نظام الحكم الحالي في العراق   
الخميس 1430/10/12 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

إعداد: محمد عبد العاطي

يتعرض نظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين لمنعطف تاريخي مهم، إذ تهدد وجوده قوى خارجية وداخلية تتمثل في معارضة تقف وراء العديد منها الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأخرى التي ترى في هذا النظام تهديدا لأمنها.

فما هو هذا النظام؟ وما أبرز المحطات السياسية خلال سنوات حكمه البالغة 23 عاما؟ هذا التقرير محاولة للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها.

رأس النظام
يترأس نظام الحكم الحالي في العراق الرئيس صدام حسين (1937- ) وقد تولى السلطة عام 1979 بعدما أجبر سلفه أحمد حسن البكر (1968-1979) على التنازل عنها.

مرتكزات قوة النظام

النظام الأمني الصارم متعدد الدوائر وقوات الحرس الجمهوري وغياب المنافس الداخلي القوي تعتبر أبرز عناصر القوة التي يستند إليها نظام الحكم الحالي في العراق

يعتمد النظام الحاكم في العراق على العديد من المرتكزات يستمد منها قوته، وأهمها:

النظام الأمني الصارم: يستند إلى العديد من الدوائر أولها الدائرة العائلية والعشائرية المتنفذة في المناصب القيادية الحساسة في الدولة، ويتابع هذه الدائرة أجهزة أمنية أخرى تراقبها وتلاحق أي محاولة تمرد من جانب أي فرد ينتمي إلى العائلة كما حدث من قبل حسين كامل زوج ابنة الرئيس صدام.

مجموعات الحراسة الخاصة: مهمتها الحراسة الشخصية للرئيس صدام حسين وتدين بالولاء الكامل له شخصيا.

قوات الحرس الجمهوري: وتتمتع بامتيازات معيشية عالية، إضافة إلى قوتها التدريبية العالية، ومهمتها حماية النظام ضد أي تمرد عسكري أو شعبي.

قيادات وكوادر حزب البعث: التي تنتشر في معظم القرى والمدن العراقية ويمتد دورها ليشمل نواحي أمنية تهدف إلى تدعيم سلطة النظام.

غياب المهدد الداخلي: إذ ينعدم وجود منافس أو مهدد داخلي قوي سواء من قبل أكراد الشمال المتنافسين والمنقسمين على أنفسهم أو من قبل شيعة الجنوب المنغلقين مذهبيا مما أفقدهم تعاطف السنة في الوسط.

أبرز المنجزات

شهد العراق في بدايات حكم الرئيس صدام حسين نهضة اقتصادية وتحديثا لقواته المسلحة قبل أن يتدهور هذا الوضع بعد حربي الخليج الأولى والثانية وما تبع الأخيرة من حصار اقتصادي خانق

على مدى الأعوام الـ23 التي مرت على نظام الرئيس صدام شهد العراق أحداثا ومنجزات مهمة كان أبرزها
محاولات تحديث العراق حيث أصبح هذا البلد العربي أحد أهم القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط خاصة في السنوات الأولى لنظام حكم الرئيس صدام حسين، وذلك بفضل السياسات الاقتصادية والعسكرية التي اتخذها.

ففي الجانب الاقتصادي حقق اقتصاد البلاد طفرة اقتصادية ملموسة بفضل النفط حيث كان العراق في وقت من الأوقات ثاني مصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية. ولم يكن النفط مصدر الدخل الوحيد في العراق كباقي الدول الخليجية المجاورة ولكنه تميز بتنويع مصادر الدخل وبخاصة في المجال الزراعي.

أما في المجال العسكري فقد قطعت المؤسسة العسكرية العراقية أشواطا مهمة في مجال تصنيع السلاح النووي إضافة إلى الأسلحة البيولوجية والكيماوية. وكانت المحصلة النهائية أن امتلك العراق واحدا من أقوى جيوش المنطقة قبل حرب الخليج الثانية.

أهم الأحداث
شهد العراق أحداثا سياسية مهمة شكلت ملامح تاريخه المعاصر خلال السنوات الـ23 التي حكم فيها الرئيس صدام، وكان أبرز هذه الأحداث:

حرب الخليج الأولى

ثماني سنوات من القتال الشرس أسفرت عن مليون ونصف مليون قتيل خلفتها الحرب العراقية الإيرانية التي استهل بها الرئيس صدام حسين وآية الله الخميني حكمهما

بعد عام واحد فقط من تولي الرئيس صدام حسين مقاليد الحكم شن العراق حربا ضروسا ضد جارته إيران التي لم يمض على ثورتها الإسلامية سوى عام واحد أيضا على خلفية النزاع حول الممر المائي المعروف بشط العرب، إضافة إلى ما صاحب ذلك الخلاف من اتهامات أخرى متبادلة بشأن مساعدة كل طرف لقوى سياسية معارضة لنظام حكم الطرف الآخر.

استمرت الحرب ثماني سنوات (1980-1988) حيث بدأت الحرب رسميا في 22 سبتمبر/ أيلول 1980 بهجوم مسلح شنته القوات الجوية والبرية العراقية على الحدود الغربية الإيرانية سبقتها مناوشات عسكرية منذ الرابع من سبتمبر/أيلول من العام نفسه على الحدود، وسرعان ما توسعت الحرب واستخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة وشملت المدن الآهلة بالسكان.

كان العراق يتلقى دعما عسكريا وماديا من جهات كثيرة متعددة على رأسها الدول العربية وبخاصة الخليجية منها، إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الشمالية والصين والاتحاد السوفياتي السابق الأمر الذي رجح كفته في النهاية.

وفي يوليو/ تموز 1988 أجبرت إيران على وقف إطلاق النار وشبهت ذلك "بتجرعها السم" على حد تعبير آية الله الخميني، وقد أسفرت هذه الحرب عن خسائر بشرية تقدر بحوالي 1.5 مليون قتيل من البلدين إضافة إلى خسائر مادية تعد بمليارات الدولارات إذ يصعب تقدير حجمها بدقة.

حرب الخليج الثانية

لا يزال النظام العراقي يدفع فاتورة غزوه للكويت من دمه وقوته وحاضره ومستقبله حينما أعلن الكويت المحافظة التاسعة عشر قبل 12 عاما

قبل أن يضمد العراق جراحه وقبل أن تتلاشى من سماء المنطقة سحب الدخان وألسنة اللهب التي خلفتها حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران, إذا بحرب أخرى تندلع في المنطقة لا تقل ضراوة عن سابقتها، هذه المرة بين العراق وجارته الكويت.

وقد بدأت بوادر الأزمة بين البلدين على خلفية اتهامات متبادلة تتعلق بالتلاعب في أسعار النفط، ونزاع عراقي كويتي بشأن نفط حقل الرميلة. وتم على الفور إخراج ملف الاعتراف بالكويت من أرشيف العلاقة بين البلدين وأعيدت إلى الحياة من جديد واعتبر سببا كافيا من وجهة النظر العراقية لتبرير عملية الاجتياح التي تمت صبيحة يوم 2 أغسطس/ آب 1990.

أعلن العراق دولة الكويت هي المحافظة رقم 19 ونصب على هذه "المحافظة" حاكما عراقيا بعد أن فرت الأسرة الكويتية الحاكمة خارج البلاد.

وفي السابع من أغسطس/ آب استدعت المملكة العربية السعودية قوات أميركية لحمايتها ضد التهديدات العراقية. وبدأت الولايات المتحدة تحت مظلة الأمم المتحدة في حشد قوات مسلحة من 32 دولة عرفت باسم قوات التحالف الدولي تمهيدا لشن هجوم على الجيش العراقي لإجباره على الانسحاب من الكويت.

وأصدرت الأمم المتحدة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه قرارا يقضي بانسحاب العراق قبل 15 يناير/ كانون الثاني 1991. وحينما رفض الرئيس العراقي صدام حسين هذا القرار بدأ الهجوم الذي عرف باسم "عاصفة الصحراء" في 18 يناير/ كانون الثاني بقيادة الجنرال الأميركي نورمان شوارسكوف عن طريق هجمات جوية مكثفة لتدمير خطوط الاتصال والطرق والكباري ومحطات المياه والكهرباء العراقية لشل قدرة قيادات الجيش العراقي على التواصل مع الجنود، فبادر العراق بإطلاق بعض الصواريخ على المملكة العربية السعودية وإسرائيل في محاولة منه لشق صفوف التحالف الدولي.

واستمرت الحرب من 18 يناير/ كانون الثاني حتى 28 فبراير/ شباط حينما أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) رسميا وقف إطلاق النار بعدما أجبر الجيش العراقي على الانسحاب واستسلام بعض وحداته وقادته، وأعلن تحرير الكويت وعودة الحكومة الشرعية إليها مرة أخرى.

قمع التمرد الشيعي والكردي

تركت الولايات المتحدة الأكراد والشيعة يواجهون النظام العراقي بعد تمردهما عام 1991 مما ساعد على سحق تمردهما وأعادت هذه الأحداث ذكريات حلبجة عام 1988

كان النظام العراقي يعيش أضعف حالاته وظن الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب أن الفرصة مواتية للقيام بثورة أو عصيان مدني ضد هذا النظام الذي يتهمونه بالوقوف في وجه مطالبهم الداعية إلى حكم ذاتي موسع أو على أقل تحسين ظروفهم المعيشية وتمثيلهم العادل استنادا إلى نسبتهم العددية في السلطة ومؤسسات الدولة. غير أن النظام تمكن من إخماد هذه الاضطرابات وقمعها بشدة عام 1991 مذكرا بذلك تعامله السابق مع الأكراد عام 1988 حينما اتهمهم بالتعاون مع إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية وقيام الجيش العراقي باستعمال الأسلحة الكيماوية ضدهم فيما بات يعرف بمأساة حلبجة التي قتل فيها قرابة خمسة آلاف كردي معظمهم من المدنيين.

مناطق الحظر الجوي
فرضت الولايات المتحدة الأميركية حظرا على الطيران العراقي شمالا عند خط عرض 36 لحماية الأكراد وجنوبا عند خط عرض 32 لحماية الشيعة. واعتبر العراق هذا الحظر غير قانوني لكونه لم يصدر عن الأمم المتحدة، غير أنه لم يتمكن من خرقه نظرا لتدمير دفاعاته الجوية في حرب عاصفة الصحراء.

الحصار الاقتصادي
بضغوط أميركية وبريطانية فرضت الأمم المتحدة حصارا اقتصاديا على العراق استمر منذ عام 1991 حتى يومنا هذا مما أثر تأثيرا بالغا على الحياة العراقية بصفة عامة، فلم يستطع العراق إعادة إصلاح بنيته التحتية التي دمرتها قوات التحالف الدولي مما زاد من معاناة الإنسان العراقي اليومية خاصة في توفير مياه الشرب والكهرباء، وانهار الدينار العراقي، ووجدت اختناقات حادة في السلع الغذائية الضرورية، وتوفير الأدوية والعلاجات المناسبة وغيرها. ثم عادت الأمم المتحدة وحاولت تخفيف هذه المعاناة الإنسانية قليلا فوقعت ما سمي باتفاق "النفط مقابل الغذاء" غير أن هذا الاتفاق غير كاف لرفع معاناة الشعب العراقي وإعادة الحياة إلى طبيعتها من جديد.

مشكلة المفتشين الدوليين

المفتشون الدوليون لنزع أسلحة العراق هم فرق تجسس تعمل لصالح الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى كما اعترف بذلك سكوت ريتر أحد أبرز أعضاء الفريق

في أعقاب حرب الخليج الثانية أصدرت الأمم المتحدة قرارا يقضي بنزع أسلحة العراق الشاملة وفرض حظر على تصدير السلاح إليه، ولتنفيذ ذلك القرار شكلت مجموعة للتفتيش على هذه الأنواع من الأسلحة وبدأ الوفد يمارس مهامه بدءا من عام 1993، غير أن العراق اعترض على تشكيلة الوفد التي غلب عليها العنصر الأميركي واتهم هذا الوفد بالقيام بعمليات تجسس. وشارك بغداد في هذه الاتهامات الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان نفسه واعترف بذلك علنا سكوت ريتر أحد أبرز أعضاء فريق التفتيش. واستمر عمل هذا الفريق منذ عام 1993 حتى عام 1998 حينما قررت الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية جديدة للنظام العراقي فأمرت المفتشين الدوليين بمغادرة الأراضي العراقية.

وبعد أربعة أيام من الضرب الجوي على العراق حاولت الولايات المتحدة إعادة هؤلاء المفتشين مرة أخرى، غير أن السلطات العراقية رفضت ذلك ما لم يتم في إطار تسوية شاملة لكل الملفات العالقة بين العراق والأمم المتحدة وبخاصة فيما يتعلق بتحديد جدول زمني لإنهاء حالة الحصار. وتعرض العراق لضغوط كبيرة وتلويح بعمل عسكري تحاول الإدارة الأميركية حشد القوات العسكرية والتمهيد السياسي والإعلامي له من الآن والإعلان صراحة عن عزمها تغيير هذا النظام، الأمر الذي من شأنه أن يفتح على العراق صفحات كثيرة من المجهول لا يدري أحد ما الذي ستحمله الأيام القادمة التي ستكون بلا شك حبلى بالكثير من الأحداث.
_____________
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت
المصادر:
1-
Iraq , The Political Reference Almanac , Polisci.com
2- Iran-Iraq War , infoplease
3- Hussein , Saddam
4- The Persian Gulf War
5- أوضاع القوى السياسية الفاعلة في العراق، د. عبد الحليم المحجوب، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، الأهرام، مصر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة