على خط النار   
الأربعاء 1427/10/10 هـ - الموافق 1/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 23:12 (مكة المكرمة)، 20:12 (غرينتش)
 
     
 

في زمن تكون لغة القوة هي المسيطرة على العالم، وفي زمن تسود فيه الصراعات على المصالح والنفوذ، فإن المعلومة تصبح غالية الثمن، وإمكانية الحصول عليها وإيصالها للمعنيين والمهتمين تغدو أمرا مكلفا ومتعذرا.

ولغايات الوصول للمعلومة المجردة، ونقلها للمشاهدين، وجد مراسلو الجزيرة أنفسهم مئات المرات على خط النار، وفي مواجهة الموت، ومواجهة قوى لا تريد للعالم أن يعرف حقيقة ما يجرى وجرى.

 
     
 

إسلام صالح  ::  بشرى عبد الصمد  ::   شيرين أبو عاقلة  ::  عباس ناصر 

  عبد الحق صداح  ::  ماجد عبد الهادي  ::  محمد البوريني 


 
     
 

عندما اندلعت أزمة دارفور عام 2003، أرادت الجزيرة كعادتها أن تغطي الأزمة من كل جوانبها وبحيادية وموضوعية، ويبدو أن هذه التغطية لم ترق للحكومة السودانية، التي بدأت بممارسة ضغوط شديدة على فريق مكتب الجزيرة بالخرطوم.

وطلبت منا الأجهزة الأمنية السودانية، أن تخضع كل الأشرطة لرقابتها قبل أن تعرض على الهواء، لكن إدارة الجزيرة رفضت هذا الطلب بشدة، لأنه يتعارض مع سياستها التحريرية.

وبسبب موقف الجزيرة، صعدت الحكومة من ضغوطها على مكتب الجزيرة، وبدأت أجهزة الأمن تلاحق موظفي الجزيرة بالسودان و تتعقبهم، وتم اعتقالي لفترة عشرة أيام دون أن أقدم لمحاكمة.

ومن ثم طلبت منا هذه الأجهزة أن نثبت بأن لدينا تراخيص لجميع الأجهزة التي نملكها، ورغم أننا أثبتنا لهم ذلك، إلا أنني فوجئت باعتقالي، ونسبت لي تهم نشر أكاذيب تضر بمصلحة الوطن، وبناء على ذلك صدر حكم بسجني لمدة شهر، واعتقلت بالفعل، ولكن قبل انتهاء فترة السجن، خرجت بعد أن حصلت على البراءة من محكمة الاستئناف، أعتقد أن ما واجهناه في الخرطوم، حدث لأن الأنظمة العربية لم تعتد بعد على الإعلام الحر والجريء، من قبل.

 
     

 

 

 

 

 

 


 
     
 

خلال تغطيتنا للحرب السادسة، أذكر أنه في رابع أو خامس يوم للحرب، كنت ضمن فريق الجزيرة في منطقة مارون الراس في الجنوب، وكنا أحيانا ننام في سيارة البث التلفزيوني، لمدة ساعة أو ساعتين خلال الليل، وفي ذلك اليوم قررنا أن ننام في منزل زميلنا المصور في منطقة عيترون الملاصقة لمنطقة مارون الرأس.

وعندما وصلنا عيترون كانت الساعة العاشرة ليلا تقريبا، وكان يفترض أن نبث تقريرا للجزيرة على الهواء الساعة الحادية عشرة، لكننا طلبنا من القناة أن تلغي التقرير، وذلك نظرا لأن الكهرباء كانت مقطوعة عن البلدة، وكان من الخطر أن نضيء كاميراتنا لأن الطيران الإسرائيلي يحلق فوق المنطقة، وعلى مسافات منخفضة جدا، غير أن الجزيرة أصرت أن نبث التقرير ونضع المشاهدين في صورة تطورات الأوضاع.

وبالفعل اضطررنا لإضاءة الكاميرات، وخرجت على الهواء، وكانت الطائرات الإسرائيلية تحلق فوق رؤوسنا على مسافات قريبة جدا، كنا نشعر أننا مستهدفون، وأننا سنتعرض لقصف لا محالة، شعرت بحالة من الخوف لا يمكن وصفها، كنت أتمنى أن ينتهي هذا التقرير على خير، والمشكلة أن مدة التقرير لم تكن دقائق بسيطة، بل كان مطلوبا مني أن أظل على الهواء لفترة من الوقت تتخللها لقاءات مع زملاء آخرين في مناطق أخرى من الحدث.

 
     

 

 

 

 

 

 


 
     
 

خلال إحدى مهامنا أثناء تغطيتنا للانتفاضة الفلسطينية، كنا في بيت جالا مع مجموعة من الصحفيين، وكنا وحدنا في الشوارع، حيث كانت القوات الإسرائيلية تفرض حظر تجول شديدا.

وعادة نحن الصحفيين نقف في جهة واضحة للقوات الإسرائيلية حتى لا تطلق النار علينا وتتحجج لاحقا بأنها لم تميزنا.

ولكن ما حدث في ذلك اليوم، أننا كنا نقف مقابل دبابة إسرائيلية وفجأة تحركت الدبابة وأخذت تطلق نيرانها باتجاهنا، لم ندر ماذا نفعل، شاهدنا الموت بأم أعيننا، فحتى لو أخذنا نركض، فبالتأكيد أننا لن ننجو من نيران الدبابة.

وكان بالقرب منا حفرة عميقة، فأخذ أحد الزملاء برمي الصحفيين فيها، أذكر أننا وقعنا جميعا فوق بعضنا البعض، والبعض منا أصيب بكسور.

 
     

 

 

 


 
     
 

خلال تغطيتنا للحرب السادسة على لبنان جرى تقسيم بعض الزملاء على شكل فريقين صحفيين للذهاب إلى مناطق بالجنوب، وكنت أنا أحد أعضاء الفريقين، وفجأة وبينما كنا في منتصف الطريق، قام الطيران الإسرائيلي بقصف الطريق من أمامنا ومن خلفنا، فلم يعد بإمكاننا التحرك للإمام أو العودة للخلف.

وجدنا أنفسنا والطريق قد تقطعت بنا، بقينا في حيرة من أمرنا، شعرنا أننا انفصلنا عن الدنيا، وبقينا على هذه الحالة، حتى جاء بعض من سكان المنطقة، واقتادونا إلى طرق فرعية بين الجبال لم يصلها القصف.

أخذت السيارة تشق الطريق بنا بين الجبال، وفي منطقة معزولة تماما، لم نر أي إنسان، ولكننا كنا في حالة رعب لا يمكن أن توصف، فنحن ندرك أن سيارتنا في هذه المناطق ستكون هدفا مشروعا للطيران الإسرائيلي الذي سيظن أنها من سيارات المقاومة.

أستطيع أن أقول إننا حبسنا أنفاسنا وإن الدم تجمد في عروقنا طيلة تلك الساعات.

 
     

 

 

 

 

 


 
     
 

عندما تم تكليفي من قبل قناة الجزيرة لتغطية الحرب في أفغانستان، للمرحلة التالية التي تلت سقوط طالبان، على أن أحل مكان الزميل يوسف الشولي في مدينة قندهار اكتشفنا أنا ومترجم أفغاني، أن الوصول للمدينة في غاية الخطورة، بسبب القصف الأميركي، وبسبب قطاع الطرق، فتعرفنا على مهرب، ودفعنا له مبلغا من النقود على أن يذهب بنا إلى قندهار ويجنبنا قطاع الطرق، وبالفعل سرنا معه، ولكن في منتصف الطريق تفاجأنا به يرفع السلاح بوجهنا ويهددنا بالقتل إن لم نقم بإعطائه كل ما لدينا من أموال، لم يكن أمامنا كي ننجو بحياتنا غير الاستجابة له، ولكننا مع ذلك نجحنا بأن ننفذ بجزء من المال كنا قد أخفيناه في ثنايا ملابسنا.

وبعد ذلك تركنا المهرب في نصف الطريق ورحل وكان ذلك أول أيام عيد الفطر، ولحظتها شعرت أن الموت قريب مني لا محالة، فإن لم أمت بقصف أميركي، سأموت بلا شك على يد قطاع الطرق الذين يملؤون المكان، أو المليشيات الأفغانية، خاصة أنني عربي، وفي تلك الفترة زاد حقد الكثير من الأفغانيين على العرب بعد مقتل زعيم قوات الشمال أحمد شاه مسعود على يد شخصين عربيين.

وفجأة مر بالقرب منا موكب من السيارات، ثم توقفت إحداها بقربنا، وطل منها حاكم مدينة ستيل بوك ولحسن الحظ كانت لنا علاقة طيبة به، كما أنه كان متعاطفا مع العرب، وشقيقته متزوجة من مواطن عربي، وعندما علم أن وجهتنا مدينة قندهار، طلب مني أن أصعد معه، واعدا إياي بأن يعرفني على حاكم الولاية واسمه بول آغا، حتى تسهل مهمتي الصحفية، وكان هو ذاهب ليهنئ الحاكم بقدوم العيد.

وفي ديوان حاكم قندهار كان يوجد أكثر من 1000 رجل جاءوا لتقديم التهاني له بالعيد، شعرت بالخوف يتملكني من جديد، صرت أتصرف وكأنني مصور مع وفد مدينة ستيل بوك، وعندما جاء دوري لتحية الحاكم، سألني الأخير عن هويتي، وهنا أسقط من يدي، فالكذب لن يكون في مصلحتي، فتمالكت أعصابي وقلت له "أنا مراسل لقناة الجزيرة"، وما أن نطقت بهذه الجملة، حتى انقض علي أحد الحراس الذي كان يقف إلى جانب الحاكم، وأمسكني من عنقي وهو يهزني ويصرخ "عرب عرب" ثم رماني أرضا وقد صوب سلاحه تجاه رأسي.

هنا استنجدت بحاكم مدينة ستين بوك الذي جاء بي لقندهار، ومن ثم استدعاني بول آغا وطلب مني أن أجلس جانبه، وسألني "ما مشكلتك"، فرددت عليه "يبدو أنكم أنتم الذين لديكم مشكلة وليس أنا، فأنا عربي وأعمل صحفي بقناة الجزيرة، وظيفتي أن أنقل الوقائع التي أراها على الأرض كما هي، فإذا سمحتم لي بالعمل بولايتكم ظللت، وإن رفضتم سأعود على الفور".

فأبتسم الحاكم وقال لي "ستبقى وسأوفر لك الحماية طول عملك هنا"، ولكن عندما انتهى الحاكم من استقبال المهنئين وخرج من الديوان نسي وعده، فلحقت به أسأله عن الحراسة، فالتفت حوله ووجد حارسا ضخما جدا، قال لي هذا هو حارسك منذ الآن.

و بعد أن ذهب الحاكم نظرت للحارس فوجدته مثيرا للخوف أكثر من الأمان بالنسبة لي، فقررت الاستغناء عنه.

ومن ثم ذهبت لمكتب CNN حيث كان هناك اتفاقية تعاون –لوجستي- بين الجزيرة وبينهم، وعلمت من إدارة الجزيرة أنه وفقا للاتفاقية سيكون بمقدوري النوم في مكاتبهم.

وعندما ذهبت وكان الليل قد حل، طلبت منهم أن يسمحوا لي بالإقامة، فاعتذروا، عن ذلك لأنه لا يوجد لديهم غرف، فقلت لهم حسنا دعوني أقضي الليلة فقط، فرفضوا، وقبل أن أخرج قلت لهم "إن أول خبر سيكون على شاشتكم اليوم هو مقتل صحفي عربي في شوارع قندهار".

ويبدو أن هذه الجملة حركت ضمائرهم، فوافقوا على السماح لي بالإقامة بمكتبهم، وقد منحوني غرفة الحمام، وكانت صغيرة جدا، أقمت فيها مع المترجم الأفغاني ثلاثة أسابيع.

 
     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 
     
 

عندما كنت في مهمة تغطية الحرب في العراق عام 2003، أذكر أنه في صباح السادس من شهر نيسان، سألتني المذيعة عن صحة الأخبار التي تقول عن دخول القوات الأميركية إلى بغداد، فأجبتها أنني -وكنت أقيم في فندق فلسطين بمنطقة الرصافة- لم أر أي جندي أميركي، ولكننا سمعنا اشتباكات خفيفة خلال الليل، وقلت بالحرف الواحد "قد يكون الأميركيون دخلوا وقد لا يكونون".

وبعد ساعتين عقد وزير الإعلام العراقي آنذاك محمد سعيد الصحاف مؤتمرا صحفيا، الذي قال كلمته الشهيرة "أنا ألوم الجزيرة، الجزيرة تسوق للأميركيين"، استغربت هذا الكلام ولم أفهم لماذا تفوه به الوزير؟ وظننت أن الجزيرة بثت خبرا ما، فذهبت لأحد مساعدي الوزير وسألته من يقصد بالجزيرة، فأخبرني أنه يقصدني شخصيا.

وبعد المؤتمر استدعاني الوزير، وهاجمني وتلفظ ألفاظا غير لائقة بحقي، ثم قال لي "خذ خوذتك وأصعد لفندق الرشيد ببغداد، وعليك أن تلعق تصريحاتك" وعندما حاولت أن أرد عليه وأشرح له ما جرى، أخذ يصرخ، فقام الصحفيون الذين تجمعوا بالمكان بسحبي من أمامه.

 عدت للفندق وقد أخذت قرارا قاطعا بترك بغداد، وذلك كان أفضل لي مليون مرة من أن أخرج للشاشة وأكذب نفسي، خاصة أنني أعلم أني لم أتفوه بالكذب، وبدأت بجمع أغراضي، لكن زملائي حاولوا أن يثنوني عن قراري، ثم طلبوا مني أؤجل السفر لصباح اليوم التالي، لأن الطريق من بغداد إلى عمان كان شديد الخطورة خاصة بالليل.

وطوال تلك الليلة لم يغمض لي جفن، فكنت أشعر أن أجهزة الأمن ستأتي في أي لحظة، وتقتادني من الغرفة، لأنني لم أمتثل لأوامر الوزير الصحاف، ولكن يبدو أنهم نسوا موضوعي خاصة أنه في اليوم التالي قصف مكتب الجزيرة، وبعد يومين سقطت بغداد بيد الأميركيين.

 
     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 
     
 

أذكر في العراق في حرب عام 2003 أننا كنا في طريقنا لتغطية قصف وتدمير الطائرات الأميركية لإحدى القرى التي تبعد نحو 30 كم عن مدينة الموصل, وقبل وصولنا إلى القرية ببضعة كيلومترات وجدنا حاجزا عسكريا عراقيا فطلبت من السائق التوقف قبل نقطة التفتيش بنحو مئة متر وطلبت من المصور أن يقوم بتصوير الجيش العراقي على الحاجز, في ذلك الوقت كان الناجون من أهالي القرية يغادرونها بواسطة سيارات نقل وبواسطة جرارات زراعية وبعض الشاحنات المتوفرة لديهم وكان كثيرون منهم يحملون أسلحة خفيفة ويركبون مع متاعهم على ظهور وسائل النقل المختلفة.
 عندما شرع المصور بالتصوير غضب الضابط المسؤول عن نقطة التفتيش وأشار لنا بيده صارخا "ممنوع التصوير هنا" فطلبت من المصور أن لا يمتثل لأمر الضابط حرصا مني على حصولنا ولو على لقطتين فقط بما يخدم التقرير الذي كنت أعده، في تلك الأثناء وبينما كنت أقف إلى جانب المصور كان أحد أرباب الأسر المنكوبة يتوكأ بسلاحه على قطع الأثاث فوق إحدى السيارات المغادرة للقرية وكان ينظر إلي مباشرة الوجه بالوجه والعين بالعين والسيارة تسير بسرعة متوسطة وسلاحه موجه نحوي وفجأة أطلق رصاصة باتجاه صدري عن مسافة لا تزيد ثمانية أمتار دون سابق إنذار ودون أن أعلم حتى لماذا يريد قتلي ولم أكن حينها أرتدي سترة واقية من الرصاص أو خوذة.

بعد إطلاق النار باتجاهي وقفت مذهولا وتذكرت أن الشخص الذي يصاب برصاصة لا يحس بها كثيرا في البداية لأنها كما يقولون تكون ما زالت "ساخنة" ويحتاج لبعض الوقت للإحساس بها, وقفت مشدوها وقمت فورا بالنظر إلى صدري وبطني وقدمي ويدي وتحسست رأسي وجسدي وملابسي بحثا عن أثر الدماء التي اعتقدت جازما أنني سأجدها تتدفق مني، لعلمي اليقين بأن الرجل أطلق النار علي مباشرة قاصدا قتلي, ولكنني ولحسن حظي لم أعثر على أثر للدماء بعد أن خارت كل قواي وظننت أنني قتلت لا محالة, بعد لحظات أيقنت أنني لم أصب ولم أمت وأن تحرك السيارة أثناء سيرها حال دون إصابتي مباشرة واستنتجت أن الرصاصة ربما مرت من جانب رأسي أو إحدى يدي وأنها لم تصبني.

 
     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة