اتفاق تبادل الأسرى وتداعياته في المجتمع الإسرائيلي   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)

بقلم/ رندة حيدر

أثار إعلان الحكومة الإسرائيلية عن توصلها إلى اتفاق من مرحلتين لتبادل الأسرى مع حزب الله ردود فعل متباينة داخل إسرائيل. إذ أتى هذا القرار بعد فترة صمت وتكتم دامت شهرين كاملين جرت خلالهما مفاوضات سرية وبعيدة عن الأضواء قصدت منها تل أبيب ومندوبها اللواء في الاحتياط إيلان بيران إبقاء اتصالاته في منأى عن وسائل الإعلام التي مارست ضغطاً كبيراً على أرييل شارون لرفض الصفقة.

موقف الساسة في إسرائيل

قد تكون نقطة الضعف الأساسية في الصفقة والتي يتفق بشأنها المؤيدون والرافضون أن حصولها سيشكل انتصاراً جديداً لحزب الله ولزعيمه حسن نصرالله.

لقد وضعت مفاوضات الصفقة المسؤولين والجمهور الإسرائيلي في موقف حرج، فمن جهة هناك ما يعتبره الإسرائيليون كواجب أخلاقي يفرض عليهم إطلاق سراح أسراهم من أيدي الخصم وإعادتهم إلى وطنهم، ولكن من جهة أخرى هناك الثمن الباهظ الذي عليهم دفعه والمتمثل في قبول إطلاق سراح مئات الأسرى من الفلسطينيين، والتخلي عن ورقتي ضغط ومساومة مهمتين للحصول على معلومات تتعلق بمصير الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد، واللتين يمثلهما إطلاق سراح الشيخ عبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني.

وقد تكون نقطة الضعف الأساسية في هذه الصفقة والتي يتفق بشأنها المؤيدون والرافضون أن حصولها سيشكل انتصاراً جديداً لحزب الله ولزعيمه حسن نصرالله.

ورغم أن قرار الموافقة على الصفقة أقره 14 وزيراً في حكومة شارون؛ فإن هناك ثلاثة وزراء عارضوه هم إبراهام بوراز وأفيغدور ليبرمان من حزب الاتحاد القومي اليميني المتشدد، ونتان شارانكسي من حزب يسرائيل بعليا الممثل لليهود الروس.

وفي الواقع فإن أبرز المعارضين والمنددين بالصفقة أحزاب اليمين المتشدد، وبعض الأعضاء في حزب الليكود. فحزب الاتحاد يرى "الصفقة هي عمل جنوني" بما يتناقض مع كل مبادئ الحرب على الإرهاب، ودعا عضو الكنيست أرييه الدر الحكومة إلى الالتزام بتعهداتها وعدم إطلاق سراح أسرى فلسطينيين "أيديهم ملطخة بالدماء".

ومن أبرز الانتقادات داخل حزب ليكود كان موقف رئيس لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست يوفال شتيانيس الذي قال "الصفقة هي إطلاق سراح لأوراق مقايضة مقابل ثلاث جثث". وأعلن معارضته الشديدة لإطلاق سراح الإسرائيلي ألحنان تننباوم الذي وقع في الأسر في ظروف خطيرة. أما عضو الكنيست من ليكود يولي أدلشتاين فقد عارض بسبب الثمن الباهظ المترتب عليها، ولأنها ستؤدي إلى التخلي عن مصطفى الديراني، دون الحصول على معلومات عن الطيار المفقود رون أراد.

وإذا كانت أوساط أحزاب المعارضة اليسارية قد أعربت بصورة عامة عن تأييدها للصفقة، فإن عدداً من زعمائها أعلن تحفظه عليها لأنها لم تساهم في إلقاء الضوء على مصير أراد. هذا كان رأي عضو الكنيست يوسي سريد من حركة ميرتس الذي قال "لو أن الحكومة كانت مستعدة قبل سنوات لدفع الثمن الباهظ الذي تدفعه اليوم لكان أراد بيننا اليوم".

لكن غالبية الأحزاب في الكنيست أيدت الصفقة ودعمتها مثل حزب العمل الذي كان معها منذ البداية؛ وحزب مفدال الذي عاد عن معارضته، وكذلك شاس الذي يمثل المتدينين من اليهود الشرقيين أعلن يرى أن الصفقة ستضع حداً للمأساة التي عانتها عائلات الأسرى الإسرائيليين.

موقف الصحافة الإسرائيلية
التبادل أخيرا
وقفت الصحافة الإسرائيلية بغض النظر عن انتماءاتها السياسية موقفاً نقدياً من الصفقة، من هنا كان حرص المسؤولين على إبقاء المفاوضات بعيدة عن وسائل الإعلام. وقد أثار الإعلان عن التوصل إلى اتفاق من جديد موجة من الانتقادات والتحليلات.

صحيفة هآرتس التي تمثل الرأي العام الأقرب إلى حزب العمل واليسار إجمالاً، حافظت على خطها النقدي المعارض. ففي افتتاحيتها باليوم التالي للإعلان عن الاتفاق اعتبرت الصفقة مكافأة لحزب الله وإنجازاً جديداً له وتتويجاً لانتصار أمينه العام. أما المعلق العسكري بالصحيفة زئيف شيف فرأى في قبول الحكومة إطلاق سراح أكثر من 400 فلسطيني تنازلاً من جهتها لصالح حزب الله من شأنه زيادة نفوذه وسط الفلسطينيين، ويُعلي من مكانته بين الدول العربية جمعاء.

واهتم المعلقون بالصحيفة بانعكاس ما يحصل على الفلسطينيين؛ فاعتبر المعلق داني روبنشتاين "نجاح حزب الله اللبناني في إطلاق سراح أسرى فلسطينيين هو إدانة للسلطة الفلسطينية". ويتوقع تراجع وضعف موقع السلطة ونفوذها.

صحيفة معاريف أكثر الصحف انتشاراً والأقرب لأوساط اليمين أفردت على صفحاتها عرض المواقف المؤيدة والمعارضة للصفقة. فإلى جانب المقالات التي دافعت عن عملية التبادل معتبرة أنها "الأفضل في الظروف الراهنة" وأنها أتت ثمرة تقاطع في المصالح بين إسرائيل وحزب الله، نشرت الصحيفة أيضاً عدداً من المواقف المنتقدة والمنددة، فاعتبر المعلق عميت كاهن أن العملية انتصار لـحزب الله الذي "سينتقل إلى تحقيق هدفه الثاني وهو تحرير مزارع شبعا وصولاً إلى تحرير القدس.

وفي رأيه أن الحزب سيحصد من جراء الصفقة تأييداً واسعاً على المدى القصير، لكنه قد يضعه في مواجهة مع اللبنانيين على المدى البعيد في حال أصرّ على الاستمرار في حمل السلاح وتعريض الاستقرار الداخلي للخطر.

الرأي العام الإسرائيلي

ألحنان تننباوم أسير بلا شعبية

وقد برز الانقسام وسط الجمهور الإسرائيلي، ففي استفتاء للرأي أجرته معاريف يوم 26 يناير/كانون الثاني 2004 أعرب نحو 44% من الذين شملهم الاستطلاع تأييدهم للاتفاق في صيغته الحالية؛ في حين أعلن 43% معارضتهم.

وأظهر الاستطلاع أن 47% يعتقدون أن من واجب إسرائيل الإفراج عن تننباوم حتى لو تبين أنه كان متورطاً في نشاطات غير مشروعة أثناء وقوعه في الأسر؛ في وقت رأى 41% العكس، وقالوا إنه في حال تبين أنه كان يقوم بتلك الأعمال كان ينبغي على إسرائيل عدم المساهمة في إطلاق سراحه.

وفي الحقيقة لا اختلاف في الآراء بإسرائيل بشأن ضرورة إعادة جثث الجنود الإسرائيليين الثلاثة الذين خطفهم حزب الله قبل ثلاث سنوات وأعلنت تل أبيب مقتلهم قبل سنة. لكن الخلاف حول الثمن المدفوع لقاء ذلك، أي إطلاق سراح مئات الأسرى من الفلسطينيين الذين يعتقد الإسرائيليون أنهم ما أن يصبحوا أحراراً حتى يعودوا إلى نشاطاتهم المعادية لإسرائيل.

نقطة الخلاف الثانية هي التخلي عن مصطفى الديراني من دون معرفة معلومات جديدة عن رون أراد، إذ رغم اقتناع الإسرائيليين بأن الديراني لم يعد يشكل ورقة مقايضة وأن الاستمرار في الاحتفاظ به هو أمر غير مجد، فإن العجز عن الوصول إلى معلومات عن رون أراد يخلق جواً من الإحباط وإحساساً بأن إسرائيل تخلت عنه. من هنا جاء لجوء الحكومة الإسرائيلية إلى الربط بين إطلاق سمير القنطار وبين الحصول على معلومات جديدة عن أراد.

أمر ثالث يتحفظ عليه الإسرائيليون هو المكانة الجديدة التي سيعطيها تبادل الأسرى لحزب الله ذلك التنظيم الصغير العدد والمحدود الإمكانات والذي استطاع تحدي إسرائيل وانتزاع أكثر من تنازل منها، الأمر الذي يشجع الفلسطينيين على عدم الرضوخ، والتمرد والرفض والاعتقاد بأن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة.

والانتقاد الأساسي الذي يوجه لشارون هو كيف يقبل الجمع بين الحرب ضد الإرهاب والمنظمات المعادية لإسرائيل وعلى رأسها حزب الله، وفي الوقت عينه التفاوض مع الحزب لتبادل الأسرى.

وقد لا تظهر الانعكاسات البعيدة المدى لتبادل الأسرى الآن، ولكن بالتأكيد فإن قبول شارون الصفقة انطوى على تنازلات آنية وحسابات أخرى منها رفع شعبيته بين الإسرائيليين، وتحسين صورة إسرائيل لدى المجتمع الدولي، والتقليل من حجم الظلم الذي تلحقه سياسة الجدار الفاصل بالفلسطينيين.
________________
متخصصة في الشؤون الإسرائيلية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة