انتخابات الرئاسة والأزمة الجزائرية.. خلفيات وأبعاد   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)

بقلم/ إسماعيل معراف

تكاد تجمع التحليلات المتناولة لشأن الجزائر على أن الأزمة التي تشهدها البلاد منذ عشر سنوات تقريبا تحمل طابعا سياسيا بحتا، رغم تأكيد النظام الحاكم أن سبب التوتر يأخذ أبعادا ومنحنيات أخرى قد يكون فيها العامل السياسي جزءا بسيطا من الأزمة بشكل عام.

إن جميع المخارج الممكنة لهذه الأزمة لن تتحقق إلا بتجسيد أفكار سياسية جريئة لا تزال السلطة في الجزائر تراها بمثابة المحرمات التي لا يمكن تجاوزها حتى ولو كان فيها مخرج نهائي لمعاناة الجزائريين.

ونقصد بتلك الأفكار رفع حالة الطوارئ التي تعرقل مسار التحول السياسي الديمقراطي، وكذا انسحاب المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية، بالإضافة إلى إيجاد أرضية تفاهم مع الجماعات الإسلامية المسلحة التي مازالت تزرع الموت والرعب في صفوف الجزائريين.

الانتخابات وإشكالية الديمقراطية
تحديات التغيير ومتطلباته
خلفيات وأبعاد
سيناريوهات النتائج

الانتخابات وإشكالية الديمقراطية


هناك مؤشرات توحي بأن السلطة ماضية في تطبيق مشروعها وتجد دعما حقيقيا من أطراف خارجية ترى في استمرار نظام الحكم الحالي أفضل طريق للمحافظة على مصالحها

السؤال الذي يقفز إلى السطح الآن هو: هل تعتبر الانتخابات الرئاسية المقبلة مؤشرا على حل هذه الأزمة، أم أن القضية لا تعدو كونها مجرد شكل سيثبت الاستمرارية في التعاطي مع القضايا المصيرية للشعب الجزائري بنفس الأسلوب ولكن بتقنية جديدة تحمل من التجديد لواجهة الدولة؟

وللرد على هذا السؤال نتصور مبدئيا أن هذه الانتخابات جاءت في ظرف يتميز بتغيير الكثير من المسلمات، منها أن الشارع الجزائري وصل درجة متميزة من النضج السياسي وبالتالي فإنه لن يقبل بحلول ظرفية كما هو الحال أيضا بالنسبة للطبقة السياسية التي تريد أن تكون هذه الانتخابات بداية حقيقية لحل هذه الأزمة المستعصية.

لكن بالمقابل هناك مؤشرات توحي بأن السلطة ماضية في تطبيق مشروعها وتجد دعما حقيقيا من أطراف خارجية ترى في استمرار نظام الحكم الحالي أفضل طريق للمحافظة على مصالحها.

فالشخصيات التي ترشحت في هذه الانتخابات خضعت لغربال السلطة التي اختارتهم بعناية حتى لا يشوشوا على مرشح المؤسسة العسكرية وجماعات المصالح الضاغطة، فأقصت بعض الشخصيات التي كان لها وزنها على الساحة السياسية وتحمل توجهات فكرية لا تتوافق مع طروحات النظام، منهم على وجه الخصوص وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي زعيم حركة الوفاء والعدل التي رفضت السلطة اعتمادها خوفا من تكرار سيناريو الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة.

وقد اعتبر تصفية المجلس الدستوري لهذه الشخصيات بمثابة إجراء دور أول للانتخابات تم فيه فرض منطق السلطة، رغم الخروقات والانحرافات التي عرفتها دراسة ملفات المترشحين من قبل المجلس المذكور بحجة أن الدستور يعتبر قرارات المجلس نهائية غير قابلة للطعن، الأمر الذي يشير أيضا إلى أن الدستور الحالي فيه الكثير من النقائص ولم يعد يستجيب لتطلعات الممارسة السياسية، مما يتطلب ضرورة مراجعته سواء بتعديله أو بإلغائه واستبداله بدستور جديد أكثر انفتاحا واستيعابا للتحول الديمقراطي المنشود.

تحديات التغيير ومتطلباته


السلطة تبقى مدانة ومتهمة في كل مرة بالتزوير، وهي تحاول مع اقتراب الموعد الانتخابي أن تحسن من أدائها عبر التأكيد على شفافية الاقتراع والضمانات المقدمة للمترشحين

ومن ثم فإن الانتخابات طرحت الكثير من التحديات سواء تلك المتعلقة بالأحزاب السياسية الطامحة إلى التغيير أو حتى بأقطاب النظام في حد ذاته.

فزعماء الأحزاب خاصة المترشحين منهم لهذه الانتخابات مارسوا ضغوطا على السلطة كي تغير قانون الانتخابات وقد حدث هذا بالفعل، وأيضا طالبوا بحياد الجيش، وقد حصلوا على تصريح بذلك من طرف رئيس الأركان الفريق محمد العماري في أكثر من مناسبة. وهذه الإجراءات كلها كان هدفها محاربة التزوير الذي أصبح يطبع الممارسة السياسية مع كل موعد انتخابي تعرفه الجزائر.

وفي الجهة الأخرى نجد أن السلطة تبقى مدانة ومتهمة في كل مرة بالتزوير وهي تحاول مع اقتراب الموعد الانتخابي أن تحسن من أدائها عبر التأكيد على شفافية الاقتراع والضمانات المقدمة للمترشحين حتى بالنسبة للأحزاب التي لم تشارك في هذه الانتخابات. بالإضافة إلى إنشاء لجنة سياسية مستقلة لمراقبة حسن سير الانتخابات، ودعوة المراقبين الدوليين للحضور، وذلك حتى تعطي مصداقية دولية لهذا الاستحقاق الهام.

لكن هناك شعور لدى الرأي العام الجزائري بأن تلك الانتخابات لن تحمل جديدا، بل ستكون كغيرها من الاستحقاقات السابقة لأن كل المترشحين يقدمون وعودا لا يملكون وسائل تحقيقها، أو على الأقل هم مرتبطون بمصالح جماعات المال والأعمال سواء داخليا أو خارجيا، وأن أصوات الناخبين مجرد تزيين للديكور العام لهذه الانتخابات، بل هناك من يشك حتى في مصداقيتها على أساس أن العسكر تعوّدوا في كل مرة أن يختاروا مرشحيهم، ويختبئون من خلال تزكية المرشح بطريقة غير مباشرة، ودليلهم في ذلك هو: لماذا لم يرفع الجيش حالة الطوارئ ويسمح بالعودة إلى العمل السياسي تحت الغطاء المدني.

إذن فالملاحظة العامة التي نخرج بها من خلال هذه القراءة البسيطة للانتخابات الرئاسية المقبلة، هي حالة القلق والهوس الكبيرين بالنسبة للمواطن الجزائري الذي أنهكته السياسات الاقتصادية الفاشلة المطعمة بخطابات كاذبة، والتي تقدم له الحلول الوهمية وتلعب لعبة الوقت الضائع. وزاد من عمق الأزمة الجزائرية تفشي البطالة والفقر وتدني القدرة الشرائية للمواطن، وكذا بقاء المديونية على حالها رغم وجود احتياط مصرفي بلغ أكثر من 32 مليار دولار يستعمل من قبل النظام الحالي
وكأنه إنجاز ضخم يغطي كل النقائص المهمة الموجودة.

وأهم ما يقلق المواطن في هذه الانتخابات أن الصراع الحالي على كرسي الرئاسة بين المترشحين لا يعنيه في شيء، بل هو صراع شخصي يكرس المصالح الخاصة ويؤكد النعرات الجهوية، ويزيد من وتيرة العنف السياسي الذي أثر سلبا على تماسك المجتمع وحرم طبقات مهمة من تقديم رؤى ناضجة لمعضلات بدت وكأنها قدر محتوم على كل الجزائريين.

خلفيات وأبعاد

ولتحليل خلفيات وأبعاد هذه الانتخابات التي توصف بأنها منعرج حاسم في تاريخ الجزائر المعاصرة وهي أيضا فرصة لقياس مدى نضج التجربة الديمقراطية في بلد عربي تميز ببعض الخصوصية، نطرح النقاط التالية:

أولا- الوجه الآخر للمترشحين
عبد العزيز بوتفليقة: أقوى المترشحين لهذه الانتخابات، يوصف بأنه مرشح الدوائر الفاعلة في النظام الجزائري ونقصد بها المؤسسة العسكرية والجماعات الضاغطة، بالإضافة إلى كونه مدعوما من قبل الولايات المتحدة.


بوتفليقة رجل يحلم بأن يترك بصماته على رأس الدولة الجزائرية، ويريد أن يكون الزعيم الأوحد الذي أسكت نار الفتنة ووحد صفوف الوطنيين وأعاد بريق الجزائر الدبلوماسي
وأهم ميزة يحوزها هذا الرجل أنه عاد من بعيد وهو محسوب على الرئيس الراحل هواري بومدين الذي مازال يحتل مكانة خاصة في قلوب الجزائريين. ويحاول بوتفليقة في كل مناسبة استغلال هذه العلاقة في حملته الانتخابية، وهو أيضا يستغل خبرته في العمل الدبلوماسي حيث قام بزيارة عدد كثير من دول العالم، كما أنه مناور جيد يعرف متى يتكلم ومتى يصمت ويجيد ترويض خصومه، فالشخصيات التي تسير في فلكه الآن كانت تعارضه بشدة في السابق، ونذكر منهم وزير الثقافة والاتصال خليدة تومي، وزعيم حركة مجتمع السلم الشيخ أبو جرة سلطاني، رئيس الحكومة الحالي أحمد أويحيى زعيم حزب التجمع الوطني الديمقراطي.

والمتأمل في العهدة الرئاسية الأولى لبوتفليقة يلمس نجاحه النسبي في استرجاع الأمن والاستقرار والعودة النسبية للجزائر إلى الساحة الإقليمية والدولية.

وقد استفاد بوتفليقة من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 استفادة قصوى، فأصدر مشروع العفو -في إطار ما يعرف بالوئام المدني- بحق أفراد الجماعات الإسلامية المسلحة. وقد اصطدم بجناح مهم في الجيش كان يرفض مبدئيا فكرة المصالحة مع هؤلاء الإرهابيين -على حد تعبيرهم- ويشاركهم في هذا أحزاب سياسية يسارية ويمينية مهمة.

لكن قدرة الرئيس على استمالة الأميركان واستغلال الأزمة العراقية بكيفية ساهمت في تجسيد ذلك الرضا، قوض من فرص ضغط العسكر على سياسته فأصبح هو الذي يملي شروطه عليهم وليس العكس.

وهناك جناح في الجيش يتخوف كثيرا من تجديده لعهدة رئاسية ثانية، وذلك لرغبة الرئيس الدفينة في إرجاع الجيش إلى ثكناته وبالتالي إنهاء هيمنته على الحياة السياسية التي استمرت قرابة 40 عاما. إنه باختصار رجل يحلم بأن يترك بصماته على رأس الدولة الجزائرية، ويريد أن يكون الزعيم الأوحد الذي أسكت نار الفتنة ووحد صفوف الوطنيين وأعاد بريق الجزائر الدبلوماسي.

ومن ثم فإن المتمعن في شخصه يدرك جيدا أن ذاكرته تحمل انبهارا بزعماء تركوا بصماتهم على حياة شعوبهم مثل نابليون وجمال عبد الناصر وهتلر وتيتو ونهرو وغيرهم، وهي أسماء كثيرا ما ترددت في حوارات بوتفليقة وتجمعاته الشعبية.


تقف فرنسا وراء بن فليس راغبة في الانتقام من بوتفليقة الذي فتح الاستثمار في مجال الطاقة أمام الأمريكان على حساب الشريك الفرنسي التقليدي

علي بن فليس: بالنظر إلى تجربته السياسية الفتية، استطاع بن فليس مدير الحملة الانتخابية السابقة عام 1999 للرئيس بوتفليقة ورئيس الحكومة السابق قبل أن يقيله ويتحول إلى معارضته بشدة، أن يكون من المرشحين لكرسي الرئاسة من الدرجة الثانية، وحسب بعض الكواليس أنه هو من سيفوز بالرئاسة، وبالتالي فإن احتمال حدوث المفاجأة وارد جدا حسب بعض التحليلات. وتقف فرنسا وراءه راغبة في الانتقام من بوتفليقة الذي فتح الاستثمار في مجال الطاقة أمام الأميركان على حساب الشريك الفرنسي التقليدي.

أيضا هذا الرجل مدعوم من قبل أطراف تعارض سياسة بوتفليقة الاقتصادية وتقدمه على أساس أنه هو الخيار في حال تعنت بوتفليقة ورفضه الدخول في تنازلات مهمة، ومؤشر ذلك هو إعادة فتح قناة الخليفة المفلسة لصاحبها المتابع قضائيا عبد المؤمن خليفة الذي أدانته العدالة الجزائرية تحت قيادة بن فليس شخصيا عندما كان رئيسا للحكومة.

ومن ثم فإن بن فليس يحمل في شعار ترشحه خطاب الأمل، وينتقد سياسة بوتفليقة خلال العهدة الأولى التي شاركه فيها لمدة 33 شهرا، ويهدد بالخروج إلى الشارع في حال وقوع التزوير على الطريقة الجورجية، وأيضا يقدم مشروعا يقوم أساسا على فكرة دولة القانون.

ويساند بن فليس في ذلك الكثير من الوجوه الوطنية والإسلامية المقصية أمثال أحمد طالب الإبراهيمي، لكن حظوظ نجاحه تبدو ضعيفة بالنظر إلى السوابق القديمة ومنطق النظام السياسي في الجزائر، حيث إن صراعه على كرسي الرئاسة قد يجعله يلعب ورقة خطيرة تعصف بمستقبله السياسي وتحيله إلى التقاعد قبل الأوان.

الشيخ سعد عبدالله جاب الله: هذا الإسلامي الذي أخرجته السلطة من ضياع حقيقي بعد الأزمة السياسية التي عرفها حزبه السابق حركة النهضة، ويحظى باحترام رئيس أركان الجيش ليس حبا في مشروعه ولكن لقدرته على لعب دور "الأرنب" في السباقات المهمة الخاصة بمسارات الدولة الجزائرية.

والمعروف عن الشيخ الشاب أنه غيّر من لباسه حيث انتقل من القميص إلى البذلة، وهذا التغيير انعكس أيضا على سلوكه السياسي حيث أصبح ظاهريا ينتقد السلطة ويعارضها، ولكن باطنيا هو أحد ركائزها المهمة. فهو يدرك أن التيار الإسلامي في ظل المتغيرات الداخلية والدولية لا يمكنه أن يعيش إلا إذا قبل بتنازلات وتحالف مع السلطة، وإلا فإن مصيره سيكون المتحف السياسي.


عبدالله جاب الله لا يهمه الفوز في هذه الانتخابات بقدر ما يهمه التأسيس لحركته في الساحة السياسية المستقبلية

وفي هذا التنافس يتقدم جاب الله بمشروع قوامه الطرح الإسلامي المعتدل، متخليا عن مطالبه الراديكالية السابقة ليطرح مطالب سياسية تجد رواجا في السوق السياسية الحالية مثل ملف المفقودين الذي يحاصر السلطة بشكل جدي، يالإضافة إلى رفع حالة الطوارئ، وكذا الإفراج عن زعماء الرأي ومنع القيود على اعتماد الأحزاب السياسية.

إذن فجاب الله لا يهمه الفوز في هذه الانتخابات بقدر ما يهمه التأسيس لحركته في الساحة السياسية المستقبلية، وكذا بداية الخروج من الأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد منذ مدة أصبحت طويلة نوعا ما. وسيكون للشيخ جاب الله شأن كبير في تحديد اسم الرئيس الذي سيحكم الجزائر في حال إجراء دور ثان في هذه الانتخابات من خلال الدخول في تحالفات تختلف عن طبيعة التحالف الرئاسي الذي يدعم المترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

ثانيا- أسماء أخرى للديكور الانتخابي
خارج إطار الأسماء الثلاثة المذكورة في مشوار الرئاسيات المقبل، هناك أسماء أخرى وجدت خصيصا لإكمال الديكور الانتخابي بعضها غير معروف بتاتا على الساحة السياسية والحزبية.

ونقصد هنا المترشح علي فوزي رباعين الذي أريد له أن يكون "أرنبا" احتياطيا لقتل بعض الأصوات التي يراهن عليها خصوم الرئيس المترشح.

بالإضافة إلى أسماء أخرى ألفها الشارع الجزائري وصارت تعيش على هامش الأحداث مستهلكة سياسيا مثل زعيم حزب التجمع من لأجل الثقافة والديمقراطية الدكتور سعيد سعدي الذي يأخذ من منطقة القبائل التي تعيش غليانا كبيرا منذ فترة طويلة قاعدته الشعبية، لكنه لم يصبح يؤثر في المنطقة بعد العملية الجراحية التي أجرتها السلطة بالمنطقة وسمحت بظهور تنسيقية العروش على حساب الأحزاب السياسية المعتمدة ومنها حزب سعيد سعدي.

غير أن المفارقة المتميزة في قائمة المترشحين هو وجود امرأة -لأول مرة- عرفت بتوجهاتها اليسارية الناقمة على الخيارات الاقتصادية للنظام والغاضبة جدا لتسريح العمال.

ورغم أن مرشحة حزب العمال تمتلك قدرة فائقة على الخطابة والتأثير فإن عدم امتلاكها قاعدة جماهيرية كبيرة يطرح خلفيات قبول ترشحها لمثل هذه المواعيد المهمة.

وعندما نبحث في الكواليس نجد بأن لويزة حنون لينت من خطابها تجاه الرئيس المترشح بوتفليقة مما يوحي بأنها متحالفة معه في السر، وإلا فكيف نفسر فوز حزبها في البرلمان في الانتخابات التشريعية السابقة وهي لم تحصل بفعل برامجها المقدمة على الانتشار الوطني المعقول إذا ما قورن ببعض التشكيلات السياسية القوية الحضور؟!

سيناريوهات النتائج

إن هذه الأسماء المرشحة على اختلاف برامجها وتوجهاتها وأيضا على قواعد الدعم التي تعتمدها ستدخل المعترك الانتخابي وفق انتشارها الجماهيري، وأيضا بالاعتماد على حياد الإدارة والجيش، بالإضافة إلى الرقابة الشعبية فيما يتعلق بمحاضر الفرز للأصوات، دون أن تقصي من تخميناتها عناصر المفاجأة والترقب والتوجس.

ومن ثم وبناء على معطيات وكواليس معينة نتصور بأن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لهذه الانتخابات مع استبعاد فكرة انسحاب المترشحين كما حدث عام 1999. وتتمثل هذه السيناريوهات فيما يلي:

  1. الحسم في الدور الأول، وذلك لصالح عبد العزيز بوتفليقة، وهو احتمال وارد جدا نظرا للمؤشرات والمعطيات المذكورة آنفا.
  2. فوز بن فليس في الدور الأول، وذلك بالنظر إلى الضمانات القانونية الموجودة واستبعاد التزوير وكذا وجود وعي بضرورة التغيير. لكنه يظل احتمالا قليل الحدوث حسب تقديري نظرا لصعوبة الجمع بين الكثير من المتناقضات.
  3. انحصار المنافسة بين بوتفليقة وبن فليس، وذلك في الدور الثاني ومن ثم الدخول في لعبة التحالفات، والفوز هنا سيحسم لبوتفليقة على اعتبار أن المؤسسة العسكرية ستسعى إلى تبييض صورتها في الداخل والخارج وذلك بعدم السماح لبوتفليقة بالفوز في الدور الأول وإلا سوف تكون في قفص الاتهام، وبالتالي فمساعدته في الدور الثاني يكون أحسن لها وللتجربة الديمقراطية الناشئة التي تشهدها الجزائر، مع عدم إقصاء فكرة لجوء الإدارة والعسكر إلى التزوير لتمرير مرشحهم.

والخلاصة.. بناء على ما سبق فإنه بغض النظر عمن سيفرزه الصندوق مستقبلا ومن سيكون رئيسا للجزائر لمدة 5 سنوات أخرى، فإن الفائز بها لن يحصل بأي حال من الأحوال على اعتراف باقي المترشحين، وإنما سيلجؤون إلى التنديد بالتزوير وأيضا الانحرافات التي عرفها التصويت، الأمر الذي يمثل قمة المأساة بالنسبة للتجربة الديمقراطية الجزائرية التي ستبدو من خلال مظهرها الأساسي -الانتخابات- غير ناضجة.

وسيكون على الرئيس القادم التعامل مع ملفات شائكة وعالقة كأزمة منطقة القبائل وغيرها من فقر وبطالة، وهي مشاهد مرعبة تتفاعل بداخلها الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتعبر في عمقها عن مجرد بداية لحل الأزمة كما يحلم بها الجميع، وإذا كانت كذلك فهذه أفضل ثمرة يمكن أن يجنيها الجزائريون من هذا الاستحقاق الهام.
_______________
صحفي وكاتب جزائري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة