آية الله التسخيري.. الأزمة العراقية من المنظور الشيعي   
الخميس 1430/10/12 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

آية الله محمد علي التسخيري
ما حقيقة مايقال عن خلاف فقهي بين علماء الشيعة فيما يتعلق بالحرب الأميركية المحتملة ضد العراق؟ هل يدخل هذا الخلاف ضمن التقديرات السياسية للمعارضة العراقية الشيعية أم تحكمه قواعد فقهية مقررة في المذهب؟ وكيف يتم تقييم السلوك السياسي لإيران إزاء الأزمة العراقية الحالية من منظور فقهي شيعي؟ و
ما هو المطلوب شرعا من الفرد المسلم العادي إزاء هذه الحرب؟

هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في إيران آية الله محمد على التسخيري في حوار مع الجزيرة نت على هامش مؤتمر مجلس مجمع الفقه الإسلامي، الذي عقد في قطر خلال الفترة من 11 - 16 يناير/كانون الثاني 2003.

حاوره: شفيق شقير

آية الله محمد علي التسخيري، من موقعكم الفقهي ماذا يمكن أن تقولوا للمسلمين بشأن الضربة المحتملة للعراق؟

أنا أعتقد أن أميركا استغلت حوادث الحادي عشر من سبتمبر لكي تحقق أهدافها الإستراتيجية المرسومة من قبل وتبسط نفوذها على العالم، وبالتالي تحقق ما كانت تأمله في العولمة التي يمكن تلخيصها بالأمركة للعلاقات السياسية والثقافية وحتى الاجتماعية بالإضافة للعلاقات الاقتصادية. واستغلت أيضاً نصرها الناقص في أفغانستان، لأن أميركا لو لم تتسلح بشعارات براقة ولو لم تجد من يناصرها في الداخل ولو لم تزعج العالم بتصرفات الطالبان السخيفة... ولعوامل أخرى لما كانت تستطيع أن تنتصر في أفغانستان، ومازالت راكسة في الطين الأفغاني. استغلت هذا النصر الناقص لفرض هيمنتها على العالم. فهي تختار ما تشاء من قوانين دولية وترفض ما تشاء، وهي التي لم تعرف حتى مفهوم الإرهاب. اليوم تصف الدول بالإرهاب فتكون حكماً وقاضياً، وبالتالي تنفذ الحكم الذي تصدره هي بغض النظر عن الإجماع الدولي... وبالتالي فهي تختار الانسحاب من المعاهدات الدولية، ومعاهدة المحكمة الدولية وأمثال ذلك... وتستهين حتى بالقوانين الديمقراطية والحريات المدنية.

عفواً هناك ضربة محتملة للعراق.. وأنا كإنسان مسلم عادي ماذا أريد أن أفعل.. أؤيد.. أعارض.. أتحفظ؟

أنا أقول إذا نجحت أميركا في ضرب العراق وغزو العراق وإقامة ما تريده من العراق فإنها حينئذ ستستأسد أكثر وتتنمر أكثر، وحينئذ سوف تحقق أهدافها الأبعد إستراتيجية في السيطرة على منابع الطاقة وفي إيجاد سايكس بيكو جـديد.. وبالتالي في ضم النقاط التي وضعت على المراحل التالية. وأنا أعتقد أن العالم الإسلامي كله مهدد بعد نجاح الضربة الأميركية للعراق. أنا شخصياً لا أؤيد النظام العراقي ولا أعتبره نظاماً صالحاً، ولكني أعتقد أن ضرب العراق يؤدي إلى مفاسد لا تحمد عقباها، وأدعو كل علماء الأمة إلى الوقوف بوجه هذه الضربة، وأدعو كل الدول العربية والإسلامية للتكاتف ومنع حدوث هذه الكارثة التي يحاول أو يطبخ لها الاستعمار الأميركي.

فضيلة الشيخ التسخيري، سمعنا حديثاً عن فتاوى مخالفة لما تفضلتم به، أو هذا ما أوحي به على الأقل، أن هناك فتوى تجيز للمعارضة الشيعية التعاون مع أميركا في ضربتها المحتلة للعراق، وأقصد تحديداً المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق. مع العلم أن هناك فتاوى صدرت من علماء شيعة في العراق ولبنان ومنهم السيد محمد حسين فضل الله بعدم جواز إعانة الأميركيين في غزوهم للعراق، فهل هناك خلاف بين علماء الشيعة في هذا الشأن؟

أولاً : نحن نعتقد أن المعارضة العراقية لها حريتها الكاملة في اتخاذ أي قرار تريد اتخاذه، ونحن لا نتدخل في شئونها فهي أعلم بالواقع القائم هناك.
وثانياً : فإن المجلس الأعلى نفسه رفض التدخل الأميركي في العراق، وإنما طالب بالتغيير من داخل العراق.
وثالثاً : فإن للكل الحق في إظهار رأيه، ولأن موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية واضح. موقفنا رافض لأي تدخل أميركي في العراق، ورفض أي تقسيم للوجود العراقي وتجزئة للعراق، ورفض أي تحاور حتى مع هذا الهجوم الغادر على العراق.

إذا سمحت لي، صدر عن الحوزات العلمية الشيعية في النجف بالعراق فتاوى تقول بوجوب الجهاد ومقاومة الغزو الأميركي. فهنا نجد أن العلماء -علماء الشيعة- بينهم تناقض على مستوى الفتوى الفردية أي الصادرة عن أفراد علماء. ولو تحدثنا عن الولي الفقيه مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران باعتباره ولياً للمؤمنين -عامة المؤمنين- ولا شك أن مسلمي العراق الشيعة على وجه التحديد يتبعون له بحسب نظرية الولاية الفقهية، ما هو موقفه؟

بصراحة وفي مرات عديدة أعلن رفضه ضرب العراق من قبل القوة الأميركية، وشجب هذا بقوة. ولا أعلم فقيهاً شيعياً أو سنياً أيد ضرب العراق، فإذن المسألة ليست شيعية وليست سنية.

صحيح، فأنا لا أتحدث عن السنة والشيعة، إنما أتكلم بالتحديد فقط عما قيل عن تناقض الشيعة في الفتاوى؟

إن ولي الأمر الولي الفقيه قالها بكل صراحة، ورفض هذا الاعتداء بقوة وحذر من عواقبه التاريخية.

لكن ماذا نقول للمسلم الذي في العراق، هل عليه أن يقاتل ضد الأميركيين، وهل يعتبر هذا جهادا؟

يعني كل من قاتل ضد الغزو والاحتلال لأي أراض إسلامية هو في الواقع يقوم بواجب عليه تجاه أمته وتجاه أرضه.

هناك من يتهم إيران بأنها تحاول الاستفادة مما تقوم به أميركا في المنطقة، يعني أنها استفادت من موضوع أفغانستان من خلال تحالفها مع التحالف الشمالي عبر بعض الفصائل الشيعية هناك، وأنها قد تكرر هذا الأمر مع المعارضة العراقية.

أنا أريد أوضح بدقة أن إيران مبدئية في تعاونها، وأن صراع إيران مع الطالبان سبق أميركا وعداوة طالبان لأميركا. ونحن نعتقد أن الذي أوجد طالبان في أفغانستان هو التخطيطات الأميركية، وبالتالي هم أوجدوهم ليستغلوا نقطة حساسة وليضربوا حتى الدور الإسلامي. وتصرفات الطالبان في الواقع شوهت الإسلام، هذا ما أعتقده. ولكن هذا لا يبرر لنا مطلقاً التعاون معهم. لم نتعاون مطلقاً مع أي قوات، هذه قوات الشمال كانت قبل أن تبدأ حوادث الحادي عشر من سبتمبر، وقبل أن توجد هذه الصراعات والسياسات المحتدة بين طالبان وأميركا. إذن أعود وأكرر نحن في الواقع همنا مصلحة الأمة الإسلامية، ولا نغلب مصلحة منطقة أو شعب أو شيء على مصلحة الأمة الإسلامية. والحرب اليوم، شنها على العراق يخالف المصلحة الإسلامية العليا، ويجب أن نقف جميعاً ضدها.

هناك من قال إن الولايات المتحدة الأميركية تحاول أن تعاقب الفصائل السنية، بإعطاء الفصائل الشيعية مساحة أكبر في تمثيل المعارضة ولاحقاً في الحكم، باعتبار أن السنة لم يلتحقوا بمعارضة صدام كما تريد الولايات المتحدة الأميركية؟

أنا أعتقد أن السنة والشيعة ابتلوا بما كان من أخطاء للحكومة العراقية، وأعتقد أيضاً أن أميركا ليست تعمل لصالح السنة ولا لصالح الشيعة، وإنما تطرح هذه الأمور لكي تفتت المقاومة. فالشيعة والسنة هما جزءان من عراق واحد، ونحن ندعو لحماية العراق الواحد، وندعو لتعاون الطرفين في خدمة الأهداف الكبرى.

فضيلة الشيخ ما هي قدرة هذا المجلس، مجلس مجمع الفقه الإسلامي على بث الوحدة بين المسلمين في هذا الوقت بالذات، الذي يظهر أن هناك محاولات سياسية لبعث التناقض الطائفي ما بين المسلمين؟

أنا أعتقد أن هذا المجلس يقوم بدور كبير في بعث التلاحم بين المسلمين، بنفس اجتماع المسلمين إلى جانب بعضهم البعض وطرح آراء مشتركة، وبالتالي الخروج ببيان مشترك يعبر عن موقف علماء الأمة في شتى أقطار العالم الإسلامي، ويوضح لكل الجماهير أن مواقف العلماء تسير مع المصلحة الإسلامية العليا، ويهدي الجماهير إلى الخط الصحيح. ولذلك أنا أعتبر مجمع الفقه خطوة ضخمة على طريق وحدة الأمة وتلاحمها والوقوف بوجه الأساليب المتلاعبة بهذه الوحدة.

هل فكرتم من موقعكم كأمين عام لهيئة للتقريب بين السنة والشيعة بتكوين لجنة علمائية للإصلاح ما بين العراق والدول الإسلامية الأخرى، لأجل مصلحة تجنيب العراق أي ضربة أو على الأقل كي تقوم هذه اللجنة بالتفكير في كيفية تجنيب العراق أي ضربة محتملة؟

الحقيقة نحن نعمل كثيراً على الجمع بين العلماء، وأكثر تركيزنا على الجمع الفكري وعلى توحيد الموقف العملي. أما القضايا السياسية يقل تدخلنا حتى الآن فيها لأننا جمعية أهلية، ولا أعتقد أن المسألة اليوم يمكن أن تقوم بها جمعية علمائية، المسألة يجب أن تتضافر فيها جهود العلماء والساسة لمنع هذه الضربة الغادرة.

الموضوع يرتبط إذن بأفق سياسي أكبر من جمعيات أهلية، ولكن إيران وعلى رأسها الولي الفقيه وهو موقع علمائي، ألا يمكن لهذا الموقع أن يلعب دوراً أكبر في تأسيس مثل هذه اللجنة أو تكوين أي شيء من هذا القبيل؟

هذا المجمع مجمع التقريب بين المذاهب هو من أمر الولي الفقيه، ونحن قمنا بمؤتمرات دولية كثيرة وأقمنا ندوات كثيرة لتقريب القلوب ولتوضيح الموقف، وتدخلنا في التصور السياسي للموقف، وأرسلنا بيانات كثيرة واتصلنا بكثير من العلماء. ونحضر الكثير من المؤتمرات، ونصدر الكثير من النشرات لكي نقوم بعملية التوعية. وإيران في الواقع قامت بواجبها في تشكيل مجموعة تقريب وفي دعوة العلماء للوقوف الموقف الواحد.
ــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت.
* على هامش المؤتمر:
أبدى آية الله التسخيري في حديث للجزيرة نت بعد اختتام أعمال المؤتمر أسفه لعدم إدراج قرار جواز العمليات الاستشهادية في التوصيات والقرارات التي صدرت في نهاية المؤتمر، وأرجع السبب في ذلك إلى رئاسة مجلس مجمع الفقه التي يتولاها عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية بكر أبو زيد، وقال أنها تفردت بتأجيل البت بهذه المسألة إلى دورة لاحقة رغم أن الأغلبية قد أقرت بجوازها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة