رسالة اعتذار الرئيس العراقي للكويت   
الخميس 12/10/1430 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

في 7/12/2002 أعلن التلفزيون العراقي أن الرئيس صدام حسين سيقدم خطابا هاما للكويت، وانتظر المراقبون هذا الخطاب بشغف متسائلين عما يمكن أن يتضمنه، وإن هي إلا ساعات قليلة حتى ظهر على شاشات التلفزيون وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف يقرأ نيابة عن الرئيس صدام حسين ما قال إنه رسالة للشعب في الكويت، وقد أثارت هذه الرسالة من اللغط والجدل الكثير. وكان نص الرسالة على النحو التالي:

رسالة الرئيس القائد صدام حسين إلى أبناء الشعب في الكويت /7/12/2002

وجه السيد الرئيس صدام حسين رسالة مهمة إلى أبناء الشعب في الكويت .. في ما يلي نصها

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة أبناء الشعب في الكويت..

السلام عليكم ..

كلما أمعن في السوء من أساء إليكم وإلى إخوانكم في العراق، من أولئك الذين ابتليتم بهم، وجاءتنا بعدكم أو معكم آثار البلوى منهم شررا وحرائق مستمرة، لم تنطفئ خلال الأعوام والسنين الماضية، ونظنها سوف تستمر للزمن اللاحق، إلا إذا أذن رب العباد القادر العظيم بما يعتبر هينا على قدرته، فيحل ما هو معقد ويلغي ما هو مؤذ ويضع الأمور في نصابها، بما يسرّ قلوب قوم مؤمنين .. نقول كلما أمعن السوء بالأذى ضد إخوانكم في العراق بمشاركة الأجنبي بمخططاته التدميرية وما أصابهم في حياتهم منه، بما في ذلك الموت المستمر، ليس بالحصار فحسب وإنما بكل ما أوتي الأجنبي المعتدي من قدرة تدميرية وجدنا من الواجب أن نوضح لكم ما ينبغي على طرفي الحال، ونذكركم بما يقتضي، تاركين لكم ولأبناء أمتنا وكل الخيرين في العالم أن يحاكموا بموجبها ما هو قديم، بالإضافة إلى ما يقع على شعب العراق في يومنا هذا، وما يمتد به السوء إلى المستقبل..

فلقد وجدنا أنا ورفاقي في القيادة تحت القول: عسى ولعل، لنتجنب في العراق ونجنب إخواننا في الكويت التشويش وخلق الذرائع لإيغال السيئين في سوئهم، وفي ربط مصيرهم بصورة نهائية بالأجنبي ومخططاته، بحيث يغدو الأمل في إنقاذ المعنيين من أنفسهم الأمارة بالسوء وإنقاذ الآخرين من سوئهم شبه مستحيل، إن لم يكن مستحيلا استحالة كاملة، هو ومصيرهم الأظلم وعاقبة السوء، بعد أن ظلموا أنفسهم وغيرهم، نقول وجدنا أنفسنا نتريث في قول ما ينبغي حتى الآن.. ودافعنا الأساسي في ما نريد قوله هو أن ذكر الحقائق قد يعينكم على مزيد من الوضوح في تفسير المواقف والأحداث الآن، وبأثر رجعي للأحداث والمواقف منذ الثاني من أغسطس/ آب 1990.. وكنا وما زلنا نعتمد دائما على ذكائكم ووعيكم، وطيش الطاغوت وغباء الأغبياء في إظهار سوئهم مثلما هو من الذين ارتموا في أحضانه بصورة مكشوفة وعلنية ومخزية، لتعرفوا الحقيقة واضحة مثلما هي، وتقفوا الموقف المنصف لكل وطني وقومي غيور ومؤمن يحب الله ويحبه ربه، لتخفيف الأذى عليكم وعلى إخوانكم في العراق.. ولكن موقفنا هذا والمبادئ القومية المؤمنة التي اعتمدنا عليها في هذا الموقف، وبالذات بعد مؤتمر بيروت وما التزمنا به من قراراته التي أعلن المسؤولون في الكويت أنهم التزموا بها وخالفوها بعد حين فحسب، قد أوهم من سد باب رحمة الله عنه بتصرفه وجحوده بأن موقفنا هذا إنما هو نتيجة ضعف وليس قرارا أردناه مستجيبين لدواعي ما ذكرنا ورغبة من كانت رغبته صادقة وأمينة من العرب.

أيها الإخوة ..

لعلكم تتذكرون أننا ما إن حقق الله لنا النصر في القادسية الثانية المجيدة على من أجج تلك الحرب، حتى فاتحنا المسؤولين في الكويت عن جاهزيتنا لنعطي كل الوقت اللازم لحل الأمور العالقة بيننا، ولشدة ما كانت دهشتنا كبيرة عندما واجهنا المسؤولون عندكم بعدم الاكتراث بدعوتنا تلك، ولم نكن في وقتها قد وصلنا إلى تفسير مقنع لذلك الموقف، إلا عندما بدأت التمارين العسكرية المشتركة بلعبة حرب في تشرين الأول من عام 1989 في الكويت بإشراف الأميركان، تلتها شهادة الجنرال نورمان شوارسكوف أمام الكونغرس الأميركي في شباط 1990، التي قال فيها نصا "إن هناك حاجة لزيادة الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج، محذرا من قدرة العراق على إزعاج جيرانه"، حسب زعمه في وقت لم يكن هنالك ما يلوح في الأفق غير بداية ملامح بسيطة للمؤامرة الاقتصادية على إخوانكم في العراق، وحفر الآبار النفطية بشكل مائل عند خط الدوريات الذي وضعته الجامعة العربية بحيث يؤثر هذا التصرف سلبيا على حقولنا النفطية في الجنوب، ثم جاء بعده اعتبار المعونة المالية اليسيرة التي قدمها المسؤولون في الكويت في القادسية ديونا حية واجبة الدفع.. وتخفيض أسعار النفط إلى سبعة دولارات للبرميل بدلا من 21 دولارا آنذاك، بعد أن أغرق المعنيون في الكويت السوق النفطية بإنتاج خارج استحقاقهم المقرر من أوبك، رغم كل التنبيهات التي أطلقت في حينها.

لقد سار دفع المؤامرة تحت كل هذه العناوين والمسميات بصورة متسارعة، وصار ما هو أظهر وأخطر فيها التمارين العسكرية المشتركة التي أجريت تحت إشراف الجنرال شوارسكوف الذي قاد بنفسه في ما بعد جيوش التحالف العدواني ضد عراقكم وبغدادكم بغداد العرب والمسلمين، ولقد وقعت في أيدينا مصورة في ما بعد تلك الخطط والفعاليات العسكرية التي أعد لها الأميركان والمسؤولون في الكويت.. وعندها أصبح الدور الذي رسمه الأميركيون للكويت بالتخطيط المشترك مع حكامها واضحا.. فتسارعت الأحداث وما رافقها من خطر داهم واستفزازات مستمرة لا تنبئ بأمل حل الأمور بالطرق السياسية وتحت حساسية وأهمية الدفاع عن النفس وحماية كل ما هو عزيز، وقعت أحداث الثاني من أغسطس/ آب 1990.

لقد ظلمتكم وظلمتنا ظروف تسارع الأحداث وعدم إتاحة الفرصة لكم لتعرفوا ما عرفناه وما لم نعرفه في حينه، فلم تتبينوا، وزاد في الطين بلة من أساء إلينا قبل أن تكون الإساءة واقعة عليكم ممن كانت طويته ونيته على خط واحد ومشترك مع الذين كانوا يعدون لصفحة الغدر والخيانة التي وقعت علينا في العراق، كواحدة من صفحات العدوان على العراق بتخطيط من الأميركان، وتعاون من تعاون معهم، يردف ذلك من أساء تحت ضغط عوامل غير أصيلة، وقلة وعي منه فوقفتم الموقف الذي نحن آسفون على كل ما وقع عليكم بسببه، وصار سببا لدفعكم لأن تقفوا الموقف وتتصوروا ما تصورتموه، حتى اختلطت لديكم ولدى غيركم الألوان والدوافع، وتداخلت الصفوف.

أيها الإخوة..

إننا نقول قولنا هذا ليس ضعفا منا أو تكتيكا لغاية غير مشروعة، بل لتوضيح الحقائق وفق ما نرى، ومثلما لكم اجتهادكم الذي نحترمه ولا نزعل منه حتى لو أصابنا منه أذى فإننا نقول اجتهادنا هذا على وفق دوافعه المشروعة أيضا.. إن تصوركم واجتهادكم حتى لو لم يهتد إلى الصواب كما ينبغي في السابق.. فإننا واثقون من أنكم ستهتدون إليه الآن أو في المستقبل، والأساس الذي يغضبنا فقط ونعتقد أنه يغضبكم أيضا، هو الموقف والعمل الذي يغضب الله أو يقع موقع خدمة الأجنبي ويكون ضمن خططه، وهو الذي يتربص بأمتنا، ومنها نحن وأنتم، ولا يضمر لنا ولكم ولأمتنا إلا السوء والأذى.

وعلى هذا الأساس فإننا نعتذر إلى الله عن أي فعل يغضبه سبحانه إن كان قد وقع في الماضي مما لا نعرف به ويحسب على مسؤوليتنا ونعتذر لكم على هذا الأساس أيضا.

أيها الإخوة ..

إن ما نتمناه لكم هو مثلما نعمل عليه لإخوانكم في العراق، وهو أن تعيشوا أحرارا لا يسيطر أجنبي على مصيركم وإرادتكم وقراركم وثروتكم.. وحاضركم ومستقبلكم، وأن تجتهدوا أحرارا مؤمنين بما يخدم شعبكم وأمتكم وليس احتواءكم بالباطل أو احتلالكم بالقوة الغاشمة.

إنكم تعرفون أن عراقكم غني بمبادئه وتاريخه وقيمه وإيمانه وإنسانه، ومع غناه هذا الذي يسبق أي شيء مادي ليعتد به، وفق معاني وقيم العرب المؤمنين، فإنه غني بثروته المادية والاقتصادية أيضا.. وإذا كان النفط هو أساس الثروة وما يملك أصحابها في الكويت فإن النفط ليس إلا جزءا من الثروة في بلدكم العراق.. وإذا نضب النفط عندكم، أو تحول الناس عنه كمصدر أساسي من مصادر الطاقة فإن عناصر الثروة في العراق ذات طابع مستديم إلى ما شاء الله.

أما ضعف حال الاقتدار في شعب صغير عندما ينعزل عن أمته فقد جربتموه في الكويت وجربه غيركم، بعد أن عزل المسؤولون في بلادكم الشعب عن أمته.. حتى صارت الثروة، بما فيها الثروة الشخصية للمسؤولين المودعة في البنوك الأجنبية تحت سيطرة الأجنبي.. بل ما هو أمر وأكثر خطورة هو أن الأجنبي، مثلما ترون، يحتل بلادكم احتلالا عسكريا مباشرا، وإنكم تعرفون أن الأجنبي عندما يحتل البلاد لا يدنس تراب الأوطان فحسب، وإنما يدنس الروح والدين والعقول ويمسخ النفوس إلا نفس من يحمل عليه السلاح ويقاومه.. فتحية منا ومن شعب العراق لأولئك الفتية المؤمنين الذين يحملون على الأجنبي المحتل بالسلاح، أو تنظر إليه نفوس من يؤمنون بأنه عار يقتضي تطهير الأرض والشعب منه بالنار والوسائل الأخرى.

تحية لأولئك الميامين الأبرار الأحياء منهم والشهداء، لأنهم رفعوا بيرق الحق بوجه الباطل والعار وأبعدوا ما يمكن أن يوجه إليكم من تهمة عار لو قبلتم بالاحتلال بعد أن أراده حكامكم، بل خفف عنا وعن غيرنا من العرب الغيارى ثقل المسؤولية تجاه احتلال الأجنبي للكويت، وهي جزء من الوطن العربي الكبير.

أيها الإخوة ..

قد يقول قائل منكم إن احتلال الكويت ما كان ليحصل لولا دخول جيش العراق إلى الكويت وخروجه منها.

ونود أن نذكركم بأن الأميركان كانوا في الكويت يعدون التمارين العدوانية على العراق قبل دخول جيش العراق إليها، وأن نفس الأهداف التي يعلن الاميركان عنها ويضمرون القسم الأساسي منها، وهو نهب ثروتكم، وتحويلكم إلى عاملين تحت إشرافهم فحسب وتحويل المسؤولين عندكم إلى مدراء محليين لشركة أميركية لإنتاج البترول وتحديد كميته وأسعاره ولمن يباع من قبل مدير الشركة الأصلي الأميركي في واشنطن أو نيويورك، وأن ما يخططون له إنما هو لكل دول الخليج العربي ومنها العراق، وإذا كان دخول جيش العراق سببا لهذا بالنسبة للكويت فما السبب الذي يجعلهم ينشرون جيوشهم الآن في منطقة الخليج العربي بما يشبه الاحتلال من الناحية الواقعية ويسعون -خابوا وخسئوا- لاحتلال العراق؟!.

ومن كان يمنعهم من احتلال الكويت قبل الثاني من آب عام 1990 غير جيش العراق نفسه وشعب العراق، وبالتالي تضامن الشعب العربي ومنه الشعب في الكويت مع جيش العراق وشعب العراق، لو حصل هذا آنذاك واصطدم بالأجنبي الذي يحتل الكويت؟.

إن أساس المؤامرة على العراق ، بما في ذلك العدوان عليه عام 1991، واستمرار العدوان حتى الآن إنما هو لأنهم يدركون أن القيادة في العراق وشعبكم وجيشكم في العراق لا يقفون مكتوفي الأيدي أمام احتلال أجنبي لأي أرض عربية، ومنها الكويت واحتلال الصهيونية لفلسطين العربية.. ولو كانوا صادقين بأنهم جاؤوا ليحرروا الكويت من جيش العراق مثلما أعلنوا لانسحبوا من الكويت، وقالوا إنهم سيعودون للدفاع عنها لو حاول العراق دخولها مرة أخرى.. ولكنهم احتلوا الكويت ونشروا جيوشهم في دول خليجية أخرى وزادوا ذلك ومعه نفوذهم فيها مع الزمن، ويحاولون -خسئوا- احتلال العراق الآن.

إننا لا نشك بوعيكم أيها الإخوة، ولكن واجبنا يدفعنا لنقول هذا القول الصريح لكم، ومع أنه ليس كل ما نرغب في أن نقوله فإنه مناسب، وفق ما رأينا لأن نقوله لكم الآن، بعد أن اطلعتم على الكثير من نوايا المسؤولين في الكويت ونوايا الأجنبي المحتل.. أما مناسبة توقيت هذا القول فهو الحديث العلني للمسؤولين في الكويت، وتخطيطهم يدا بيد مع جيوش الأجنبي لإيذاء العراق وتسهيل دخول جيوش الأجنبي إليه محتلا -خسئوا وخاب ما يفعلون- مثلما احتل الكويت، ولأن الطائرات الأميركية والبريطانية استمرت تغير من أراضي الكويت وعبر أجوائها على ممتلكات العراقيين وتدمرها وتزهق أرواحهم، وكأن الاثني عشر عاما التي سبقت مؤتمر بيروت وقرارات العرب فيه -والتي تنصل المسؤولون في الكويت عنها- لم تشف غليل حقدهم، بل ذهب بهم التجاسر لإرضاء أسيادهم وحماية خيانتهم بخيانة أخرى للعملاء الذين يحملون الجنسية العراقية أو يدعون بأنهم يحملونها، وشرف المعاني لموجباتها بريء منهم، فصاروا يصرحون علنا أنهم يلتقون معهم.. وفي الوقت الذي يصرح أولئك العملاء بأسباب اللقاء وما جرى الاتفاق عليه مع المسؤولين في الكويت، وأن المسؤولين سيبعثون من يمثلهم ليحضر مؤتمر الخيانة والتآمر الخائب على العراق في لندن يصرح المسؤولون في الكويت أنهم يلتقون معهم للتشاور.. فأي تشاور هذا غير التآمر على العراق والتدخل في شؤونه الداخلية بإشراف الأجنبي!؟.

فهل تتابعون هذا أيها الإخوة ؟ وهل ما زال يحجب عنكم التفسير الصحيح لما سبق الثاني من آب وما أعقبه وما أصاب العراق من أذى ودوافعه!؟ ثم ألا يحق لأي من العراقيين أو أي من الشعب في الكويت أن يقول: طالما التأم العملاء على بعضهم تحت إرادة وتوجيه الأجنبي لإيذاء العراق والأمة ، فلماذا لا يلتئم المؤمنون والمخلصون والمجاهدون في الكويت مع أقرانهم في العراق تحت خيمة بارئهم، بدلا من خيمة لندن أو واشنطن ورديفهما الكيان الصهيوني، ويبحثوا أمرهم، وفي المقدمة من هذا الجهاد ضد جيوش الكفر المحتلة، لغسل العار الذي يصيب الأمة والأذى الذي يصيب الشعب في الكويت أو في العراق!؟.

وإذا سأل المسؤولون الكويتيون أو غيرهم: لماذا!؟ يقول لهم من يقول إننا نتشاور تشاور الأحرار ضد تشاور العبيد، وتشاور المجاهدين مقابل تشاور العملاء، وتشاور المؤمنين مقابل تشاور من خانوا ربهم ، بعد أن خانوا أمتهم .. تشاور هذه صفته وليس تدخلا في الشؤون الداخلية لأحد.

(ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم).

والله أكبر..

الله أكبر..

وليخسأ الخاسئون ..

صدام حسين في الثالث من شوال / 1423 للهجرة

الموافق للسابع من كانون الأول / 2002 للميلاد

______________
بترتيب خاص مع وكالة الأنباء العراقية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة