المحافظون والإصلاحيون ... وجها لوجه   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)

بقلم/ محمد صادق الحسيني

(المحافظون) و(الإصلاحيون) مصطلحان فضفاضان في الأدب السياسي الإيراني، باتا يشيران ويرمزان ولو بشكل نسبي منذ صعود السيد محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة في العام 1997م إلى وجود مدرستين في العمل السياسي العام في البلاد.

  • الأولى تعتمد الأسس والأساليب التقليدية –Static- التي غالبا ما تكون ذات طابع إيديولوجي صارم، منطلقا لنضالاتها السياسية والكفاحية ومنهجا لإدارة شؤون البلاد والعباد.
  • في حين تعتمد الثانية الأسس والأساليب المتحركة –Dynamic- التي غالبا ما تكون ذات طابع متحرر من القيود والإيديولوجية الصارمة، منطلقا لنضالاتها ومطالباتها في المجالات المختلفة الخاصة بالشأن العام.

ولكن دون أن يعني ذلك مطلقا أن الأولى لا تقبل أي جديد وترفض العصرنة في الفكر والممارسة كليا، كما لا يعني مطلقا بأن الثانية لا تقبل للإيديولوجيا أو الدين والشريعة دورا في منهج النضال اليومي.

تياران وجها لوجها

التيار المحافظ يعتقد أن خطرا ما قادم من الليبراليين ومن عدد المتساهلين معهم من داخل النظام
ولما كنا نتحدث عن مصطلحين سياسيين يعبران عن الشأن الإيراني، وهو الشأن الذي غالبا ما يتشابك فيه الديني بالسياسي، وكثيرا ما يتداخل فيه (الأهلي) بـ(المدني) بالإضافة إلى التاريخ الطويل من تزاوج العمل (المشيخي) بعمل (منوري الفكر) من المثقفين الدينيين وغير الدينيين منهم، وهي خصوصية إيرانية بالغة التعقيد، فإن الباحث والمحلل السياسي لا يمكن له اليوم بسهولة أن يضع الحدود (الطبقية) النهائية بين معسكري المحافظين والإصلاحيين، كما يحاول البعض فعله تعسفا.

ورغم ذلك كله فإن القدر المتيقن منه في هذه اللحظة التاريخية هو أن فريقا من رجال الدين التابعين للمؤسسة الدينية التقليدية ومعهم جمع من المثقفين والبازاريين (أي تجار السوق) قد اصطفوا صفا كأنهم بنيان مرصوص دفاعا عما يسمونه بالوجه (الإسلامي الناصع) للنظام السياسي الحاكم، معتقدين أن خطرا ما قادما من الليبراليين وعدد من المتساهلين من داخل النظام ومن خارجه ويدعمهم في ذلك مجموعة من القوى الخارجية من أجل الإسراع في تغيير النظام الحاكم وتفكيكه كما فعلوا بالاتحاد السوفياتي السابق.

وهؤلاء يمكن الإشارة إليهم في جمعية مؤتلفة الإسلامية، وهي أعرق جمعيات الكفاح النضالي السياسي الإيراني ضد نظام الشاه البائد ومعهم عدد كبير من رجال المؤسسة الدينية التقليدية ورموز البازار ومثقفين أحرار في الجامعات، لهم منظماتهم الرديفة لرابطة علماء الدين المناضلين المعروفة بـ(روحانيت).

بالمقابل فإن فريقا آخر من رجال الدين المنشقين عن (روحانيت) الذين شكلوا مبكرا جمعية رجال الدين المناضلين المعروفة باسم (روحانيين) ومعهم عدد كبير من المثقفين الدينيين وغير الدينيين أحيانا ورموز طلابية وحزبية (حداثية) قد تكتلت بعد مرور أكثر من عقد على الثورة، التي كانت قد جمعت الجميع في بوتقة واحدة ضد نظام الشاه البائد، حول مطالبات شعبية عامة بضرورة إصلاح الوضع العام وشكلت في ما بينها تكتلا غير منسجم بالضرورة في إطار حزبي جديد، لكن في إطار تكتل جبهوي ضم نحو 16 حزبا ومنظمة وجمعية، كان أبرزها منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية وحزب جبهة المشاركة وحزب كوادر البناء، حيث يوصف الحزبان الأولان بالراديكالية، في حين يوصف الثالث بالاعتدال أحيانا و(بالنفعية) والبراغماتية أحيانا، لكنه ومعه عدد من الجمعيات المنظمات يبحث شأنه شأن الراديكاليين من تكتله ويتوق إلى الإصلاح والتغيير.

وبينما رمز أحمد ناطق نوري رئيس البرلمان السابق ومرشح الرئاسة الذي خسر الرهان مع محمد خاتمي إلى العنوان العام للمحافظين، فإن الأخير رمز إلى العنوان العام للإصلاحيين.

اتهامات متبادلة ومواقف متباينة

يرى الإصلاحيون أن تبني سياسة الحلفاء والأصدقاء وقضايا حركات التحرر يجعل من إيران بلدا معرضا للبقاء معزولا عن المجتمع الدولي
يزعم المحافظون أن (الإصلاحيين) قد وقع غالبيتهم الحزبية في شبهة الاستقواء بالخارج على الداخل وشبهة الفصل بن الدين والسياسة، إما لانحراف فكري أو إرضاء للخارج وبالتالي باتوا يشكلون خطرا على الأمن العام للنظام ولدين الناس.

والإصلاحيون بالمقابل يزعمون أن متطرفي (المحافظين) الذين لا يؤمنون بالأساس بمقولة الجمهورية ونظرية الاقتراع والانتخابات، إنما يخطط غالبيتهم أو وقعوا ضحية تخطيط بعض الدوائر الخفية الهادفة للتخلص من الوجه الجمهوري للنظام، وبالتالي مواجهة البلاد خطة تحولها إلى نظام (طالباني) الهوى والهوية، نسبة إلى طالبان أفغانستان.

الموقف من ولاية الفقيه
ينظر المحافظون إلى مقولة (ولاية الفقيه) نظرة تعبدية انطلاقا من فكرة أن (الإمام) الولي الفقيه هو نائب الإمام الثاني عشر لدى الطائفة الشيعية وهو الغائب، بما يجعل العلاقة مع نائبه علاقة المقلِّد بالمقلَّد، أي واجب الإطاعة، وتاليا فإن (الديمقراطية) التي يطالبون بها هي (السيادة الشعبية) كما يسمونها، والتي يمارسونها كـ(تكليف شرعي) يدعم المشروعية الدينية بمقبولية جماهيرية مطلوبة تأتي في سياق تدعيم البيعة للقائد.

بالمقابل فإن الإصلاحيين ينظرون إلى المقولة نظرة (مدنية)، أي أنها بند من بنود الدستور يلتزمون به التزام (المواطنة)، التي من مستلزماتها إيجاد علاقة مساءلة مع مسؤول يتم انتخابه أو عزله حسب نظرية العقد الاجتماعي بين المواطن ورأس الدولة. وأما الديمقراطية التي يطالبون بها فهي مثل الديمقراطية (الغربية) من حيث الممارسة دون أن يعني قبول مضمونها الليبرالي فكريا.

الموقف من العلاقات الخارجية
يكاد يجمع المحافظون والإصلاحيون على ضرورة تحسين علاقات إيران الخارجية بالإجمال، ويتفقون أيضا على سياسة ضرورة نزع فتائل التوتر مع الجيران والمجتمع الدولي قدر الإمكان، لكن المحافظين يرون أن عداوة أميركا لإيران وكذلك إسرائيل وأي طرف دولي إذا ما حصل، إنما سببه استقلالية القرار الإيراني الذي يعتزون به كثيرا حتى وإن عزلهم عن العالم كله.

بينما يرى الإصلاحيون بأن الأمر لا يتوقف على (الآخر) فقط، بل يعود في أحيان كثيرة إلى ما يسمونه سياسة (استعداء) الآخرين أو الذهاب بعيدا في (تبني) سياسة الحلفاء والأصدقاء وقضايا حركات التحرر بما يجعل من إيران بلدا معرضا للبقاء معزولا عن المجتمع الدولي الذي يعتقدون أن بإمكان بلادهم أن تكسبه بسياسة أكثر عقلانية، وأداء أنجع.

البرلمان الجديد..بداية النهاية

جعل متطرفو الإصلاحيين من البرلمان طرفا سياسيا مباشرا في تجاذب التيارات وتنافرها مما قد يحول يجعل دور البرلمان من الآن فصاعدا أشبه بالدور الاستشاري
المحافظون متمترسون بمجلس صيانة الدستور وهو الذي يملك كل مفاتيح السلطة والقانون،
والإصلاحيون متمترسون بحصن الرئاسة وهو –أي محمد خاتمي– الذي لا يملك إلا ما تبقى من هيبته الجماهيرية وبعض (الحظوة) لدى كبار القوم من مطبخ صناع القرار وفي مقدمتهم المرشد آية الله علي خامنئي الذين يفترض أن يلعبوا دور الحكم في قضية التداول السلمي للسلطة بين الجناحين كما جرت العادة حتى الآن. وبعض ما تبقى من (السلطات) التي يمنحه إياه الدستور أو القانون الأساسي.

وعلى قاعدة الأخطار المتقابلة التي يطلقها ويحذر منها كل طرف من الطرف الآخر فإنهما خاضا معركة الترشيحات البرلمانية الأخيرة وكل طرف يتهم الآخر بالتحضير (لانقلاب) برلماني أبيض للتخلص من الطرف الآخر.

في ما أن البرلمان الذي تداول على حكم الأكثرية فيه حتى الآن المحافظون والإصلاحيون بنسب متفاوتة، يبدو أنه وبسبب تصعيد النضال (السياسي) من داخله إلى درجة لا تحتملها هيكلية مطبخ صناعة القرار، إضافة إلى من يعتبر أن ما قام به متطرفو الإصلاحيين من (مغامرة) تهديد (النظم) المسيرة للنظام السياسي العام، جعل منه أي من البرلمان (طرفا) سياسيا مباشرا في تجاذب التيارات وتنافرها، ما قد يعرضه للتحول إلى أشبه بالدور (الاستشاري) من الآن فصاعدا، وذلك كرد فعل المقصود منه ضبط الإيقاع العام لحركة السلطات في تناغم متفق عليه.

وفي هذا السياق يجمع المحللون السياسيون المتتبعون للشأن الإيراني بدقة بأن عهد (الإصلاحيين) قد أوشك على نهاياته دون أن يعني ذلك نهاية عهد الإصلاحات، بل على العكس من ذلك فإن المتوقع للبرلمان المقبل الذي يفترض أن المحافظين سيحصدون غالبية مقاعده أن يتحول إلى قلعة حصينة (لإصلاحات) كبرى متوقعة ترتقبها البلاد، لكنها من النوع المتفق عليه في إطار التناغم العام مع سائر السلطات لكنها المخولة أيضا لفتح الباب أمام العديد من التحولات والتغيرات سواء على مستوى الانفراج الداخلي –اجتماعيا في الغالب- أو على المستوى الخارجي اقتصاديا وسياسيا في الغالب.
_______________
باحث في الشؤون الإيرانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة