أحداث غزة.. الحرس القديم في مواجهة الجيل الجديد   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)

بقلم/ مؤمن بسيسو

لا تبتعد الأحداث الأخيرة التي شهدها قطاع غزة كثيراً عن سياق التاريخ الثوري الفلسطيني الذي عاشته الثورة الفلسطينية بفصائلها المختلفة منذ انطلاقة حركة فتح، مروراً بتشكيل منظمة التحرير وولادة العديد من فصائل الثورة الفلسطينية، وحتى اليوم.

فالصراع والنزاعات التي عصفت بالفصائل الفلسطينية حقبتي السبعينيات والثمانينيات، وخاصة إبان تمركزها في لبنان، شكلت سمتا عاما ملازما لها، وعنوانا للكثير من القضايا التي أفرزت تناقضات شتى.

وتطورت حدّة الصراع والاشتباك والاقتتال، الذي أعاد تشكيل الخارطة الفصائلية –آنذاك- تحت وطأة الانقسامات المتوالية والانسلاخات المتكررة التي أنتجت قوى متعددة يحكمها التنافس والخصام أكثر مما يحكمها التفاهم والوفاق.

إلا أن الأحداث التي شهدها قطاع غزة مؤخرا، وما أثارته من إشكالات وتداعيات، وما قد تؤدي إليه من نتائج وخلاصات، جاءت في سياقات مختلفة تماما. فالأزمة التي تطال البنية الأساسية في السلطة الفلسطينية ممثلة في حركة فتح، هي أزمة داخلية بامتياز، تتفاعل في قلب كيان سياسي مضطرب تتغلغل فيه الأصابع الإسرائيلية والإقليمية والدولية، وتتناوشها طموحات سياسية قد تقرر، إن لم يكن اليوم فغدا، مصير عدد من أركان السياسة الفلسطينية، وتعيد إنتاج موازين القوى وخارطة السياسة الفلسطينية من جديد.

تطورات الأحداث


انفلات الأجهزة الأمنية في غزة حاليا يعتبر أزمة تطال البنية الأساسية في السلطة الفلسطينية ممثلة في حركة فتح، وهي أزمة داخلية بامتياز، تتفاعل في قلب كيان سياسي مضطرب تتغلغل فيه الأصابع الإسرائيلية والإقليمية والدولية

بدأ مسلسل الأحداث يوم الجمعة 16-7-2004 عبر قيام مجموعة مسلحة تدعى كتائب شهداء جنين باختطاف قائد الشرطة الفلسطينية اللواء غازي الجبالي، أعقبها قيام مجموعة أخرى باختطاف ضابط الارتباط الفلسطيني بالمنطقة الجنوبية العقيد خالد أبو العلا، لتتوج حوادث الاختطاف بإقدام كتائب أبو الريش على اختطاف خمسة مواطنين فرنسيين يعملون في مجال الإغاثة بخان يونس.

ورغم انتهاء حوادث الاختطاف جميعها بالإفراج عن أصحابها المختطفين، فإنها أثارت أزمة سياسية بنيوية عميقة، ظهرت تجلياتها في استقالة الحكومة الفلسطينية، وبعض رؤساء الأجهزة الأمنية، وبروز حالة لا سابق لها من الصراخ السياسي الذي طال الشخوص والأداء والهياكل السياسية القائمة على حد سواء.

وقد كان لافتا مدى الاستهداف الذي طال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات جراء حوادث الاختطاف، فرغم أن هذه الحوادث جاءت تحت عناوين مكافحة الفساد، وإعادة الاعتبار لعرفات ذاته عقب تصريحات لارسن في الأمم المتحدة، فإنها أرادت إغراقه في دوامة من الحرج السياسي، إقليميا ودوليا، وإظهاره بمظهر العاجز عن ضبط الوضع الأمني والميداني، مما يؤشر إلى مدى الدهاء الذي حاك فصول هذه الأحداث المتزامنة، وطبيعة اللعبة السياسية والميدانية التي يتوقع لها أن ترسم خيوط ومكونات المشهد الفلسطيني مستقبلا.

وفي محاولة للسيطرة على الوضع الأمني المتدهور أصدر عرفات سلسلة قرارات ومراسيم رئاسية، كانت بدايتها إلى الأجهزة الأمنية بوجوب اعتقال منفذي حوادث الاختطاف، تلاها عدد من التعيينات التي كان أهمها تعيين رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية اللواء موسى عرفات مديرا للأمن العام في قطاع غزة خلفا للواء عبد الرزاق المجايدة، فضلا عن رفض استقالة رئيس وأعضاء الحكومة رفضا مطلقا.

لكن ما بدا كونه محاولة للسيطرة والتهدئة وإمساك الزمام، انتقل إلى ما يشبه العصيان الداخلي المسلح، فرؤساء الأجهزة الأمنية لم يحركوا ساكنا تجاه أوامر عرفات باعتقال المنفذين، بل واستقال بعضهم شكليا لأسباب في نفس يعقوب، وكتائب شهداء الأقصى وجهاز الأمن الوقائي وقطاعات معتبرة داخل حركة فتح في قطاع غزة جاهرت بمعارضتها تعيين موسى عرفات على رأس جهاز الأمن العام في القطاع، وسيّرت مظاهرات ومسيرات احتجاجية في غزة وخان يونس ورفح، تطورت إلى إحراق مركزين للاستخبارات العسكرية، والدخول في اشتباكات مسلحة مع أنصار اللواء عرفات، فيما اكتفى اللواء عرفات بتهدئة الموقف والركون إلى موقف الدفاع الذي عززه بمسيرة لأنصاره طافت شوارع مدينة غزة.

وفي خطوة سريعة هدفت إلى الالتفاف على الإشكالات التي رافقت تعيين اللواء عرفات، ومحاولة امتصاص نقمة الشرائح الفتحاوية الثائرة، أعاد الرئيس عرفات تعيين المجايدة مديرا عاما للأمن العام في الضفة الغربية وقطاع غزة.

الأسباب والخلفيات


الصراع داخل السلطة الفلسطينية حاليا يدور في إطار صراع على السلطة والمواقع والنفوذ في إطار أكثر شمولية يتصل بفشل النظام السياسي الفلسطيني، وتشوه كيانه السلطوي الذي قاد الوضع الفلسطيني قرابة عشرة أعوام

لعل من السطحية بمكان إيعاز مسببات الأزمة إلى حالة الانفلات الأمني، وغياب سيادة القانون، أو استشراء الفساد فحسب، التي نطق بها كثير من ألسنة المنتقدين، فالأمر أعقد وأكثر تشابكا وتركيبا مما يتصور الكثيرون، إذ يدور في إطار صراع على السلطة والمواقع والنفوذ في إطار أكثر شمولية يتصل بفشل النظام السياسي الفلسطيني، وتشوه كيانه السلطوي الذي قاد الوضع الفلسطيني قرابة عشرة أعوام، وعجز عن بناء سلطة حقيقية، أو إرساء مجتمع مدني تعددي تصان فيه القيم والحقوق والحريات، أو التعاطي السليم مع مقتضيات مرحلة التسوية والمفاوضات مع الإسرائيليين.

وفي إطار الفشل والانهيار العام يبدو الصراع على السلطة أحد التجليات القوية لهذه المرحلة التي تشهد ضعفا متزايدا في قوة الرئيس عرفات، وانحسار سيطرته على مجريات الواقع، وتجاذبات شتى في ضوء مخطط الانفصال الإسرائيلي أحادي الجانب، ومستقبل السيطرة على قطاع غزة عقب الانسحاب الإسرائيلي.

ولم تكن أحداث غزة الأخيرة سوى حلقة من حلقات هذا الصراع المحتدم الذي تتشكل أدواته من طرفين أو تيارين رئيسيين:

التيار الأول: وهو ما اصطلح على تسميته الحرس القديم أو قيادة تونس، أي رجالات السلطة القادمين من الخارج والقيادات والكوادر والقاعدة التنظيمية الفتحاوية التي تساندهم. ويتزعم هذا التيار الرئيس عرفات، ويضم إلى جانبه عددا من الوزراء وأعضاء اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي للمنظمة والمجلس الثوري لحركة فتح، الذين يمسكون بأزمّة القرار السلطوي ويهيمنون على مفاصل الحياة السياسية الفلسطينية بحكم تجربتهم النضالية ورمزيتهم الثورية التاريخية.

ويكافح هؤلاء لإبقاء الأمور على حالها دون أي تغيير أو تنازل عن مواقعهم ومناصبهم وامتيازاتهم السياسية والتنظيمية.

التيار الثاني: ويتمثل في الجيل الجديد أو أهل الداخل كما يطلق عليهم في بعض التوصيفات، أي العناصر الميدانية والكوادر المحلية في حركة فتح التي استشعرت الحيف والظلم جراء تغول الحرس القديم على مقدرات السلطة، وسيطرتهم على أهم مواقعها وأركانها ومفاصلها، فأرادت التغيير، وتعديل الموازين المختلة، والوصول إلى مواقع صنع القرار، إلا أنها كانت تصطدم –في كل مرة- بصدود الحرس القديم، وانعدام إرادة التغيير لديه.


كما كانت حوادث الاختطاف رسالة سياسية وميدانية رفيعة إلى الداخل الفلسطيني، فقد استهدفت أيضا إيصال رسالة إلى الخارج الإقليمي والدولي أن عرفات وأنصاره هم المسؤولون عن الفوضى
ويعتبر وزير الأمن الداخلي الأسبق العقيد محمد دحلان القائد الفعلي والمنظر الأساسي لهذا التيار في قطاع غزة، فيما يتولى العقيد جبريل الرجوب دفته في الضفة الغربية، إلى جوار عدد من الشخصيات مثل العقيد رشيد أبو شباك رئيس جهاز الأمن الوقائي بالقطاع والعقيد سمير المشهراوي والوزير السابق زياد أبو زياد وسفيان أبو زايدة وغيرهم.

ومع ذلك، يبدو مسرح الأحداث حاضرا بقوة في غزة خلافا لما عليه وضع الضفة، فلا شك أن طموحات ما بعد الانسحاب من غزة، واحتواء عرفات للرجوب ولو مؤقتا، قد ساهم في تحييد الضفة بشكل مؤقت عن بؤرة الفعل والحدث الميداني، إلا أنه لم يحيدها عن بؤرة الفعل والثقل السياسي الذي تدور رحاه على أرض المقاطعة ومقر رئاسة الوزراء في رام الله.

وتتنازع هذا التيار وجهتان رئيسيتان متناقضتان في الآن ذاته، إذ انبثقت عنه كتائب شهداء الأقصى التي رفعت راية المقاومة في وجه الاحتلال، في ذات الوقت الذي يتبنى فيه قادة هذا التيار أفكارا سياسية تناقض مسار ومستقبل المقاومة، وتتعاطى مع الطروحات والمبادرات الإقليمية والدولية، مما يدل على الاستخدام التكتيكي لورقة كتائب شهداء الأقصى، واستثمارها لأهداف سياسية وميدانية بحتة.

وقد وجد هذا التيار ضالته في الضغوط الدولية التي مورست على الرئيس عرفات لإصلاح المؤسسة السياسية الفلسطينية، فانبرى تحت لافتة الإصلاح يهاجم، بين فترة وأخرى، ما يسميه القيادة الفاسدة للسلطة، مطالبا بإصلاحات شاملة، سياسيا وأمنيا، وإفساح المجال أمام القيادات الشابة للعب دور في صنع القرار وتقرير المصير الوطني، وإجراء انتخابات لكافة مؤسسات حركة فتح، لفرز ذوي الأهلية والجدارة بقيادة الحركة، وبعث الروح في جسدها المتهالك من جديد.

ويبدو أن هذا التيار قد بدأ يمارس بعض التكتيكات الذكية في مواجهة الحرس القديم، خصوصا وأنه يتمتع بقاعدة واسعة في قطاع غزة، فكانت حوادث الاختطاف التي تشير مختلف التقديرات إلى ضلوع مقربين من هذا التيار في التخطيط لها، بمثابة رسالة سياسية وميدانية بالغة القوة، وصفعة بالغة الحرج للرئيس الفلسطيني الذي لم يطق صبرا على هذا الاختراق الذي يهدد نفوذه ومكانته، فقام بتعيين اللواء موسى عرفات –أحد رجالاته المقربين- على رأس جهاز الأمن العام في القطاع، الذي يعد أقوى وأكبر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ملوّحا بالعصا الغليظة في وجه مناوئيه، كابحا لأية محاولة لتعديل خارطة موازين القوى في القطاع.

وكما كانت حوادث الاختطاف رسالة سياسية وميدانية رفيعة إلى الداخل الفلسطيني، فقد استهدفت –أيضا- إيصال رسائل سياسية إلى الخارج الإقليمي والدولي، كي تترسخ قناعاته بعموم الفوضى أرجاء غزة، ومسؤولية عرفات وأنصاره عنها، وتتكاثف ضغوطه وجهوده لإرغامه على التخلي عن صلاحياته الأمنية والاستجابة لمتطلبات الإصلاح، وإسناد مهام الحفاظ على الأمن وضبط الواقع الأمني والميداني إلى من يستحقها، وصاحب القدرة على التعاطي معها، والذي لن يكون بالطبع إلا العقيد دحلان وفقا لتحليلات كافة المراقبين.

موقف الشارع والفصائل


الصراع بين تيار عرفات ودحلان يستنزفان الحياة الفلسطينية لقاء مطامح وأهواء ومواقع نفوذ وستدفع فاتورته حركة فتح من كيانها ودورها ومستقبلها

فيما يقف الشارع مصدوما مترقبا للتطورات، تقف الفصائل الفلسطينية موقفا موحدا تقريبا من خلال لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية، ويعتمد على رفض سياسة الترقيع أو تبسيط الأمور، فالإجراءات الأخيرة التي اتخذها عرفات –من وجهة نظرها- لا تلامس جذر المشكلة أو تعالج صلب الموضوع، ولا تغير شيئا من واقع الفساد السياسي والإداري والمالي الذي ينخر في عمق المؤسسة السياسية والأمنية الفلسطينية، مما يستدعي العمل على تشكيل قيادة وطنية موحدة، تعيد بناء وهيكلة النظام السياسي الفلسطيني على أسس صحيحة، وتبلور إستراتيجية فلسطينية موحدة لمجابهة التحديات الحالية والمستقبلية.

وعمليا، تقف الفصائل موقف المتفرج، المترقب، دون أن تبادر للانحياز إلى أي طرف، أو تتخذ أية خطوة عملية لترجيح كفة هذا أو ذاك، مكتفية بمحاولات إطفاء الحريق، وضمان عدم تأجج الأحداث.

مستقبل الصراع
لا يمكن الجزم بهوية المنتصر أو الرابح في جولة النزال الراهنة بين تياري عرفات ودحلان، إلا أن الحقيقة المؤكدة أن الطرفين –بلا شك- خاسران، فهما يستنزفان الحياة الفلسطينية لقاء مطامح وأهواء ومواقع نفوذ، ويفاقمان من المعاناة الشعبية والأزمات الوطنية، كون حركة فتح تمثل العمود الفقري للسلطة، وذات الهيمنة والنفوذ عليها.

ولعل في استقراء الأحداث ما ينبئ بإصرار الرئيس عرفات على الصمود ورفض الخضوع حتى النهاية، وما تعيين اللواء عرفات إلا خطوة قوية في هذا الاتجاه، فيما يبدو تيار دحلان عازما على المواجهة مهما كانت ساخنة، خاصة أن بينه وبين اللواء عرفات خصومات طويلة وصراعات عميقة.

وقد يرى بعض المراقبين أن تعيين اللواء عرفات يشكل اختبارا أخيرا لمدى قدرة الرئيس الفلسطيني على السيطرة والتنفّذ، باعتبار أن هذه الخطوة تعتبر السهم الأخير في كنانته، فإن نجح اللواء نجح الرئيس والعكس صحيح.

إلا أن نظرة متبصرة في عمق الواقع الفلسطيني المعقد تشي بصعوبة حسم أي طرف للصراع الدائر في الوقت الراهن على الأقل، فالرئيس عرفات لا يزال يملك العديد من أوراق القوة وتبعية العديد من مجموعات كتائب شهداء الأقصى في الضفة الغربية، فيما يملك دحلان –الذي لم يظهر في واجهة الأحداث الأخيرة- قاعدة قوية في غزة، مسلحا بالدعم الإقليمي والدولي، مما يعني أن المسرح الفلسطيني قد يشهد جولات أخرى من الصراع بين التيارين المتخاصمين، وأن موازين القوى لن يطرأ عليها تعديلات جوهرية في المرحلة الراهنة على الأقل.

من جهة أخرى، قد تثمر جهود الفصائل الفلسطينية تهدئة ما بين الطرفين، إلا أنها لن تتجاوز كونها هدنة مؤقتة تحمل في طياتها نذر الانفجار، ومقدمة لصراع أشد قوة وعنفا لا يراعي المصالح الوطنية الفلسطينية، أو يقف عند حدود المحرمات التنظيمية والوطنية.

ولا ريب أن حركة فتح ستكون الخاسر الأكبر أولا وأخيرا، جراء تفاقم هذا الصراع، الذي ستدفع فاتورته من كيانها التنظيمي ودورها الوطني، ومستقبلها الملبد بالكثير من المحن والتشرذم والانقسامات.
_______________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة