم كلينتون الإدارة في 14 يناير 1993 حيث تم قصف العراق بصواريخ توماهوك وضربات بالطائرات.
  • الثانية، في سبتمبر 1996 حين أصدر الرئيس كلينتون أمرا بتوجيه ضربة للعراق بالصواريخ والقنابل على أعتاب الانتخابات وإدارته الثانية.
  • الثالثة، في فبراير 1998 حين شنت عملية "ثعلب الصحراء" في منتصف ديسمبر 1998 والتي استمرت 70 ساعة وكانت تهدف أيضا إلى التغطية على الوضع المتأزم للرئيس كلينتون في فضيحة مونيكا لوينسكي. (مما يوضح كيف أصبح الموضوع العراقي موضوعا للتلاعب بحسب الشؤون الداخلية الأمريكية)

ومنذ مايو 1993، أصبحت السياسة الرسمية الأمريكية في الخليج تتبنى سياسة "الاحتواء المزدوج" لكل من العراق وإيران. ولكن هذه السياسة انتهت "بالاحتواء المنفرد" للعراق.

ومنذ حرب الخليج عملت الولايات المتحدة على إطاحة صدام حسين. في 1995 و 1996 اتخذت الحملة شكل برنامج عمل مفتوح للعمل مع المعارضة العراقية الموجودة في الأردن. وفي نوفمبر 1998 بدأ المسؤولون الأمريكيون يتحدثون على أن السياسة الأمريكية تجاه العراق هي "الاحتواء مع تغيير النظام".

لقد تقررت سياسة تغيير النظام العراقي في قانون "تحرير العراق" الذي مرره مجلس النواب في 5 أكتوبر 1998 ومجلس الشيوخ في 7 أكتوبر من نفس العام. القانون يمنح الرئيس حرية التصرف كيفما يشاء في إنفاق مبلغ 97 مليون دولار في شكل مواد عسكرية وخدمات لمنظمات المعارضة العراقية التي تحددها الإدارة. وقد وقع الرئيس على المذكرة بالقانون في 31 أكتوبر 1998 في اليوم نفسه الذي أنهى فيه العراق كل تعاونه مع لجنة يونسكوم.

سياسة تغيير النظام 1998
حدد صمويل بيرجر مستشار الأمن القومي استراتيجية الإدارة تجاه العراق في كلمة له في جامعة ستانفورد في 8 ديسمبر 1998 قال أن الولايات المتحدة ستعمل "خطوة خطوة بطريقة عملية وفعالة" لتقوض ثم تطيح بصدام حسين باستخدام القوة الفاعلة عند الضرورة. وترافق تصريحه مع دعوات أمريكية لمن هم في مركز القوة في بغداد للإطاحة بصدام حسين، ووعود بتخفيف العقوبات الاقتصادية على النظام العراقي الجديد، وأيضا العمل على تخفيف الديون الاقتصادية الكبيرة للعراق.

وفي ضوء ذلك لم يستهدف القصف في 1998 الذي استمر ل 70 ساعة فقط إضعاف قدرة صدام حسين على صناعة أسلحة دمار شامل، ولكن أيضا إضعاف عناصر القوة الرئيسية في نظامه. لقد قدر مسؤولو الدفاع الأمريكيين أن ما بين 600 و 1600 جندي من الحرس الجمهوري قد قتل في العملية وتم استهداف مقرات قيادة المخابرات العسكرية والحرس الثوري ومنظمات الأمن الخاصة، بينما تم إبقاء وحدات الجيش النظامية أملا في تشجعها على القيام بانقلاب مستقبلي.

بعد الضربة أكد صمويل بيرجر أن هناك نتيجتين محتملتين للسياسة الأمريكية نحو العراق: التزام عراقي كامل بقرارات الأمم المتحدة الذي قال أنه غير محتمل، أو سقوط صدام حسين الذي قال أنه لا مفر منه. قال بيرجر أيضا أن الولايات المتحدة لديها الآن سياسة ذات نهاية مفتوحة باستخدام القوة العسكرية للحيلولة دون إعادة العراق بناء قدراته من أسلحة الدمار. ومنذ عملية "ثعلب الصحراء" بين 16 و 19 ديسمبر 1998، دخلت الولايات المتحدة في سياسة استنزاف للقدرات العراقية من خلال شرعنة الاستباحة الدائمة و"روتنة" الضربات للقدرات العراقية.

لكن رغم سعي إدارة كلينتون للإطاحة بالرئيس العراقي إلا أنها لم تطرحه كهدف في سياستها العلنية ينبغي تحقيقه بالتدخل العسكري الفج على نحو ما طرحت إدارة بوش التالية.

دعم المعارضة العراقية
على مدى ست سنوات حاولت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التخلص من صدام حسين مع التأكيد المتواصل للولايات المتحدة على الحفاظ على التكامل الإقليمي ووحدة الدولة العراقية، وهي سياسة اتبعتها الإدارة الأمريكية منذ 1991. فعندما بدا الشيعة في جنوبي العراق على استعداد لإنهاء المهمة بالتمرد والعصيان ضد صدام حسين في ربيع 1991، اختارت إدارة بوش أن تبقى جانبا، وتجاوزت عن قيام القوات العراقية بإعادة التجمع وسحق المتمردين بطائرات الهيليكوبتر، فالبديل كما يراه البيت الأبيض هو تصدع العراق وظهور دولة إسلامية جديدة تجاور إيران.

وفي مارس 1995 وفي آخر صيف 1996 واجهت إدارة كلينتون معضلات مماثلة في شمالي العراق. اتبعت وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية استراتيجيتين متوازيتين ولكنهما غير متصارعين بالضرورة لإزاحة صدام. في البداية دعمت المؤتمر الوطني العراقي وهو الجماعة المعارضة التي يقودها أحمد الجلبي (شيعي). وبدت جماعة أحمد الجلبي متحمسة في تجنيد المعارضة والأكراد، وبحلول أواخر 1994 أسست وكالة المخابرات المركزية قاعدة في شمالي مدينة صلاح الدين وبدأت تباشر أنشطة عسكرية.

لكن الولايات المتحدة كانت متشككة في قدرة الجلبي وجماعته على إسقاط صدام حسين أو السيطرة على الأكراد، وبدؤوا يفضلون خيارا آخر مع جماعة الوفاق في لندن التي تتكون من مجموعة من الضباط العراقيين. كان المسؤولون الأمريكيون دائما يشككون في قدرة المؤتمر الوطني العراقي على إزاحة صدام حسين أو حفظ النظام بين الجماعات الممزقة والمتصارعة في الشمال.

في سبتمبر 1998 بذلت الولايات المتحدة جهودها لتوحيد المعارضة العراقية، فأقنعت كلا من مسعود البرزاني وجلال طالباني زعيمي الحزبين الكرديين بالعمل سويا وتقاسم السلطة في شمالي العراق.

مرحلة إدارة بوش (الإبن) وأحداث 11 سبتمبر
(دمج الإرهاب بـ "محور الشر")


خلطت إدارة بوش الإبن بين الإرهاب والدول المارقة أو ما أسميت فيما بعد دول "محور الشر" والتي كان العراق في طليعتها.

منذ قدوم إدارة الرئيس بوش بدا أن هذه الإدارة لها نهجها المختلف من المسألة العراقية، وهذا ما اتضح قبل 11 سبتمبر في توجهات وتصريحات الرئيس بوش نفسه أو جناح الصقور اليميني في تلك الإدارة.

وبعد 11 سبتمبر أخضعت إدارة بوش سياستها نحو العراق للرؤية الشاملة للحرب على الإرهاب. فوضعت إطاحة النظام العراقي كهدف معلن تصرح به بلا مواربة، وهو موقف لم يحدث في المرحلة السابقة. ولكن تصريحات إدارة بوش لا تطرح موقفا محددا فيما إن كان يتم القضاء على النظام بضربة عسكرية أم على نحو سلمي. فالرئيس بوش قال إن العراق لو استجاب لمطالب مجلس الأمن فإن النظام سيكون قد تغير تلقائيا. كما أن وزير الدفاع رامسفيلد قال إن النظام سيتغير في النهاية. هناك خلط بين التغيير العسكري القسري والتغيير السلمي وبين التغيير طويل الأمد والتغيير قصير الأمد.

لكن على أي حال فقد تمكنت إدارة بوش من جعل هدف إسقاط النظام أمرا عاديا. وأثبتت استعدادها للتدخل العسكري الفعلي من أجل تغيير النظام وطرحت ذلك على نحو غير مسبوق. لقد نقبت إدارة بوش في كل خيط يمكن أن يوجد صلة بين العراق وأحداث 11 سبتمبر أو بين العراق وبن لادن ولكنها لم تقدم دليلا أكيدا.

وتسير إدارة بوش في الموضوع العراقي في طريقين:

  • الأول: أن الإدارة منذ قدومها إلى الحكم أعلنت عن تعديل العقوبات على العراق من أجل تمتين موقفها الدولي فأعلنت عن النية في تعديل نظام العقوبات على العراق ليجعلها أكثر فاعلية ومن ثم شرعت إدارة بوش في نظام للعقوبات يستهدف النظام وليس الشعب أسمي "العقوبات الذكية". وتحت مقترح العقوبات الذكية فإن الترتيبات التي تحكم برنامج النفط مقابل الغذاء الذي ترعاه الأمم المتحدة سوف يتغير لتسهيل تدفق السلع والبضائع المدنية للعراق. فحوى النظام الجديد هو تخفيف العقوبات المفروضة على السلع المدنية وهو ما تم الاتفاق عليه في قرار مجلس الأمن رقم 1409 في 14 مايو 2002، وجوهره إحكام الخناق على النظام العراقي.
  • الثاني: التخطيط لتغيير النظام السياسي في العراق. هذا الشق من سياسة الإدارة نحو العراق ولد أكثر جدلية للصراع، مع خيارات تتحدث عن شن غزو عسكري مباشر للعراق. لقد ساهم الموقف المتصلب للإدارة من العراق في تبني العراق موقفا متعاونا مع الأمم المتحدة ودخوله حوارا مفتوحا معها والتعاون مع فريق التفتيش التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية ولجنة "أنموفيك" التي حلت محل لجنة "يونسكوم". كما ضغطت الولايات المتحدة على نحو غير مسبوق لإصدار أكثر القرارات قسوة في تاريخ المنظمة الدولية وهو القرار 1441، الذي جعل الدولة العراقية مستباحة لفرق التفتيش بشكل كامل.

لقد حرصت الإدارة الأمريكية على اتباع منهجين ومسارين في الوقت نفسه، وهو مسار استمرار استقدام القوات العسكرية بكثافة في منطقة الخليج وكأن الخيار العسكري هو الوحيد، ومسار استمرار التفتيش وكأن الأزمة يمكن تسويتها سلميا، وكل مسار يخدّم على الآخر، فاستقدام القوات وجاهزية ميدان الحرب يمثل وضعا ضاغطا على القرار العراقي كما أنه يمنح الولايات المتحدة سلطة مطلقة وحرية حركة في تحديد خياراتها في حسم المسألة عند أي طارئ، أو عند أي بادرة لاعتراض عراقي على عمل المفتشين.

كما أن استمرار جهود التفتيش من شأنه أن يمهد الأرض لشن الحرب وتحقيق الهدف دون عائق من استخدام أسلحة يمكن أن تكون الملاذ الأخير للرئيس العراقي. ولم يترك هذا "المسار المزدوج" الذي تتم إدارته بإتقان على الصعد السياسية والعسكرية والدبلوماسية والإعلامية لأي محلل سياسي أو عسكري بإمكان التنبؤ بمسار محدد للأمور، فالحرب يمكن أن تنشب غدا ويمكن أن لا تنشب. حتى أن المسؤولين العراقيين أنفسهم يعتبرون أن عدم شن الحرب سيكون معجزة، كما أن البعض يرى أن احتمال الحرب 60% بينما يقدر آخرون احتمال الحرب ب 90%.

من المهم الإشارة في هذا الصدد إلى الخلاف بشأن الموقف من العراق داخل الإدارة نفسها وبين الإدارة والكونجرس. ففي داخل الإدارة برز فريقان أحدهما يتزعمه ديك تشني نائب الرئيس ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع وكوندوليزا رايس مستشارة الرئيس للأمن القومي وبول وولفوويتز نائب وزير الدفاع والثاني يتزعمه وزير الخارجية كولن باول. ولا يختلف الفريقان حول الموقف النهائي وإنما بشأن إدارة الموقف؛ فالأول يرفع لواء الحرب والتشدد وإطاحة النظام العراقي بغض النظر عن الموقف الدولي، أما الآخر فإنه يؤيد منهجا وطريقا يوصل إلى نفس الهدف ليس بالطريق القمعي للمجتمع الدولي وإنما من خلال الطريق السياسي الذي يمكن أن يتطلب فترة أطول من الوقت ولكنه ينتهي إلى التغيير في العراق عبر الحرب.

ولقد أصدر الكونجرس قراره يمنح الرئيس بوش صلاحيات شن الحرب، وبدت مؤسسات صناعة القرار الأمريكي نفسها تضغط على مؤسسات صناعة القرار الدولي الموجودة في الولايات المتحدة، وكان الرأي الدولي مشدودا إلى جلسات الكونجرس بأكثر من انشداده إلى جلسات مجلس الأمن، ولا شك أن استخدام الإدارة لكل أدوات الضغط على العراق وعلى المنظمة الدولية أثر في النهاية في صدور القرار رقم 1441 بالشكل الصارم الذي صدر به.

مستقبل العلاقات بين بقاء صدام والإطاحة به
(النفط والخارطة السياسية للمنطقة)


إن الولايات المتحدة اندفعت في المسألة العراقية إلى حدود يصعب التراجع عنها -بلا حرب- من دون النيل من أسس وأركان الاستراتيجية الأمريكية في الحرب على الإرهاب

يمكن تصور الاحتمالات المستقبلية للعلاقات بين البلدين من خلال مسارين:

مسار بقاء الرئيس صدام حسين
مسار بقاء الرئيس صدام حسين وعدم تغيير النظام في بغداد وتعاونه التام مع فريق التفتيش والاقتناع الدولي بخلو العراق من أسلحة التدمير الشامل.

طبقا لهذا المسار فإن التصور الحقيقي للحشود العسكرية الراهنة هو أنها عامل ضغط في إطار سيناريو طويل الأمد للتغيير السلمي، وعامل ضغط على العراق من أجل الاستجابه إلى طلبات لجان التفتيش والوصول إلى الوضع رقم صفر فيما يتعلق بقدراته من الأسلحة البيولوجية والكيماوية والصاروخية. وفي ظل هذا السيناريو فإنه يحتمل أن يكون الهدف هو تأمين وجود عسكري طويل الأمد يمكن التلويح به في اتجاهات متعددة في مخطط الحرب على الإرهاب. ويعطي ذلك هامش مناورة كبير جدا للسياسة الأمريكية، ويمكن استخدامه في المسار الخاص بعمليات الإصلاح والتغيير السياسي والمجتمعي في الدول والمجتمعات المتهمة بالإرهاب.

وفي ظل هذا السيناريو -وإذا ثبت أن ذلك هو الهدف الحقيقي للولايات المتحدة- فإن من في المحتمل ألا يتغير المسار الراهن للعلاقات الأمريكية – العراقية، أي أن يظل الشد والجذب طيلة فترة بقاء الرئيس صدام حسين في السلطة إلى أن يحدث التغيير الداخلي وإن على مدى زمني أطول. وفي ظل ذلك ستستمر عمليات التحريض على النظام في بغداد ودعم وتوحيد صفوف جماعات المعارضة في المناطق الكردية والشيعية وانتهاز أي عملية تمرد داخلية أو اغتيال للرئيس العراقي. والسبب في ذلك أن الولايات المتحدة اندفعت في المسألة العراقية إلى حدود يصعب التراجع عنها -بلا حرب- من دون النيل من أسس وأركان الاستراتيجية الأمريكية في الحرب على الإرهاب. والسبب الذي يرجح احتمال الاكتفاء بضغط الوجود العسكري دون الحرب أن النظام العراقي في الوضع الراهن يقدم أفضل وضع سياسي في إطار سيناريو العقوبات والحصار، ويجعل الولايات المتحدة تفلت من تبعات تحمل وجود نظام جديد ووضع جديد ومسؤولية التغيير السلمي والعمل الإنساني في عراق ما بعد صدام حسين في وقت يرفض الجوار ذلك بشدة سواء على مستوى النظم الأوتقراطية في الخليج، والتي قد لا تحبذ عراق ديمقراطي، وأيضا على مستوى الشعوب والمجتمعات العربية. وإن كان هذا السيناريو لا يقدم للإدارة الأمريكية وضعا نموذجيا في إطار الرؤية للتغيير الشامل والإطاحة بأوضاع مستقرة في المنطقة في ظل المعادلات والرؤى الجديدة.

ثانيا: مسار تغيير النظام.
ضمن هذا المسار فإن ذلك سوف يتوقف على عملية التغيير ذاتها والأسلوب الذي تتم به وما بعد التغيير وما إن كان الهدف هو تنصيب حاكم عسكري واحتلال طويل الأمد على غرار ما تحدثت عنه بعض الخطط مثل الوضع في كوسوفو أو اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. وأيضا على احتمالات الاستقرار أو الفوضى في عراق ما بعد صدام حسين. هل يستقر العراق أم يحدث انفصال في مناطق الشمال والجنوب؟ هل يتم تطبيق نموذج الفيدرالية الذي خلص إليه مؤتمر المعارضة الذي انعقد في لندن بأمان أم يحدث اضطرابات لانهاية لها بين المركز السني البعثي قلب وحاضن الدولة المركزية وبين الأطراف والقادمين للحكم من الشمال والجنوب والخارج الذين سينهمرون على العاصمة طمعا في نصيبهم في السلطة.

وفي ظل فرضية الاستقرار ووحدة الدولة فإن النظام الجديد سيكون صديقا للولايات المتحدة وسيكون هناك وجود أمريكي اقتصادي ونفطي وسياسي وأمني مركز ستعود الاستثمارات الأمريكية والشركات الأمريكية من جديد في دولة يحتمل امتلاكها أكبر احتياطي نفطي عالمي طبقا لبعض التقديرات، وستعتبر أمريكا نفسها مسؤولة عن عراق ما بعد صدام حسين، وستعتمد على هذه الدولة في إحداث أو التلويح بتغيير الخارطة السياسية في الجوار وبتقليص المكانة التقليدية لحلفاء عاشوا زمنا في استقرار وأمن، حيث أنه في هذه الحال ستنشأ خارطة سياسية جديدة تضغط على بطن الجزيرة العربية وقلبها المملكة العربية السعودية.
ـــــــــــــــــ
* باحث في وحدة الدراسات – جريدة الخليج الإماراتية

- المصادر:
1- د. بسام المرهج، منظمة الأمم المتحدة وأزمة السلام في الخليج العربي: حقبة التسعينات، دمشق: الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية، 1999 ص 115 – 147.
2- د. جمال ظهران، أمن الخليج: محددات وأنماط تأثير العامل الدولي، قضايا خليجية، العدد الأول، إبريل 1998، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، ص 32- 36.
3- د. حسن حمدان العلكيم، الأمن والاستقرار في منطقة الخليج: دراسة استشرافية، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، قضايا خليجية، العدد الثالث يناير 1999، ص. 9
4- خالد بن محمد القاسمي، الخليج العربي في السياسة الدولية: قضايا ومشكلات، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 1982، ط 2 ص 75 - 78 القاسمي ص 154 – 158
5- علاء سالم، تأثيرات النزاعات الإقليمية على العلاقات الداخلية لدول منطقة الخليج العربي، شؤون اجتماعية، العدد السابع والخمسون، السنة الخامسة عشرة – ربيع 1998، ص 47
6- د. محمد السعيد إدريس، النظام الإقليمي للخليج العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أطروحات الدكتوراه (34)، ط1، فبراير 2000.
7- Barry Rubin, Persian Gulf after The Cold war: Old Pattern: New Era, MERIA Journal, Vol. 3, No. 2 – June 1999.
8- Jon B. Alterman, The Gulf states and The American umbrella, MERIA Journal, Vol. 4, No. 4 – December 2000.
9- Iraqgate: Saddam Hussein, U.S. Policy and the Prelude to the Persian Gulf War, 1980-1994,
9- Friends in Deed: The United States and Iraq Before the Persian Gulf War ,
http://nsarchive.chadwyck.com/igessayx.htm
10- Michael Dobbs, U.S. Had Key Role in Iraq Buildup, Whashington Post, Des. 30, 2002.
11- Rumsfeld key player in Iraq policy shift, Robert Windrem
NBC NEWS,
http://www.msnbc.com/news/795649.asp
12- U.S. support for Iraq in the 1980s, Knowledge of Iraq,s use of Chemical Weapons.center for cooperative
13- Kenneth Katzman, The Persian Gulf: Issues for U.S policy. 2002, Report for Congress, August 12, 2002.
14- Kenneth Katzman, Iraq: U.S. efforts to change The Regime, Report of Congress, Updated October 3, 2002.
Randy Stearns, The CIA,s Secret war in Iraq, ABCNews”,14 feb. 1998
15- Ropert O. Freedman, American Policy toward Iraq and Iran in Clinton,s second term, Jerusalem Center for public affaires, 15 March 1999, Jerusalem Center For Public Affairs

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة