سي دي العراق - مختصرات محور العلاقات الاقتصادية   
الخميس 1430/10/11 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

بالرغم من أن العلاقات الاقتصادية لا تنفصل عن العلاقات السياسية والعسكرية التي تعكس المخطط الاستراتيجي لهذه الدولة أو تلك، فإن محاولة تسليط الضوء على مسيرة العلاقات الاقتصادية بين نظام حكم الرئيس العراقي والولايات المتحدة الأميركية هنا تحديدا تكشف عن الكثير من الأسرار.

للوهلة الأولى يلمس المتتبع لمسيرة هذه العلاقة محطتين رئيسيتين:

الأولى: نموا مطردا خلال عقد الثمانينيات وبالأخص أثناء الحرب العراقية الإيرانية 1980 - 1988.

والثانية: انحسارا شديدا طوال عقد التسعينيات ولاسيما بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990 حتى الآن.

الثمانينيات.. علاقات اقتصادية متينة

ففي عقد الثمانينيات توجهت الولايات المتحدة لإقامة تحالف استراتيجي مع نظام الرئيس العراقي صدام حسين الذي تولي الحكم رسميا عام 1979 وذلك لتحقيق هدفين كبيرين:

  • تقويض الثورة الإسلامية الفتية التي اندلعت في نفس العام الذي تولي صدام فيه الحكم، والتي نجحت في الإطاحة بنظام الشاه أخلص أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة.
  • الحصول على النفط العراقي بالأسعار وبالكميات التي تحقق جزء كبيرا من الأمان الاستراتيجي للولايات المتحدة من هذه السلعة الحيوية.

وقد انعكست هذه التوجهات الاستراتيجية على مسيرة العلاقات الاقتصادية وترجمتها سلسلة من القرارات والاتفاقات بعضها تم بطرق قانونية، وبعضها الآخر لم يتوقف طويلا أمام هذه المسائل "الأخلاقية" فتم بطرق ملتوية عبر خطوات كثيرة من التلاعب والتحايل والتزوير:

1979: وبضدها تتمايز الأشياء
بمقارنة شكل وحجم العلاقات الاقتصادية بين الدولتين قبل عام 1979 (عام تولي صدام الحكم رسميا) والسنوات العشر بعدها يلحظ تغيرا جوهريا.

ففي عام 1979 لم تكن للعراق روابط اقتصادية متينة مع الولايات المتحدة مقارنة بدول أخرى مثل الاتحاد السوفيتي السابق وفرنسا واليابان...

الصادرات النفطية
في هذا العام بلغ إجمالي الصادرات النفطية العراقية على سبيل المثال 160 مليون طن، كان نصيب ما تم تصديره منها إلى الولايات المتحدة 4.5 مليون طن أي ما نسبته 2.8 % فقط من إجمالي الصادرات. (1)

الصادرات المدنية
وكذلك الحال بالنسبة للاستيرادات العراقية المدنية من الولايات المتحدة، فقد بلغ قيمة إجمالي ما ستورده العراق في العام الذي تولي فيه صدام الحكم 8984 كان جملة ما استوردة العراق من الولايات المتحدة من هذا المبلغ 486 مليون دولار فقط أي ما نسبته 5.4 %. (2)


صار العراق واحدا من الأقطار الرئيسية المستوردة للمواد الزراعية الأميركية، حيث أصبح يستلم نحو 20 في المائة من صادرات الأرز الأميركي، بينما أضحت 60 في المائة من صادراته النفطية تذهب إلى الولايات المتحدة

ما الذي حدث بعد عام 1979 ولماذا؟

بعد عام 1979 لوحظ زيادة مطردة في شكل وحجم العلاقات الاقتصادية بما في ذلك الحقول المالية والتجارية وتنفيذ المشروعات المشتركة بين البلدين، تماشت جنبا إلى جنب مع التغيرات الاستراتيجية التي أوجدتها اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 وهروب الشاه الذي كان صديق أميركا الحميم في المنطقة.

واتخذت العلاقات الاقتصادية ملامح بارزة خلال عقد الثمانينيات، تمثلت على سبيل المثال في:

1- تسهيلات مالية
اتخذت إدارة الرئيس رونالد ريغان قرارا عام 1982 بزيادة التسهيلات المالية المقدمة إلى بغداد لتزويدها بالمحاصيل الزراعية بلغت قيمتها خمسة مليارات دولار.

2- استثناءات في الكونغرس
لم تتوقف الإدارة الأميركية خلال تلك الفترة على تقديم التسهيلات المالية المباشرة إلى العراق، ولكنها إلى جانب ذلك عملت على عرقلة أي تشريع يصدر من الكونغرس يمكن أن يحد من هذه التسهيلات أو يمنعها.

فحينما أراد الكونغرس الحد من هذه التسهيلات المالية وإيقاف العمل بها في يناير/كانون الثاني 1990 (قبل غزو الكويت) بعث الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش (الأب)، برسالة إلى وزير الخارجية الأميركي أكد فيها أن أي "تحديد للتسهيلات المالية تجاه العراق من قبل مصرف التصدير والاستيراد الأميركي أو وكلائه سيؤدي إلى أضرار لمصالح الولايات المتحدة الأميركية". (3) المصدر: آلان فريدمان، نسيج العنكبوت، 1993.

3- اتفاق الروابط التجارية والتقنية
وفي أغسطس/ آب عام 1987، تم إبرام اتفاق رئيسي بين البلدين وقعه وزيري تجارة البلدين لغرض توسيع الروابط التجارية والتقنية، ونشطت لذلك حقول التجارة والصناعة والتمويل والزراعة والطاقة ونقل التقنية والصحة والنقل.

واستنادا لذلك، صار العراق واحدا من الأقطار الرئيسية المستوردة للمواد الزراعية الأميركية، حيث أصبح يستلم نحو 20 في المائة من صادرات الأرز الأميركي، بينما أضحت 60 في المائة من صادراته النفطية تذهب إلى الولايات المتحدة.

كذلك، تضمنت الصادرات الأميركية للعراق سلعاً متنوعة، منها المعدات الزراعية والأجهزة الكهربائية والسيارات والعربات وغيرها من السلع الهندسية.

وتقرر حينذاك قيام مؤسسة "جنرال موتورز" الأميركية (أكبر مؤسسة لصناعة السيارات في العالم) بإنشاء مصنع لتجميع السيارات قرب العاصمة، بغداد.

وكان مقرراً أن تبلغ قدرة المصنع الإنتاجية 90 ألف عربة سنوياً من طراز "أولدز موبيل"، مع بدء الإنتاج في العام 1992، في حين خمنت القيمة السنوية لمبيعات المصنع عند مليار ونصف المليار دولار.

كل الأساليب متاحة

لم تقف الطرق القانونية أو غير القانونية حائلا أمام المساعدات الاقتصادية الأميركية إلى النظام العراقي خلال عقد الثمانينيات، وكان المثال الصارخ في ذلك هو ما عرف بفضيحة مصرف لافورو وملخصها على النحو التالي:

فضيحة مصرف لافورو

خمسة مليارات دولار عبارة عن خطابات اعتماد مزروة قدمها مصرف لافورو فرع أطلنطا بالولايات المتحدة بمعرفة الإدارة الأميركية لصالح الحكومة العراقية لتسهيل شراء معدات عسكرية يمكن استخدامها في البرنامج النووي العراقي

لافورو مصرف كبير تملكه الحكومة الإيطالية مقره العام في روما. في صيف العام 1989 تفجرت فضيحة كبيرة في فرعه بأطلنطا (عاصمة ولاية جورجيا الأميركية) كشفت أسرارا مهمة وخطيرة.

فرع أطلنطا هذا هيئ ما لا يقل عن خمسة مليارات دولار من القروض الزائفة (خطابات اعتماد مزورة) لصالح النظام العراقي بغرض شراء أجهزة ومعدات عسكرية بما فيها تلك التي يمكن أن تستخدم في البرنامج النووي العراقي، دون إذن من المقر العام للمصرف في روما، أو من رئاسة شبكة الفروع الأميركية العائدة للمصرف في نيويورك، كما ادعت السلطات المصرفية الأميركية هي الأخرى جهلها بما حدث.

استخدمتها في شراء العديد من السلع الحرية من شركات أميركية وأوروبية بما فيها معدات وأجهزة تستعمل لأغراض نووية.

بعد افتضاح أمر المصرف أمرت الأجهزة القانونية الأميركية عام 1989 بإحالة مديره كريستوفر درغول إلى التحقيق تمهيدا لمحاكمته، وأعدت له السلطات القضائية في فبراير/شباط 1991 لائحة تشتمل على 347 تهمة تحايل وتزوير. وكان مقررا أن تبدأ المحاكمة عام 1993 بعد اكتمال التحريات من أقطار متعددة.

هدد كريستوفر درغول بإفشاء كل الأسرار التي لديه وبتوريط مسؤولين كبار في البيت الأبيض، وقال بأن السلطات المالية الأميركية كانت تعلم بحقيقة ما كان يجري، وأنه برئ من التهم المنسوبة إليه.

وقد اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية سي آي أي لعنا أنها كانت تخفي وثائق حساسة تمت إلى القضية.

لذا كانت المفاجأة في مجرى التحقيقات.. تم تخفيض لائحة الاتهام من 347 إلى ثلاثة تهم فقط، كلها تخص مخالفات الأنظمة المصرفية والتلاعب في إرسال البرقيات.

وبعد عملية التشذيب للائحة الاتهام هذه قرر درغول الاعتراف بذنبه مما أزال الحاجة إلى مقاضاته، وهو ما دل على أن صفقة قد أبرمت معه بهذا الصدد لتحاشي تسليط مزيد من الضوء على هذه الفضيحة.

التسعينيات.. انعطاف كبير

انتهى عقد الثمانينيات وانتهت معه العلاقات الودية وانعكاساتها الإيجابية على التعاون الاقتصادي بين العراق والولايات المتحدة، ودخلت العلاقة بينهما في منعطف حاد وخطير، بدأ بعام 1990 عام الزلزال الكبير الذي هز العالم العربي بأكملة، وذلك حينما اتخذ الرئيس العراقي قرارا بغزو جارته الكويت، وفي الوقت نفسه الذي اتخذ فيه الرئيس العراقي هذا القرار هناك على الجانب الآخر اتخذت الإدارة الأميركية قرارها بإنهاء التحالف الاستراتيجي الذي جمع بين البلدين خلال عقد كامل من الزمن. وانعكست آثار هذا التغير على العلاقات الاقتصادية على النحو التالي:

  • أصدرت إدارة الرئيس جورج بوش (الأب) قي نفس يوم غزو العراق للكويت (2 أغسطس/آب 1990) قرارات صارمة ضد بغداد حظرت بموجبها أية استيرادات نفطية من العراق (والكويت المحتل).
  • جمدت الإدارة الأميركية جميع الأرصدة المالية العراقية والكويتية داخل الولايات المتحدة.
  • أكد جورج بوش في 5 أغسطس/ آب 1990 أن غزو الكويت أمر لا يمكن القبول به، مقترحا مجموعة من قرارات المقاطعة الدولية الشاملة والموجعة ضد العراق.
  • من وحي إلى الدعوة الأميركية السابقة أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراراه رقم 661 في 6 أغسطس/آب 199 بموجبه تم فرض حظر شامل على تجارة العراق (والكويت المحتل) والاستثمار فيهما، حيث شمل ذلك قطاع النفط الحيوي.
  • فرض على العراق حصارا اقتصاديا شاملا كانت له عواقب وخيمة على كل قطاعات الحياة في البلاد، وفي محاولة لتخفيف حدة هذا الأمر على المدنيين أصدر مجلس الأمن الدولي قراريه المرقمين 706 و 712 عام 1991 اللذين أعطيا الحق للحكومة العراقية لتصدير ما قيمته 1.6 مليار دولار من النفط الخام كل ستة أشهر لأغراض المشتريات الإنسانية، مع إمكان تجديد العمل بهذه البنود.
  • وفي عام 1995 عاد مجلس الأمن الدولي وأصدر قراره رقم 986 الذي تمخض عن ما يعرف ببرنامج النفط مقابل الغذاء والذي بدأ العمل به أواخر عام 1996، وبموجبه يباع ثلثث النفط العراقي إلى الشركات الروسية والبقية إلى تشكيلات واسعة من الشركات الأخرى.

الولايات المتحدة تستورد النفط العراقي حتى عام 2002:
ومن اللافت للنظر هنا أن الحصة الأكبر من هذا النفط تصل إلى الولايات المتحدة عبر وسطاء عديدون. فمن خام نفط البصرة الخفيف على سبيل المثال وصل 80 % منه إلى الولايات المتحدة عام 2001. و 30 % من خام كركوك، وكانت أبرز مؤسسات النفط الأميركية التي اشترت النفط العراقي هي أكسون موبيل، شيفرون، ماراثون، كوتش، بمكور. وفي خلال الشهور السبعة الأولى من عام 2002 سجلت إستيراد الولايات المتحدة لنحو 566 ألف برميل يوميا من النفط العراقي على نحو متوسط.

رغم أن السنوات الست بين عامي 1991 - 1996 اتسمت بالانحسار الشديد للمبادلات التجارية والروابط الاقتصادية بين البلدين إلا أن برنامج النفط مقابل الغذاء فتحخ الباب أمام توسيع المبادلات التجارية بينهما منذ عام 1997 وحتى عام 2001، فخلال تلك الفترة أبرمت الحكومة العراقية 45 عقدا بقيمة 227 مليون دولار لاستيراد الأغذية والمواد الطبية والسلع الإنسانية من الولايات المتحدة بما في ذلك قكع غيار محطات لتويد الكهرباء.

وفي أوائل عام 2002 تمت المصادقة على عقد بقيمة 200 مليون دولار لتجهيز 10 آلاف عربة نقل خاصة و200 سيارة إسعاف إلى العراق من قبل شركات أميركية.

_______________________________

1- المصادر:
K. Mofid: “The Economic Consequences of the Gulf War”, Table 3.1, Pages 36-7
K. Mofid: “The Economic Consequences of the Gulf War”, Table 3.3, Pages 42-3

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة