سي دي العراق (مختصر العلاقات العسكرية)   
الخميس 1430/10/11 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

عرفت العلاقات العسكرية والأمنية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية تاريخا مديدا وتطورات هامة بدأت بإنشاء الأحلاف لتصل إلى التعاون والتنسيق والتسليح ولتنتهي أخيرا بالعداء والقطيعة.

بداية الاهتمام.. حلف بغداد والثروة النفطية


تزايدت أهمية منطقة الخليج العربية بما فيها العراق بوصفها مصدرا رئيسيا للطاقة بالنسبة لأمريكا غداة حرب أكتوبر 1973 وما صاحبها من أزمات نفطية
حرصت الولايات المتحدة منذ عقد الخمسينيات في القرن الماضي على استقطاب العراق، وتجسد ذلك في إنشاء حلف بغداد عام 1955 الذي أريد له أن يضم حلفاء أمريكا في المنطقة لمواجهة النفوذ السوفييتي حينها. ومع 1975 زاد اهتمام واشنطن بموارد الطاقة فصار العراق محط أنظار الحكومات الأمريكية. ومع أن مصادر بترول الشرق الأوسط لم تكن تمثل أهمية حيوية لأمريكا حتى منتصف السبعينات حيث لم تتعد الواردات الأمريكية من بترول المنطقة عام 1973 سوى 7 % من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة، إلا أنها قفزت إلى نسبة 34 % في عام 1975.
كما تزايدت أهمية منطقة الخليج العربية بما فيها العراق بوصفها مصدرا رئيسيا للطاقة بالنسبة للغرب غداة حرب أكتوبر 1973 وما صاحبها من أزمات نفطية. ويقدر احتياطي العراق البمترولي بشكل خاص نهاية عام 2002 بنحو 150 – 160 مليار برميل من البترول وزهاء 3100-3200 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. كما يمتاز العراق بثرواته الزراعية والمائية حيث تصل المساحة القابلة للزراعة إلى 12 % من أراضيه.

بداية الثمانينات.. تحالف في مواجهة إيران

اتفقت مصالح العراق مع الولايات المتحدة في مواجهة الثورة الإيرانية ومنعها من تهديد مصالح البلدين في منطقة الخليج. خاضت العراق حربا ضروسا ضد إيران وكانت الولايات المتحدة حليف بغداد الرئيسي في حربها هذه. وتجلى التقارب الأمريكي العراقي في الدعم السياسي من جهة وفي العون العسكري السخي من جهة أخرى: فكانت مبادرة الرئيس رونالد ريجان إلى رفع اسم العراق من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1982. كما نشط التعاون العسكري بين الدولتين فشمل إرسال المعلومات عن إيران عبر قنوات المخابرات كما شمل مبيعات الأسلحة والمعدات والذخائر الغربية للعراق.

تطور التعاون العسكري العراق الأمريكي بشكل مطرد فلم يعد العراق يعتمد على حليفه التقليدي الاتحاد السوفييتي في التسليح بل حصل خلال عامي 1980، 1981 على حوالي نصف احتياجاته من الأسلحة والمعدات من خارج الكتلة السوفيتية وحوالي ثلثها من غرب أوروبا. واستورد عام 1982 أسلحة ومعدات بنحو 4.3 مليار دولار مقابل 1.5 مليار دولار لإيران في نفس العام.

شجعت واشنطن روسيا عام 1982على عقد صفقة سلاح كبرى مع العراق شملت الدبابات ت – 55، ت – 62 والمدفعية الصاروخية ب م – 21 وطائرات الهليوكبتر ي – 24. واعتبارا من سبتمبر/ أيلول 1982 بدا الاتحاد السوفييتي بإمداد العراق بأسلحة أكثر تطورا مثل الدبابة ت – 72 والطائرة ميج – 25 وصواريخ الدفاع الجوي. وكان في نفس المستوى من الأهمية العسكرية استيراد العراق للطائرات الفرنسية ميراج ف-1 عام 1982، وقد زودت بالصاروخ جو / جو ماجيك – 1، وبمعدات إلكترونية تحقق دقة الإصابة بالتسليح جو / أرض. وحصل الطيران العراقي على صواريخ اكسوزيت جو / سطح يمكن إطلاقها من الطائرات الميراج والهليوكبترات سوبرفريلون الفرنسية.
وفي يناير/ كانون الثاني 1983 وافقت فرنسا على إمداد العراق بطائرات القتال سوبرانتندارد.

أمريكا.. إنتاج الغازات الحربية العراقية


خلال حرب الخليج الأولى كانت واشنطن ترى في استخدام العراق للغازات الحربية نقطة تفوق تكتيكي مقبولة في إدارة معارك الحرب

أوفد الرئيس الأمريكي رونالد ريجان دونالد رامسفيلد -وزير الدفاع الحالي- إلى بغداد في ديسمبر/ كانون الأول 1983 لتقويم مسار الحرب العراقية/الإيرانية ودعم قدرات العراق في إنتاج واستخدام الغازات الحربية بمساعدة مباشرة من CIA وبخاصة لإنتاج غاز الأعصاب "التابون". وأكد دونالد رامسفليد للرئيس العراقي صدام حسين أن البنتاجون يرى في استخدامه للغازات الحربية نقطة تفوق تكتيكي مقبولة في إدارة معارك الحرب.
وبينما تمكنت طهران من استيراد أسلحة ومعدات قيمتها 3.9 مليار دولار خلال عامي 84، 1985، استطاعت بغداد من خلال الدعم المالي من دول الخليج العربية والدور الأمريكي في تسهيل تعاقدات السلاح لصالح العراق أن تستورد ما قيمته 18.1 مليار دولار من الأسلحة والمعدات المتطورة الشرقية والغربية. ومن أهم أطرزة هذه الأسلحة الغربية عدد 45 طائرة ميراج، 5 طائرات سوبرانتندارد، وصواريخ الدفاع الجوي رولاند.
قدم الأمريكيون للعراق الخبرة الفنية في استخدام الغازات الحربية في صد الهجوم الإيراني ضد جزر مجنون في 19 مارس 1985، ولقى خمسة آلاف إيراني مصرعهم.

نهاية الثمانينات.. ذروة التعاون العسكري بين البلدين

ارتفعت المبيعات العسكرية الأمريكية للعراق إلى 1.5 مليار دولار في الفترة بين عامي 84، 1987، وشملت معدات متقدمة لمنظومة القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات، ومن بينها وسائل قراءة وتحليل صور الأقمار الصناعية. وتم إرسال أسلحة ومعدات أمريكية للعراق عبر أو من خلال مصر والسعودية والأردن والكويت ومن بينها الطائرات العمودية سواء المسلحة أم النقل، وقنابل ومستودعات الطائرات، وبعض مستشعرات طائرات الاستطلاع.
وفي 2 أكتوبر/ تشرين الأول 1989، وبعد أكثر من عام من انتهاء حرب الخليج الأولى (1980-1988) أصدر جورج بوش الأب توجيها تضمن ضرورة تقديم التأييد السياسي والمعاونة الاقتصادية للعراق من أجل دعم النفوذ الأمريكي فيه وإيجاد علاقات عسكرية متدرجة مع القوات المسلحة العراقية. تنامي التعاون في مجال التدريب العسكري للقوات المسلحة العراقية، وكذلك تطور العلاقات الاقتصادية المتواصل التزاما بالاتفاق التجاري والتكنولوجي المبرم بين واشنطن وبغداد في أغسطس/ آب 1987 إلى حد اكتفاء وزارة التجارة في إدارة جورج بوش بتعهد عراقي بعدم استخدام الواردات الأمريكية ذات الاستخدام المزدوج المدني والحربي في الأغراض العسكرية لتجنب وضع قيود على تنامي الصادرات الأمريكية للعراق.

عقد التسعينات.. التصادم والقطيعة


من عوامل القطيعة بين أمريكا والعراق الضغط الإسرائيلي على واشنطن ومطامع صدام حسين في الهيمنة الإقليمية على الخليج
حذرت CIA في تقرير تال في بداية 1990 من تنامي قدرات العراق الصاروخية والكيميائية التي يمكن أن تمثل تهديدا استراتيجيا لإسرائيل. وفي 12 فبراير/ شباط 1990 تم لقاء صدام حسين مع جون كيلي مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى الذي استمع منه إلى رغبة الولايات المتحدة في إقامة أوثق العلاقات مع العراق باعتباره قوة اعتدال في المنطقة. وفي مارس/ آذار من نفس السنة رفض الرئيس الأمريكي بوش محاولة إصدار قرار من الكونجرس يدين النظام الحاكم في العراق لخرقه الفاضح لحقوق الإنسان.

إلا أن غزو العراق للكويت في 2 أغسطس/ آب 1990، قد أحدث الصدع الكبير في الجامعة العربية وبدأ تدفق القوات الأمريكية إلى السعودية منذ يوم 6 أغسطس/ آب لتبدأ عملية درع الصحراء لحشد قوات تحالف متعدد الجنسيات ثم تتحول إلى عملية عاصفة الصحراء بقيادة أمريكية لتحرير الكويت وتدمير القدرات العراقية الشاملة في الفترة من 17 يناير/ كانون الثاني إلى 28 فبراير/ شباط 1991.

العراق وأمريكا.. اتصال وانفصال

يمكن أن نلخص العلاقة العسكرية بين بغداد وواشنطن في مرحلتين أساسيتين:

  • مرحلة التقارب والتحالف التي غطت سبع سنوات بدأت من 1983 لتنتهي عام 1990. وكان الدعم العسكري الأمريكي للعراق في غاية الأهمية خاصة خلال حرب العراق ضد إيران. وقد شكلت المساعدة التقنية الأمريكية للعراق عاملا هاما في تطور الصناعات الحربية العراقية.
  • مرحلة القطيعة والتصادم التي كانت نتيجة عوامل عدم منها: الضغط الإسرائيلي على القرار السياسي الأمريكي، ومطامع صدام حسين في الهيمنة الإقليمية على الخليج، والتخطيط الأمريكي المتكامل لإعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط الكبير بدءا بالمشرق العربي. لهذه العوامل تحولت أمريكا من مساعد وحليف استراتيجي لبغداد إلى خصم لدود وذلك اعتبارا من يناير/ كانون الثاني 1991 وحتى اليوم.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة