حركة الكوادر الإسلامية: نستثمر الحرب ولا نشارك فيها   
الخميس 1430/10/12 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

حركة الكوادر الإسلامية واحدة من الفصائل الإسلامية الشيعية العراقية المعارضة المهمة ومحمد عبد الجبار أحد أهم منظريها وعضو مكتبها السياسي، رسم في هذا الحوار المطول صورة للعراق كما تتخليها حركته إذا نجحت الإدارة الأميركية في الإطاحة بنظام حكم الرئيس صدام حسين. سألناه هل طلبت الإدارة الأميركية منهم الاشتراك في الحرب إذا اندلعت؟ وهل سيوافقون على ذلك؟ وهل سيمارس الشعب العراقي حرب مدن وشوارع دفاعا عن بلاده أمام الهجمات الأميركية, أم أنه سيستسلم رغبة في التغيير؟ وهل سيتمكن هذا البديل الذي تنشده المعارضة من إدارة دفة الحكم والمحافظة على ثروات البلاد ووحدة ترابها الوطني, أم ستسود حروب أهلية على أسس عرقية أو مذهبية؟

الإجابات على هذه الأسئلة وغيرها ترسم صورة لفكر حركة سياسية تحاول أن يكون لها دور في الأحداث التي ستشهدها المنطقة في الفترة القادمة.

* أعد الحوار: محمد عبد العاطي


كيف تنظرون إلى نظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين وعلى أي أساس تبنون معارضتكم له؟

نحن حركة معارضة لهذا النظام وتعمل من أجل الإطاحة به، حيث لا نعتقد بإمكانية إصلاحه من الداخل، أو التحاور معه لتحقيق بعض الإصلاحات السياسية أو الاجتماعية. وحركتنا (الكوادر الإسلامية) تعتبر النظام مغتصبا للسلطة التي هي حق شرعي للأمة، تتولاها عبر الشورى والآليات الديمقراطية وحكم الأكثرية واحترام الأقلية. وترى أن النظام القائم نظام دكتاتوري فردي متخلف، معاد للعراق والعراقيين والأمة العربية والإسلامية، وارتكب جرائم بحقهم جميعا. وبالأساس جاء إلى الحكم بدعم أميركي بريطاني وبقي مدعوما من قبلهما حتى قيامه بغزو الكويت.


ما موقفكم من المحاولات الأميركية والبريطانية الرامية إلى تغيير هذا النظام؟

تميز حركة الكوادر الإسلامية بين الحرب والتغيير. أما الحرب الممكن وقوعها فهي مشكلة بين النظام العراقي والولايات المتحدة، وليس الشعب العراقي طرفا في هذه الحرب، ولن تحزن الحركة إذا سقط النظام بسبب هذه الحرب. لكن الحركة تحزن لما يصيب الشعب العراقي من أذى بسبب هذه الحرب التي يعتبر النظام الصدامي المسؤول الأول عن وقوعها.

أما التغيير فهو قضية بين النظام والشعب العراقي، وهو مهمة الشعب العراقي بالأساس، وقواه الوطنية المخلصة.

فإذا أعلن أي طرف (ما عدا إسرائيل) غير الشعب العراقي أنه يعمل على إسقاط النظام، فإن هذا يشكل نقطة مصلحة مشتركة بين الشعب العراقي وذلك الطرف، يمكن التعامل معها بشرط ألا يؤدي ذلك إلى التأثير على استقلالية المعارضة العراقية أو يؤدي إلى نتائج عكسية ومفاسد على وحدة العراق وسيادته الوطنية واستقلاله السياسي.


لن تشارك حركة الكوادر الإسلامية في الحرب، ولكنها سوف تستثمر الظروف التي يمكن أن تخلقها الحرب لتسريع عملية تغيير النظام وإسقاطه من الداخل


هل أنتم على استعداد للمشاركة في المحاولات الأميركية الهادفة تغيير النظام؟

ليست حركة الكوادر الإسلامية مثلها مثل بقية قوى المعارضة العراقية طرفا في الحرب بين النظام العراقي والولايات المتحدة. ولن تشارك في الحرب، ولكنها سوف تستثمر الظروف التي يمكن أن تخلقها الحرب لتسريع عملية تغيير النظام وإسقاطه من الداخل.


وما طبيعة المساعدات التي يمكن أن تقدموها إذا طلبت الولايات المتحدة منكم ذلك؟

سوف تنسق حركتنا مع بقية قوى التغيير في الداخل من أجل إنجاز عملية التغيير ولم يطلب منا أحد أن نساعد أحدا في الحرب.


في تقديراتكم ما مدى نجاح أو فشل المحاولات الأميركية هذه؟

المعتقد أن انطلاق الحرب سوف يشجع قوى التغيير في الداخل على التحرك واستثمار الفرصة للانقضاض على النظام وإسقاطه. وقد لا يتطلب الأمر أن تمضي الحرب في كل مراحلها المقررة قبل أن يحصل هذا.


أين سيكون موقعكم السياسي إذا ما نجحت الحملة الأميركية؟

موقعنا السياسي في حال النجاح سوف يقرره الشعب العراقي الذي يجب أن يلعب الدور الرئيس في إعادة بناء الدولة العراقية واختيار القيادات وملء المواقع بالطريق الديمقراطي السليم.


وفي حال الفشل؟

في حال الفشل لا سمح الله سنعاود العمل من أجل التغيير مستفيدين من دروس الفشل.


برأيكم هل تعتقدون أن الشعب العراقي سيقاوم التدخلات العسكرية الأميركية ويمارس نوعا من حرب المدن إذا ما بدأت الحرب البرية, أم أنه سيرحب بدخول تلك القوات إلى بلاده تخلصا مما تصفه أنت بالنظام الديكتاتوري؟

المقاومة الشعبية في الداخل ستتوجه لضرب النظام وإسقاطه، وهذه المقاومة لن تكون طرفا في الحرب بين النظام والولايات المتحدة، إنما هي ستخوض حربها خاصة ضد النظام.


وماذا عن الجيش العراقي؟

المعلومات الواردة إلينا من داخل العراق تؤكد أن الجيش العراقي الباسل لن يقف إلى جانب النظام ولن يدافع عنه، إنما هو ينتظر اللحظة المناسبة للانحياز إلى الشعب العراقي في مقاومة النظام واستثمار الفرص لتغييره.


في حال العمليات العسكرية أو عقب انتهائها هل ترون احتمالات نشوب حرب أهلية سواء على أسس عرقية أو مذهبية في العراق؟

الاحتمال بدرجة صفر. لن تحدث حرب أهلية بين العرب والأكراد والتركمان، ولن تحدث حرب أهلية بين الشيعة والسنة، ولن تحدث حرب أهلية بين القوى السياسية العراقية المعارضة. الشعب العراقي شعب متحضر، وهو قادر على بناء دولته من جديد على أسس ديمقراطية دستورية وبطريق سلمي سياسي.


ما تصوركم لنظام الحكم البديل وهل سيكون قادرا على إدارة البلاد والمحافظة على ثورتها ووحدتها؟

إننا نسعى إلى إعادة بناء الدولة العراقية على أسس سليمة تضمن حقوق الجميع. وهذا الشعار هو الإطار العام الذي تتحقق في داخله مصالح جميع التكوينات الاجتماعية العراقية وأهدافها وحقوقها السياسية والثقافية، أولا، وتترسخ في إطاره الوحدة الوطنية العراقية الشاملة، ثانيا.


المعتقد أن انطلاق الحرب سوف يشجع قوى التغيير في الداخل على التحرك واستثمار الفرصة للانقضاض على النظام وإسقاطه. وقد لا يتطلب الأمر أن تمضي الحرب في كل مراحلها المقررة قبل أن يحصل هذا
ويتم هذا عبر بناء الدولة على أسس وطنية ديمقراطية إنسانية تحترم الهوية الإسلامية للمجتمع العراقي، وليس عبر الحل السياسي الطائفي الذي يعني تقاسم مراكز الدولة القيادية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان وقيادة الجيش وغيرها) بين المكونات الدينية أو المذهبية أو القومية للمجتمع.

إن الدولة العراقية الجديدة المحققة لمصالح وأهداف العراقيين يجب أن تتصف بالصفات التالية:

أولا: الآليات الديمقراطية، بمعنى إسناد تولي المناصب العليا في الدولة إلى الإرادة الشعبية المشخصة إما بالاستفتاء العام المباشر، أو عبر المجالس التمثيلية، أو كليهما. وهذا يتطلب توفير الأسس الدستورية والقانونية لضمان الحريات السياسية والمدنية والتعددية الحزبية وقيام المؤسسات التمثيلية، وهي أمور جوهرية لضمان التعبير الحر عن الرأي الشعبي، كما يتطلب إقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة. إن ديمقراطية الدولة لا تعني:

  • دكتاتورية الأغلبية واحتكارها للسلطة.
  • أو اضطهاد الأقلية.
  • أو انفراد الأقلية بالسلطة والسيطرة كما هو حاصل الآن.

ثانيا: الوطنية، بمعنى أن الدولة تعتبر أن الكفاءة الشخصية والمواطنة الصالحة أساس في تولي المناصب والمسؤوليات في الدولة والمجتمع. إن الامتيازات الطائفية مثلها مثل الاضطهاد الطائفي ظواهر متناقضة مع الطبيعة الوطنية للدولة. وإن المشاركة الاجتماعية العامة في المناصب العامة، بمعنى مساهمة مختلف التكوينات الاجتماعية في تولي المناصب دليل على ديمقراطية الدولة ووطنيتها، كما أن انحصار تولي المناصب العليا بفئة قليلة طائفة كانت أم حزبا أم غير ذلك، بالشكل الذي تقوم عليه الدولة العراقية الحالية أمر يتناقض مع الوطنية والديمقراطية.

ثالثا: اللامركزية، أو الفدرالية، يجب أن تكون الدولة العراقية دولة لا مركزية، بمعنى التوسع في توزيع السلطات بين المركز والأقاليم أو الولايات أو المحافظات بالشكل الذي يحول دون تمركز السلطة في يد الحكومة المركزية. وهذا يتطلب إعطاء المحافظات والمسؤولين المحليين صلاحيات واسعة في الأمور التي تخص محافظاتهم ومناطقهم ومسؤولياتهم. وستبقى قضايا الدفاع والسياسة الخارجية والتخطيط الاقتصادي ضمن صلاحيات السلطة المركزية. أما مسائل التعليم والمناهج الدراسية والإعلام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والزراعية والصناعية فسوف تحتل مساحة كبيرة في صلاحيات الإدارات المحلية، لأن هذه الأمور يجب أن تتم بالتناسب مع المتطلبات المحلية للمحافظات سواء من الناحية الطبيعية أم الاجتماعية والثقافية.

ويتعين إعادة النظر بالتقسيم الإداري (المحافظات) للعراق لإيجاد وحدات إدارية متجانسة يمكن من خلالها تطبيق اللامركزية بصورة سليمة.

وسوف تحتل المنطقة الكردية موقعا خاصا في إعادة النظر هذه بعد الإقرار بحق تقرير المصير بالنسبة لأكراد العراق الذين اختاروا الفدرالية كصيغة لتقرير المصير. إن الدولة العراقية الجديدة يجب أن تحترم هذه الإرادة.

رابعا: الإنسانية، بمعنى أن الدولة العراقية يجب أن تقر مبادئ حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، المعلنة في الوثائق العالمية، ويجب أن تدخل هذه الحقوق في صلب تشريعات الدولة بما في ذلك الدستور الدائم. إن الدولة العراقية الجديدة يجب أن تتقيد بهذه الحقوق في تشريعاتها وممارساتها وعلاقاتها مع مواطنيها. وإن انتهاكات حقوق الإنسان بما في ذلك أشكال التمييز الطائفي أو القومي يجب أن تعتبر من الجرائم التي يعاقب عليها القانون.

خامسا: القانونية، بمعنى أن الدولة العراقية يجب أن تكون "دولة القانون" التي تعلو سلطة القانون فيها على سلطة الحاكم، وتكون ممارساتها وممارسات مواطنيها والعلاقات بينهم قائمة على أساس القانون.

سادسا: احترام الهوية الإسلامية للمجتمع العراقي، مع حفظ الدين من تدخل الدولة في شؤونه الخاصة، وذلك يتحقق عبر ما يلي:

  1. عدم النص على فصل الدين عن الدولة في أي وثيقة من وثائق الدولة القادمة.
  2. النص على أن الشريعة الإسلامية هي أحد مصادر التشريع بالنسبة للدولة.
  3. النص على عدم جواز إصدار أي تشريع مخالف للشريعة الإسلامية.
  4. احترام استقلالية الحوزة العلمية.
  5. التقيد بأحكام الشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية.
  6. احترام الشعائر الدينية الإسلامية، بما في ذلك المقابر.
  7. استقلالية الأوقاف الشرعية والمراقد المقدسة عن الدولة.

أما عن قدرة النظام البديل على إدارة شؤون البلاد فإن قوى المعارضة العراقية وقوى الداخل والعناصر الطيبة في الجيش العراقي تمتلك القدرة على إدارة البلاد.


المعلومات الواردة إلينا من داخل العراق تؤكد أن الجيش العراقي الباسل لن يقف إلى جانب النظام ولن يدافع عنه، إنما هو ينتظر اللحظة المناسبة للانحياز إلى الشعب العراقي في مقاومة النظام واستثمار الفرص لتغييره


ما السيناريو الذي تتصوره إذا أطيح بنظام حكم الرئيس صدام حسين؟

نتوقع أن تسير الأمور على النحو التالي:

أولا: تشكل حكومة انتقالية ائتلافية تمثل فيها التكوينات الاجتماعية والسياسية بشكل يدعو إلى الاطمئنان، تأخذ على عاتقها اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالانتقال بالبلاد إلى الحياة السياسية السليمة، وعلى رأس هذه الخطوات إجراء انتخابات عامة لتشكيل الجمعية التشريعية التي تتكفل وضع الدستور الدائم للبلاد، الذي يكون أساس إعادة بناء الدولة العراقية بالمواصفات السابقة، ثم عرض هذا الدستور على استفتاء شعبي عام. وفي هذه المرحلة يجب أن تنجز عملية إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية للعراق (أي المحافظات أو الولايات).

تقوم الحكومة الانتقالية بإنجاز خطوات عاجلة أخرى مثل:

  • إطلاق الحريات السياسية والإعلامية والحزبية.
  • حل مشكلة المهاجرين والمهجرين.
  • إطلاق سراح المعتقلين والمسجونين.
  • حل مشكلة عوائل الشهداء وضحايا النظام الدكتاتوري وغير ذلك.

ثانيا: تجرى انتخابات برلمانية على أساس الدستور الجديد الذي ينص على إقامة مجلسين أحدهما مجلس النواب والثاني مجلس الولايات. وبقيام المجلسين تنتهي مدة ولاية الحكومة الانتقالية وتنحل الجمعية التشريعية، وتتشكل الحكومة الجديدة على أساس نتائج الانتخابات البرلمانية.

ثالثا: تجرى الانتخابات في المحافظات لتشكيل مجالس الشورى والمجالس البلدية في المحافظات وانتخاب المحافظين. وهذ يعني أن سلطة تعيين المحافظين سوف تسحب من السطة المركزية وتحال إلى سكان الولايات حيث ينظم القانون هذه العملية.

رابعا: يشكل مجلس للنظر في حالات التمييز الطائفي أو القومي التي قد تمارسها السلطات المركزية أو المحلية. ينظم القانون أو الدستور طريقة تشكيل هذا المجلس، إما بالانتخاب أو من خلال مجلسي النواب والولايات.

خامسا: يعاد النظر بمناهج التعليم، على أساس وجود مستويين لهذه المناهج أحدهما المستوى المركزي الذي يعمم على كل مدارس البلاد والمستوى الثاني الخاص بالمحافظات أو المناطق وفقا للطبيعة القومية والمذهبية لها.

سادسا: وضع خطط للتنمية الاقتصادية تتناسب مع طبيعة المناطق المحلية. وتعطى أهمية خاصة لإعادة أعمال المناطق الشيعية في الجنوب التي عانت لسنوات طويلة من الإهمال المتعمد. ولما كانت هذه المنطقة تمتاز بكونها منطقة زراعية فيجب أن تولى مسألة التنمية الزراعية أهمية خاصة فيها.

سابعا: فصل الإعلام عن الدولة وإلغاء وزارة الإعلام. تحتفظ الدولة بمحطة إذاعة وتلفزيون وجريدة رسمية واحدة فقط تعبر جميعها عن حقيقة التعددية في المجتمع العراقي.

ثامنا: إقامة إدارة ذاتية للعتبات المقدسة والأوقاف الشيعية وفصلها عن الدولة وإلغاء وزارة الأوقاف.

تاسعا: إعادة الاعتبار والاحترام للحوزة العلمية في النجف الأشرف ومنع الدولة من التدخل في شؤونها الداخلية، وتوفير مستلزمات قيامها بمهمتها على أحسن وجه.

عاشرا: إلغاء قانون الجنسية الحالي وتشريع قانون جديد. يجب التخلي فيه عن مفهوم التبعية الإيرانية والتبعية العثمانية في قانون الجنسية. وإقرار مبدأ منح الجنسية العراقية لمن أقام في العراق فترة معينة من الزمن يحددها القانون.


احتمال نشوب حرب أهلية في العراق على أسس عرقية أو مذهبية إذا أطيح بنظام صدام غير وارد حيث سيبنى الشعب دولته على أسس ديمقراطية سلمية
حادي عشر:
إطلاق الحريات السياسية والحريات الفكرية وتحريرها من القيود والشروط التي وضعها النظام الدكتاتوري.

ثاني عشر: إلغاء كل القوانين والتشريعات التي صدرت منذ قيام الدولة العراقية والتي استهدفت تقنين التمييز الطائفي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ثالث عشر: تعتبر المناصب القيادية في الدولة وهي تحديدا: رئاسة الجمهورية، ورئاسة المجلسين ورئاسة الوزراء وقيادة الجيش ومحافظية البنك المركزي ووزارات السيادة أي الدفاع والداخلية والخارجية والمالية مفتوحة لجميع المواطنين ويجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة التي تحول دون احتكارها من قبل فئة واحدة.

وأخيرا نعتقد أنه يجب فسح المجال أمام الشعب العراقي لكي يساهم بأكبر صورة ممكنة في عملية إعادة بناء الدولة العراقية، وذلك عبر الخطوات التالية:

الخطوة الأولى: إجراء انتخابات بلدية في العراق، لتكون المجالس البلدية، وهي أصغر وحدات الدولة القاعدة مجالس منتخبة بإرادة الشعب ومعبرة عن مشاعره وقواه الفاعلة. ويمكن أن تتم هذه العملية بعد ستة أشهر من سقوط نظام الطاغية.

الخطوة الثانية: إجراء انتخابات لمجالس المحافظات، لتحقيق نفس الغرض لكن على مستوى المحافظات. وبالتالي ستكون لدينا مجالس محافظات تعبر عن تطلعات مواطني المحافظة بصورة ديمقراطية حرة. ويمكن أن تتم هذه العملية بعد ستة أشهر أخرى.

الخطوة الثالثة: إجراء انتخابات للجمعية التأسيسية العراقية، التي ستتكرس لعملية وضع مسودة الدستور الدائم للعراق، وطبيعي أن وضع الدستور يجب أن يتم من قبل ممثلي الشعب الحقيقيين، والمنتخبين، وليس من قبل مجالس معينة ذاتيا، أو عبر تسويات ومساومات سياسية لا يعرف أحد إلى أي مدى تعبر عن إرادة الشعب وتطلعاته. ويمكن أن تجرى هذه العملية بعد ستة أشهر أخرى.

وهذا يعني أننا خلال سنة ونصف تمكنا من إجراء ثلاثة انتخابات شاركت فيها جماهير الشعب بصورة ديمقراطية.

الخطوة الرابعة: الاستفتاء على الدستور الدائم. ويمكن أن تستغرق عملية وضع مسودة الدستور الدائم من 3-4 أشهر. وبعد شهر من الانتهاء من المسودة، يجري عرضها على الشعب عبر استفتاء عام. فإذا حصلت المسودة على موافقة الأغلبية، أصبحت شرعية ومقرة، وإن لم تحصل، يتعين العودة إلى الجمعية التأسيسية مرة أخرى لإجراء التعديلات اللازمة عليها.

الخطوة الخامسة: بعد ذلك بفترة زمنية معقولة (2-3 أشهر) يمكن الدعوة إلى إجراء الانتخابات البرلمانية، على أساس الدستور الدائم. وبإقامة البرلمان المنتخب، يبدأ العراق عهده الجديد بإقامة حكومة منتخبة ديمقراطية، تحكم على أساس دستور دائم، لا بد أنه سوف ينص على إقامة الحياة السياسية على أساس الآليات الديمقراطية.

تتطلب هذه الخطوات بعض المستلزمات الأساسية التي يمكن أن نذكر بعضها كما يلي:

  • إطلاق حرية العمل الحزبي وتشكيل المنظمات السياسية.
  • إطلاق حرية التعبير والعمل الصحافي، لكي يتمكن المواطنون والأحزاب والمنظمات السياسية من التعبير عن آرائها السياسية بحرية كاملة ودون خوف أو وجل.
  • إلغاء جميع أشكال الأجهزة الأمنية والقمعية التي كانت تقوم طيلة العقود الماضية من عمر الدولة العراقية بإرهاب الناس وحرمانهم من نعمة التفكير بحرية، والتعبير عن فكرهم بحرية، وإبراز مواقفهم السياسية بحرية، وتحديد خياراتهم السياسية بحرية.
  • وبسبب الطبيعة الخاصة للوضع العراقي لا بد من وجود مراقبين دوليين، من الأمم المتحدة على وجه التمثيل وليس التخصيص، لمتابعة العملية السياسية من بدايتها إلى نهايتها للتأكد من أنها تسير وفق المعايير والضوابط الديمقراطية والحضارية، وضمان ذلك، ومنع أي تلاعب أو تزوير أو كبت لإرادة الناس.

ونسمي هذه الخطوات بالمقاربة التحتية للبناء والتي تشترط في عملية البناء أن تنطلق من تحت، أي من القاعدة الشعبية التحتية العريضة للدولة، أي الجماهير الشعبية بأوسع معنى لها. وهذا ما ندعو إليه، لأسباب عقائدية سياسية وعملية، نوجزها كما يلي:

السبب العقائدي: وخلاصته الإيمان بأن البشرية هي خليفة الله في الأرض، وبالتالي فإن لها السيادة على نفسها وعلى الأرض وعلى الكون. وهذا ما ينص عليه القرآن الكريم حين يقول "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة".

وقد علمنا الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، استنادا إلى هذه الآية، أن الخلافة الربانية هي أساس الحكم في الأرض، وأن الحكم بين الناس متفرع في الحقيقة على جعل الخلافة. والبشرية هي المكلفة برعاية الكون وتدبير الأمر والسير بنفسها في الطريق المرسوم للخلافة الربانية. وهذا يعطي مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة، وهو أن الله سبحانه وتعالى أناب الجماعة البشرية في الحكم والقيادة وتدبير الكون وإعماره اجتماعيا وطبيعيا، وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم بأنفسهم وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله. ونص الأمام الصدر، بناء على نصوص القرآن الكريم، على أن الجماعة البشرية تمارس هذا الحق في الخلافة والحكم عن طريق الشورى، وبرأي الأكثرية عند الاختلاف.

السبب السياسي: وخلاصته هو أن الديمقراطية التي جعلناها أحد أسس بناء الدولة العراقية الجديدة، تفرض الرجوع إلى الناس في مزاولة الحكم والسلطة، ولا تجيز الفرض من فوق، بل تفترض أن الحكم ينبع من تحت، وفي هذا تلتقي الآليات الديمقراطية بجوهر نظرتنا العقائدية الإسلامية إلى المسألة السياسية ومسألة الحكم، تلك المسألة المشتقة من مفهوم الخلافة الربانية.

السبب العملي: فينص على أن شرط نجاح أي عملية إعادة بناء وتنمية يتمثل في انخراط الجماهير في هذه العملية وعدم عزوفها عنها لأي سبب من الأسباب. لقد كتب الإمام الصدر يقول محقا: "إن أي نظام اجتماعي لا يمارس دوره في فراغ وإنما يتجسد في كائنات بشرية وعلاقات قائمة بينهم وهو من هذه الناحية تتحدد درجة نجاحه ومقدرته على تعبئة إمكانات المجتمع وتفجير الطاقات الصالحة في أفراده". ولا يمكن لعملية البناء أن تحقق هدفها في تطوير الأمة واستنفار كل قواها ضد التخلف إلا إذا اكتسبت إطارا يستطيع أن يدمج الأمة ضمنه حقا وقامت على أساس يتفاعل معها، فحركة الأمة كلها شرط أساس لإنجاح أي عملية بناء حضاري جديد وأي معركة شاملة ضد التخلف، كما قال.

وإذن فالمطلوب هو إدماج الأمة (الجماهير، الشعب) وإشراكها في عملية البناء الجديد في العراق، وبتصورنا فإن عملية الدمج يمكن أن تتم سياسيا عبر الخطوات السابقة، التي يتعين الشروع بها بعد وقت وجيز من إطاحة النظام الصدامي.
_______________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة