قراءة في برامج المترشحين لرئاسة الجزائر   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)


بقلم/ إسماعيل طلاي

المتمعن في مضمون البرامج الانتخابية للمترشحين الستة لانتخابات الرئاسة الجزائرية المزمع إجراؤها يوم 8 أبريل/ نيسان المقبل، يمكنه الخروج بعدة ملاحظات أهمها: تطور أسلوب الخطاب السياسي، وتراجع النظرة الإقصائية والاستئصالية، واعتماد أسلوب نقدي مهذب إلى حد كبير، علما بأن المترشحين ينتمون إلى تيارات سياسية وأيدولوجية متضاربة من إسلامي ووطني وعلماني وتروتسكي.

وتأتي المصالحة الوطنية والقضاء على الإرهاب في مقدمة الأشواك التي ينبغي استئصالها عاجلا، تليها أزمة منطقة القبائل والمشكلة "القديمة الجديدة" المتعلقة باعتماد اللغة الأمازيغية أحد اللغات الرسمية، ثم البحث عن كيفية تحريك القاطرة الاقتصادية التي تتقدم باحتشام رغم بلوغ احتياطي الصرف 33 مليار دولار، وتحسين الأوضاع الاجتماعية التي تدهورت بشكل كبير مع دخول البلاد اقتصاد السوق رغم ارتفاع النفقات الاجتماعية للدولة.

الأمن وتحقيق المصالحة
أزمة منطقة القبائل
الأزمة الاقتصادية والوضع الاجتماعي
بؤر توتر.. ومؤشرات انفراج

الأمن وتحقيق المصالحة

علي بن فليس

تفادى المترشح علي بن فليس الخوض كثيرا في قضية المصالحة الوطنية، برغم أنه دافع عن قانون الوئام المدني، وكان عضوا في المكتب السياسي لحزب الأغلبية (جبهة التحرير الوطني) لما صادق نواب غرفتي البرلمان على القانون، فالخصم العنيد لبوتفليقة حاليا وحليفه الإستراتيجي سابقا عاد ليقول في برنامجه إن "الإرهاب الذي هزم في الميدان لم يتم القضاء عليه نهائيا، ووجد الجيش الوطني الشعبي ومصالح الأمن نفسهما وحيدين في الميدان في مواجهة الظاهرة. وهكذا ابتعدت الجزائر أكثر فأكثر عن منطق الخروج من الأزمة السياسية..".

ويذهب رئيس الحكومة السابق في نص برنامجه الانتخابي إلى القول إنه "تم تحريف خيار سياسة الوئام المدني لخدمة نوايا سياسية" من دون أن يقدم توضيحات أكثر لتبرير اتهاماته. وباستثناء دعوته إلى رفع حالة الطوارئ، لا نجد في برنامج المترشح تصورا محددا للمصالحة الوطنية وبدائل لإرساء السلم، حتى وإن كان قد أعلن مرارا دعمه للمصالحة الوطنية، مستثنيا من حملوا السلاح وتسببوا في سفك الدماء.

لويزة حنون
وتضع الناطقة الرسمية باسم حزب العمال لويزة حنون قضية السلم في صدارة أولوياتها، وتلح على ضرورة إصدار العفو الشامل والذهاب إلى مصالحة وطنية شاملة لا تستثني أحدا، بمن فيهم المقاتلون القابعون في الجبال، ورفع حالة الطوارئ وإيجاد حل لقضية المفقودين والمطرودين من مناصب عملهم. وتدعو أول امرأة عربية تترشح لمنصب الرئاسة إلى عقد ندوة وطنية للسلم تشارك فيها كل الحساسيات السياسية. ولا تجد المرأة "التروتسكية " حرجا في عودة "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" المحظورة إلى النشاط السياسي رغم اختلافها أيدولوجيا مع التيار الإسلامي، ويحسب لها أنها كانت من أوائل المنددين بتوقيف المسار الانتخابي بداية التسعينات.

أما المترشح الإسلامي سعد عبد الله جاب الله فلا يختلف تصوره كثيرا عن ذلك الذي تقر به حنون، فهو يدعو إلى مصالحة وطنية شاملة تنطلق بإصدار عفو شامل والتكفل التام والعادل بضحايا الأزمة. ويرحب رئيس حركة الإصلاح الوطني بعودة جبهة الإنقاذ إلى النشاط السياسي، لكنه يشترط ضرورة تغيير تسمية الحزب.

وقد بنى عبد العزيز بوتفليقة برنامجه الانتخابي على الدفاع عن المصالحة الوطنية كما فعل في رئاسيات 1999 إذ يرى أنها خيار لا مناص منه، لكنه يشدّد في الوقت نفسه على ضرورة استمرار الدولة في مكافحة الإرهاب وكل أشكال التطرف. وفي منظور أصغر وزير جزائري منذ الاستقلال، فإن الدولة يمكنها أن تمدّد عفوها مستقبلا للإرهابيين القابعين في الجبال إن وضعوا السلاح، إلا أنه يشترط عليهم أن يعترفوا بأخطائهم ولا يعتبروا العفو انتصارا لهم، كما لا يحق لهم تولي أي مسؤولية سياسية مستقبلا، وهو المنطق الذي عومل به القادة التاريخيون لجبهة الإنقاذ عباسي مدني وعلي بن حاج بعد خروجهما من السجن وتوقيف النشاط السياسي لحزبهما.

سعيد سعدي
ولا يتوانى رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي المعروف بمواقفه الاستئصالية للتيار الإسلامي، في انتقاد طريقة تنفيذ سياسة الوئام المدني عبر جولاته الانتخابية، ويرفض مجرد الحديث عن نجاحها نسبيا. ورغم اعترافه بأنه كان من المساندين الأوائل لقانون الوئام المدني لَما نجح بوتفليقة في جره إلى حكومة الائتلاف، فإن سعدي يقاسم بن فليس وجهة نظره ويرى أن بوتفليقة استغل الوئام المدني وأخرجه عن إطاره القانوني بالدعوة إلى عفو شامل عن الإرهابيين دون المرور على العدالة، وهذا منطق يرفضه سعدي رفضا تاما.

ويرى رئيس حزب "عهد 54" علي فوزي رباعين أن الأزمة الأمنية أخذت قسطها من النقاش السياسي ولا بد من فسح المجال للعدالة لتقول كلمتها وتلعب دورا محوريا في قضيتي المصالحة الوطنية والمفقودين، ويبدي رفضه للعفو الشامل من دون المرور على العدالة خاصة بالنسبة لأولئك المتورطين في عمليات إجرامية.

أزمة منطقة القبائل

تأتي أزمة منطقة القبائل في الدرجة الثانية من حيث الأهمية التي أولاها إياها المترشحون في برامجهم الانتخابية، وهنا نلمس إجماعا على تحميل السلطة جزءا كبيرا من المسؤولية في طريقة معالجتها لتلك الأحداث التي انفجرت عام 2001 وخلفت 123 قتيلا. ويعد الكل بحل الأزمة ومعاقبة المتسببين فيها، حتى بن فليس الذي يتهم بوتفليقة بعرقلته وعدم الأخذ بتصوراته لما كان على رأس الحكومة عاد اليوم ليقول إنه مستعد للمكوث داخل خيمة في المنطقة إلى أن يحل الأزمة وفق تصوره الخاص، من دون أن يقدم توضيحات إضافية.

الرئيس الجزائري
عبد العزيز بوتفليقة
وقد أولى برنامج بوتفليقة أهمية كبرى لملف أزمة القبائل في محاولة لمغازلة سكان المنطقة ودفعهم إلى التصويت لصالحه، وهو الذي لم يتمكن من دخول ولايات القبائل منذ اندلاع الأزمة عام 2001 بعد أن وصف سكانها "بالأقزام". وقال بوتفليقة في برنامجه إنه سيعمل على ترقية الثقافة واللغة الأمازيغيتين، وإن الإجراءات المتخذة في ما يخص تعليمها كلغة وطنية ستنفذ عاجلا. ويقترح ابن مدينة تلمسان ذات الأصول البربرية والذي ترعرع في مدينة وجدة المغربية أن تتم كتابة الأمازيغية بأحرف "التيفيناغ" أسوة بما فعله النظام المغربي. وتعهد بوتفليقة في الوقت ذاته "بمواصلة السعي من أجل التوصل إلى حل نهائي لآثار الأحداث المأساوية التي هزت منطقة القبائل".

لكن وعود بوتفليقة قد تصطدم مع تصريحاته الأخيرة في إطار مناقشة برامج المترشحين عبر حلقات أعدها التلفزيون الجزائري، إذ لم يتوان في تجديد رفضه دسترة الأمازيغية من دون اللجوء إلى استفتاء شعبي، وقال إنه لا يوجد في أي دولة لغتان رسميتان.


هناك إجماع بين المترشحين على تحميل السلطة جزءا كبيرا من المسؤولية في طريقة معالجة أزمة منطقة القبائل

وعلى النقيض وعدت لويزة حنون المولودة في ولاية جيجل من أم قبائلية بدسترة الأمازيغية كلغة وطنية من دون اللجوء إلى استفتاء شعبي، بحجة كونها إحدى مقومات هوية الأمة التي لا تقبل الاستفتاء حولها. وهو الرأي الذي يقر به سعيد سعدي المنحدر من أصول قبائلية والمناضل من أجله منذ منتصف الثمانينات.

ويقر جاب الله -وهو ابن مدينة سكيكدة ذات الأصول العربية- بدسترة الأمازيغية كلغة وطنية بعد المصادقة عليها في جلسة عامة لنواب غرفتي البرلمان، لكنه يشترط ضرورة كتابة اللغة الأمازيغية بالأحرف العربية وليس الفرنسية أو اللاتينية.

ويتعهد بن فليس المنحدر من أصول شاوية بربرية بدسترة الأمازيغية كلغة وطنية، لكنه لا يوضح إن كان سيمر عبر الاستفتاء الشعبي أو يعرض الموضوع على نواب غرفتي البرلمان. كما يقر علي فوزي رباعين المولود بالعاصمة من أم قبائلية بدسترة الأمازيغية كلغة وطنية، ويقترح فض الإشكال باللجوء إلى غرفتي البرلمان مجتمعة.

الأزمة الاقتصادية والوضع الاجتماعي

وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي انطلق خصوم بوتفليقة الخمسة من حصيلة إنجازاته في السنوات الخمس الماضية لتقديم بدائلهم. وتضاربت حدة انتقادات المترشحين بين من ينكر صراحة إنجازات الرئيس، ومن يقلل من حجمها ومن قدرته على تحريك العجلة الاقتصادية وفك الخناق المفروض على معيشة 32 مليون جزائري، 12 مليونا منهم يعيشون بدخل يومي يقل عن دولار واحد.

وقد استفاد بن فليس من تجربته على رأس الحكومة لمدة 33 شهرا، فقدم حصيلة دقيقة عن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وعلى الرغم من أنه كان شريكا في الحكم فإنه رفض تحمل ولو جزءا من تلك الحصيلة، وفضل أن يتنصل من حكم بوتفليقة بحجة أنه استأثر لنفسه بجميع الصلاحيات وتعدى على تلك التي منحها الدستور لرئيس الحكومة.

غير أن النقطة التي قد تحسب لصالح رئيس الحكومة المقال من منصبه هي كونه حاول إيجاد تقاليد جديدة في الممارسة السياسية، فقدم معاينة للأوضاع السائدة واقترح بدلا عنها "مشروعا وطنيا متجددا"، ليخلص إلى تقديم 100 التزام تعهد بتنفيذها، منها إنشاء 1500 مؤسسة متوسطة وصغيرة على الأقل خلال العهدة الرئاسية، وتأهيل 1000 مؤسسة، وإقامة 20 منطقة صناعية من قبل مستثمرين خواص، مقابل تسهيل الإجراءات الإدارية للمستثمرين الأجانب لتحفيزهم على دخول السوق الجزائرية.

واستنجد بن فليس بالتقرير الأخير الذي قدمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي المستقل ليعزو نسبة النمو التي بلغها الاقتصاد الجزائري (6.8%) إلى عاملي ارتفاع أسعار البترول وتساقط الأمطار بوفرة. وخلص إلى القول إن "النمو المحقق لا يمكن تصنيفه في خانة الديمومة، ويبقى غير كاف وبعيدا عن الإمكانيات الحقيقية للاقتصاد الوطني".

زعيم حركة الإصلاح
عبدالله جاب الله
وكان جاب الله أقرب بكثير إلى بن فليس من حيث منهجية العمل، إذ يركز في برنامجه على ضرورة وضع حد للمعاملات الاقتصادية التي تعتمد على الربا والضرائب ومنع استيراد الخمور والمتاجرة بها نهائيا، لكنه في الوقت ذاته يبدي التزامه بكل الاتفاقيات الدولية التي وقعتها الجزائر بما في ذلك اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والمفاوضات الجارية للانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة.

أما لويزة حنون فقد طغى على برنامجها عبارة "حذارِ" لتجديد رفضها خصخصة المؤسسات العمومية والتنازل عن الثروات الوطنية -ولاسيما في مجال المحروقات- لصالح المستثمرين الأجانب، داعية إلى إعطاء الأفضلية للمستثمرين الجزائريين. وهي ترى في الاتفاقيات المبرمة مع الهيئات الدولية تمهيدا للسيطرة النهائية على ثروات الجزائر، مما ينذر بتفاقم الأزمة ومن ثم الوقوع في فخ حرب أهلية، تماما كما حدث في الأرجنتين وفنزويلا.

ويعتقد سعيد سعدي أن الأولوية الحالية تكمن في تغيير العطلة الأسبوعية إلى يومي السبت والأحد وفقا لما هو معمول به عالميا، ويرجع تقييمه السلبي لحصيلة بوتفليقة إلى "منطق الاقتصاد الريعي والبيرقراطي السائد"، ويلتزم بتخطيه إلى "مرحلة اقتصاد النمو".

أما علي فوزي رباعين فيركز على ضرورة التقسيم العادل لثروات الأمة، ويغازل خطابه فئة الفقراء، رافعا شعار "آن الأوان للفقراء أن يمارسوا السياسة، ويتحمل جيل ما بعد الاستقلال المسؤوليات". ويقترح رباعين لحل الأزمة الاقتصادية مراجعة الآليات المالية وإصلاح المنظومة البنكية، لأنه يرى فيها إحدى مسببات "فضيحة" بنك الخليفة التي كلفت الجزائر حسب رئيس الحكومة الحالي أحمد أويحيى خسائر مالية ضخمة.

وردا على انتقادات خصومه يدافع بوتفليقة عن إنجازاته ويرى أن الاقتصاد الجزائري عرف في عهده مرحلة الاستقرار، مستشهدا بانخفاض المديونية وارتفاع نسبة النمو وتراجع حدة البطالة ولو نسبيا. ويلتزم في المقابل بتشجيع الاستثمارات الأجنبية مستقبلا من خلال تذليل العراقيل البيرقراطية، وإنشاء 100 ألف مؤسسة جديدة ومليون سكن و200 ألف وظيفة. ويرفض بوتفليقة تحمل مسؤولية تدهور الأوضاع الاجتماعية، مستشهدا بكون الجزائر تحتل الصدارة عالميا من حيث التكاليف التي تنفقها في إطار التضامن الوطني.

بؤر توتر.. ومؤشرات انفراج

لا تزال هناك بؤر توتر يتحتم التصدي لها عاجلا، وهي تلك المتركزة في أزمة القبائل وترسيم اللغة الأمازيغية لغة وطنية، ثم الحفاظ على ملامح الديمقراطية الملموسة.

وفي هذا الشأن ينبغي على الرئيس المستقبلي للجزائر أن يعالج أزمة القبائل بالحوار الجاد، وأن تبدي حركة المواطنة بدورها بعض التنازلات وتغلب المصلحة الوطنية.

كما أن ترسيم الأمازيغية لغة وطنية ينبغي مراعاة أن الأمازيغية لا تنحصر فقط في القبائلية، وإنما هناك الشاوية والميزابية والشلحية وغيرها من اللهجات التي تصب كلها في خانة اللغة الأمازيغية.

ومهما اختلفت رؤى المترشحين الستة للانتخابات الرئاسية الجزائرية بشأن الحلول الممكنة للخروج من الأزمات الراهنة، فإن هناك مؤشرات إيجابية بدأت تطفو على السطح قد تعجل بالخروج من النفق المظلم إن توفرت بعض الشروط. ومن هذه المؤشرات:


لأول مرة تجري انتخابات تعددية حقيقية في الجزائر يتقدم إليها أزيد من مرشح واحد تمنح لهم فرصة التدخل في القنوات الرسمية الإعلامية للدفاع عن برامجهم

تعديل قانون الانتخابات
وقد بدأت أولى بوادر انفراج الأزمة مع تعديل قانون الانتخابات الجديد الذي -بشهادة المترشحين الستة- سد جزءا كبيرا من الثغرات القانونية السابقة التي كانت في نظر السياسيين منفذا سمح للنظام الحاكم بممارسة التزوير عام 1997، ولا سيما ما يتعلق بإلغاء تصويت أفراد الجيش الوطني الشعبي داخل الثكنات أو ما يعرف بالصناديق الخاصة، لوضع حد لما يسميه السياسيون بظاهرة التلاعب بأصوات الناخبين.

ثم جاء موقف المؤسسة العسكرية التي التزمت الحياد ليشجع خصوم بوتفليقة على الترشح، ومن شأن ذلك كله أن يقنع الشعب بالعودة إلى مكاتب الاقتراع يوم الثامن من أبريل/ نيسان المقبل مادام كل المترشحين يلحون على التصويت ويؤكدون توفر فرصة أكبر لمراقبة العملية الانتخابية، بعد أن منح لهم حق تسلم محاضر الفرز.

التعددية الحقيقية
فلأول مرة تجرى انتخابات تعددية حقيقية في الجزائر -أو ربما في العالم العربي- يتقدم لها أكثر من مرشح واحد تمنح لهم فرصة التدخل في القنوات الرسمية الإعلامية من إذاعة وتلفزيون للدفاع عن برامجهم.

التغير النوعي في الخطاب السياسي
لكن النقطة الأهم هي التطور الإيجابي المسجل في خطابات المترشحين الذين بينوا في حملتهم الانتخابية، تطور أسلوب الممارسة السياسية لديهم حتى وإن كانوا أحيانا – في نظر الجزائريين- يبالغون في وعودهم. وهذا مؤشر هام قد يعجل بتخفيف حدة الخلافات والانشقاقات إن فهم السياسيون في الجزائر أنه لا مناص من التعايش بعيدا عن الأحقاد الدفينة، وأنه لابد من مصارحة تسبق المصالحة.

ويبقى أنه من واجب السياسيين أن تنشأ لديهم ثقافة الاعتراف بمنجزات الآخر، وعدم اتباع قاعدة "أنا الأصلح وغيري لا يحسن فعل شيء"، لأن الأمن الذي بدأ يعود تدريجيا إلى البلاد كان نتيجة تضافر الجهود بين المواطنين والجيش الوطني الشعبي وكافة أسلاك الأمن، وجاء قانون الوئام المدني خطوة مكملة لقانون الرحمة، كونهما يصبان في السياق نفسه.

وتبقى مسألة العفو الشامل إحدى العقد التي ينبغي فكها بالحوار بين جميع الشركاء السياسيين، من دون إقصاء. وكذلك الأمر بالنسبة لرفع حالة الطوارئ التي أصبحت تحظى بإجماع كبير في الجزائر ثمنه تصريح رئيس أركان الجيش الفريق محمد العماري.
_______________
صحفي وكاتب جزائري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة