نص مسودة تصور حول مستقبل العراق   
الخميس 11/10/1430 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

أثارت مسودة (تصور حول مستقبل العراق) التي تعكف المعارضة العراقية على مناقشتها ضمن فعاليات مؤتمرهم في لندن بعض الاختلافات في وجهات النظر الأمر الذي أجل إصدارها ربما لحين الوصول إلى الشكل النهائي لها.

وقد تسربت بعض نسخ هذه المسودة لوسائل الإعلام مما يلقي الضوء على طبيعة المناقشات التي تدور داخل أروقة المؤتمر.

فيما يلي نسخة غير رسمية من مسودة تصور مستقبل العراق كما نشرتها صحيفة الشرق الأوسط.


التأكيد على أن الجيش العراقي مؤسسة وطنية مختصة فقط بشؤون الدفاع عن الوطن وسيادته، ولا بد من تخليصه من تبعات سياسات التمييز الطائفي والعنصري السابقة ومن الولاءات الضيقة وإبعاده عن نهج العدوان على الدول الأخرى أو توظيفه للقمع الداخلي، ويتم تحييده سياسيا ويمكن توظيفه أيضا للبناء والإعمار

ابتلي الشعب العراقي بنمط أنظمة حكم تميزت بثلاث ظواهر خطيرة هي:

  • دكتاتورية الحكم.
  • والاضطهاد العنصري القومي.
  • والتمييز الطائفي.

ففي ظل الدكتاتورية حرم الشعب العراقي كله من إرادة التعبير وحق الاختيار لنوع النظام الذي يريد, وحق المشاركة في إدارة شؤونه وتقرير مستقبله، ومن باقي حقوق الإنسان التي نصت عليها الأديان السماوية والتجارب الانسانية.

وبسبب سياسة التمييز العنصري القومي تعرض الأخوة الكرد بشكل خاص (في مناطقهم لحملات الإبادة الجماعية والتعريب والتبعيث) وكذلك التركمان والآشوريون لـ«عدوان عنصري بغيض تصاعدت وتيرته في حقبة الحكم البعثي الصدامي المجرم».

وإذا كانت دكتاتورية النظام قد أدت إلى تعرض الشعب العراقي بأجمعه وباختلاف قومياته وأديانه ومذاهبه وتياراته السياسية إلى القمع والاضطهاد، فإن سياسة الاضطهاد الطائفي التي اعتمدتها السلطة أدت إلى تعرض الأغلبية الشيعية من شعبنا إلى:

  • إقصاء متعمد عن المشاركة السياسية والثقافية والاقتصادية في شؤون الوطن.
  • وإلى تهميش دورها وبما لا يتناسب مع واقعها السكاني وحضورها الميداني.
  • فضلاً عن تعرضها لأوسع وأبشع الجرائم كحملات التهجير القسرية الواسعة وقتل العلماء وتدمير المؤسسات العلمية العريقة التي يمتد عمرها إلى أكثر من ألف عام.

أما في المجال الاقتصادي، فقد أصبحت الدولة (وبكلمة أدق العائلة الحاكمة):

  • تتدخل في تسيير كافة مستلزمات الحياة الاقتصادية والهيمنة عليها.
  • وأصبح القطاع العام عالة على موارد الدولة بدل أن يكون مولداً لها.
  • واتسعت رقعة البيروقراطية.
  • وتلاشى دور القطاع الخاص في الصناعة والتجارة والنشاطات الاقتصادية الأخرى.
  • كما أدت حروب النظام وبرامج التسلح العبثية إلى تفاقم مريع في الظواهر السلبية السابقة وتدمير الطبقة المتوسطة وانخفاض دخل الفرد العراقي إلى أدنى حد معروف.

هذه الظواهر الخطيرة التي تميز بها نسيج الحكم وسياساته في بلادنا، بلغت ذروتها في حقبة النظام الحالي التي بدأت بانقلاب السابع عشر من يوليو (تموز) 1968 ولغاية الآن.

ولذلك فإن أية محاولة جادة لإنهاء محنة العراق، وهو أكثر بلدان المنطقة ثراء وأقدرها على توفير ظروف نهضة إنسانية رائدة، لا بد أن تبدأ بـ:

  • تغيير نسيج الحكم فيه، وذلك بالقضاء على مثلث الدكتاتورية والاضطهاد العنصري والقومي والتمييز الطائفي، لتوفير الإطار الطبيعي لحياة إنسانية كريمة وفق قاعدة التكافؤ والتوافق.
  • كما أن المهمة الأساسية الأولى لأي نظام مقبل هو إشاعة الحق والعدل والمساواة بين أبناء الشعب من دون تمييز.
  • وتشجيع انبثاق مؤسسات للمجتمع المدني لإعادة التلاحم بين شرائح الشعب الثرية بتاريخها ومسيرتها النضالية وثقافتها العريقة وهويتها الحضارية السمحة.

وإذا أردنا أن نضع بديلا سياسيا مناسبا لبلادنا، يقوم على أساس واقع الشعب العراقي، لا بد أن نضع في حسابنا الأسس التالية:

أولا: أن يحظى النظام البديل ونوعه بقبول الشعب العراقي بمختلف انتماءات أبنائه القومية والدينية والمذهبية والسياسية، وذلك من خلال استفتاء شعبي حر وبإشراف الشرعية الدولية.

ثانيا: إقرار دستور دائم عن طريق مجلس تأسيسي ينتخبه الشعب العراقي، يحفظ للمواطنين حقوقهم وواجباتهم وكرامتهم في إطار تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون لجميع العراقيين، ويوفر ضمانة قانونية لحماية تلك الحقوق.

ثالثا: إنهاء مرحلة الدكتاتورية البغيضة واعتماد آليات الديمقراطية والتعددية وإحلال حالة التعايش السلمي بين المواطنين بعيدا عن كل ألوان التمييز وأن يكون العراق وطنا للجميع بعيدا عن التسلط الفردي أو الفئوي أو الطائفي أو القومي وتوفير الضمانات الدستورية لذلك.

رابعا: أن ينص الدستور بوضوح على مبدأ تداول السلطة سلميا من خلال الانتخاب الحر وصناديق الاقتراع (وفق مبدأ لكل مواطن صوت واحد) ووفق ضوابط يحددها القانون. وتشجيع انبثاق مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق أوسع مساهمة ممكنة للذكور والإناث البالغين ومن دون تمييز في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع.

خامسا: العراق بلد عربي مسلم مستقل وهو عضو في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئة الأمم المتحدة ويحترم التزامات عضويته فيها.

سادسا: التأكيد على أن الجيش العراقي مؤسسة وطنية مختصة فقط بشؤون الدفاع عن الوطن وسيادته، ولا بد من تخليصه من تبعات سياسات التمييز الطائفي والعنصري السابقة ومن الولاءات الضيقة وإبعاده عن نهج العدوان على الدول الأخرى أو توظيفه للقمع الداخلي، ويتم تحييده سياسيا ويمكن توظيفه أيضا للبناء والإعمار.

شروط الحكومة القادمة


المحافظة على استقلال العراق وعلى سيادته الوطنية وعدم السماح بتحوله إلى قاعدة للقوات الأجنبية وعدم السماح لدخول أية قوات أجنبية من قبل دول الجوار بعد سقوط النظام الحالي.

لا بد أن تتوفر في الحكومة القادمة الشروط التالية:
أولا: الالتزام بدستور ثابت للبلاد يقره الشعب عبر استفتاء شعبي يعتمد على مبدأ «لكل مواطن أو مواطنة صوت واحد»، وينص على الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية والمذهبية لكافة المواطنين من دون تمييز، ويكون الدستور الإطار القانوني الذي يحدد مهام الدولة ووظائف السلطات الثلاث وواجبات وحقوق المواطنين، بما فيها حقوقهم على مستوى ممارسة العقيدة والثقافة وبما لا يخل بالوحدة الوطنية للعراق.

ثانيا: إقامة برلمان وطني يعتبر السلطة التشريعية للبلاد، يختار الشعب أعضاءه من خلال صناديق الاقتراع، في إطار الدستور الذي يحدد عدد النواب (على أساس النسب الواقعية لكل المكونات القومية والمذهبية للشعب العراقي) والشروط الواجب توفرها فيهم وواجباتهم وحقوقهم، ويمكن تحديد ذلك ضمن قانون خاص (قانون الانتخابات البرلمانية).

ثالثا: من وظائف البرلمان، المصادقة على التشكيلة الوزارية (منح الثقة) وسن القوانين والرقابة على عمل الحكومة وقرار الميزانية العامة للدولة، وضمان الشفافية أمام الشعب.

رابعا: أن ينص الدستور على حرية الأحزاب السياسية وحرية الصحافة وحرية الاجتماعات والتظاهر وحرية العقيدة والعبادة وحرية التنقل والسكن أينما شاء المواطن واحترام الرأي الآخر وحق الترشيح لعضوية المجالس الشعبية والمجالس التشريعية واحترام حقوق الأنسان وضمان حق المشاركة في الحكم لجميع القوميات والطوائف والتيارات السياسية في إطار الالتزام بالدستور والعمل وفق منطوقه وتقدير المصالح العليا في البلاد وهوية الشعب العراقي الحضارية، واعتبار كل العراقيين شركاء في الوطن يمارسون حقوقهم وواجباتهم المحددة دستوريا.

خامسا: أن ينص الدستور على الاعتراف بكافة القوميات التي ينتمي إليها أبناء العراق: العرب والكرد والتركمان والآشوريون وباقي الأقليات القومية.

وأن ينص الدستور على الاعتراف بكافة الأديان التي ينتمي إليها أبناء العراق كالمسلمين والمسيحيين وأتباع الديانات السماوية، وبكافة مذاهبهم كالشيعة الإمامية والمذاهب السنية الأربعة، وحظر إثارة النعرات والصراعات القومية العنصرية والطائفية والمعاقبة على ذلك.

سادسا: أن ينص الدستور على احترام عقيدة الأمة المتمثلة بالإسلام باعتباره دين الدولة، والتأكيد على الاهتداء بقيمه النبيلة ومثله السمحة ومبادئه الخيرة.

سابعا: الالتزام بإعادة الحقوق التي صادرها ظلما النظام البائد من العراقيين وإعادة كل المهجرين العراقيين (ومنهم الإخوة الكرد الفيلية) إلى وطنهم العراق، وإعادة المهجرين داخل العراق إلى مناطق سكناهم الأصلية وإعادة حقوقهم وتعويضهم عما لحقهم من ظلم ورعاية حقوق عوائل الشهداء من ضحايا النظام واحترام حقوق المواطنة التي ينص عليها الدستور وتعديل قانون الجنسية العراقية وإلغاء قانون شهادة الجنسية الذي لا مثيل له في كل المجتمعات والدول المتحضرة.

والعمل على تشجيع الملايين من أبناء العراق المقيمين في المنافي وفي دول الشتات للعودة إلى وطنهم والمساهمة في بنائه وإعماره وإدارة شؤونه وتكييف وضعهم القانوني في حالة حملهم لجنسيات البلدان التي يقيمون فيها حاليا.

ثامنا: النص على الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية من ناحية الوظائف والمهام والالتزام بمبدأ استقلال القضاء واحترام حق المواطن في التقاضي أمام المحاكم واعتبار المتهم بريئا حتى تثبت إدانته قانونيا.

تاسعا: المحافظة على وحدة العراق أرضا وشعبا وحكومة واستقرار شعبه وتبني الفدرالية وتوزيع الصلاحيات الإدارية في مناطق البلاد المختلفة وتوفير الحرية للمواطنين لاختيار المجالس البلدية ومجالس المحافظات واختيار المحافظين وغيرها من الشؤون المحلية والمحافظة على استقلال العراق وعلى سيادته الوطنية وعدم السماح بتحوله إلى قاعدة للقوات الأجنبية وعدم السماح لدخول أية قوات أجنبية من قبل دول الجوار بعد سقوط النظام الحالي.

عاشرا: احترام العهود والمواثيق الدولية والسعي لبناء علاقات إيجابية مع جميع دول العالم بما يخدم مصالح الشعب العراقي والسلم والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم وحل النزاعات بطرق سلمية واتباع سياسة حسن الجوار وتطوير العلاقات الإيجابية مع الدول والشعوب المجاورة والالتزام بالمواثيق والمعاهدات الحدودية معهم وعدم تحويل العراق مصدرا للاعتداء على أية دولة أخرى وخاصة للجيران وعدم السماح للجماعات المعارضة لحكومات دول الجوار بالقيام بالفعاليات المعادية لدولها وإخراج كل الجماعات المعادية لدولها وإخراج كل الجماعات الإرهابية والتأكيد على انتماء العراق إلى محيطه العربي والإسلامي والتخلص من أسلحة الدمار الشامل والعمل على إزالة ومعالجة الآثار السلبية المترتبة على الشعب العراقي من القرارات الدولية التي صدرت بسبب جرائم نظام صدام البائد والالتزام بحل كل القضايا العالقة بين العراق وجيرانه وفق قرارات الشرعية الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة ومواثيق جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي.

حادي عشر: تعزيز الشعور لدى العراقيين بالانتماء إلى حضارات وادي الرافدين بكافة مراحلها التاريخية وتصحيح التزييف والتشويه الذي لحق بتأريخ العراق وشعبه خاصة من خلال ما سمي بإعادة كتابة التاريخ التي نفذتها أجهزة السلطة العنصرية.

إن على الحكومة القادمة التي تتوفر فيها الشروط السابقة، المبادرة إلى القيام بمجموعة من الإجراءات الاقتصادية والمالية والإدارية الآنية لمعالجة المشكلات الملحة كتوفير السلع والخدمات الضرورية والقضاء على مشكلة البطالة والتضخم والفقر وبالتالي تأمين الاستقرار الاقتصادي وتوسيع الطاقات الإنتاجية لزيادة النمو والتشغيل وإدامة الاستهلاك الخاص وتأمين دور فعال للقطاع الخاص، كل ذلك وفق نهج واقعي وعلمي يعتمد على خطوات متكاملة ومتزامنة لمراجعة نظام تقنين السلع الغذائية والبدء بالإصلاح الإداري ثم إصلاح النظام المصرفي ثم إصلاح السوق المالية ثم تنفيذ برنامج الخصخصة قبل تحرير التجارة الخارجية وتدفق رؤوس الأموال في نهاية المطاف.
____________
المصدر:
صحيفة الشرق الأوسط، 16/12/2002.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة