السياسة السورية.. خطوة للوراء أم هروب للأمام؟!   
الثلاثاء 1425/9/13 هـ - الموافق 26/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 11:45 (مكة المكرمة)، 8:45 (غرينتش)











 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
يشكل قرار مجلس الأمن رقم 1559 وتحديده مهلة قصيرة مدتها شهر واحد لتقويم سلوك الأطراف المعنية به، وما تلاه من بيان رئاسي صدر بالإجماع يشير إلى عدم استجابة الحكومتين السورية واللبنانية للمطالب الواردة ويقر آلية دورية لمراقبة التنفيذ وعرض النتائج على الأعضاء في تقرير خاص يقدمه الأمين العام مرة كل ستة أشهر، يشكل إشارة إلى نهاية حقبة طويلة من التفاهم والتسليم العالمي بتفرد الدور السوري في لبنان، ويدشن مرحلة جديدة عنوانها المشاركة وتحجيم هذا الدور على طريق انتزاع الورقة اللبنانية تماما من يد النظام السوري.
 
ولا يغير من طابع هذه المرحلة حين يشهد تنفيذ القرار المذكور موجات مد وجذر أو لحظات تشدد ومرونة ربطا مع تفاوت رغبة الولايات المتحدة في توظيفه تكتيكيا لابتزاز السياسة السورية وتسخيرها لضبط الأوضاع الأمنية في العراق ربما حتى يصل الأمر إلى انتزاع دور سوري إيجابي جوهره المشاركة في إعادة الاستقرار والأمن، بما في ذلك التعاون الميداني للحد من العمليات العسكرية التي تجري وضمان سير آمن للانتخابات العامة المزمع إجراؤها مطلع العام القادم.
 
وعلى الرغم من أن السياسة السورية لم تفقد بعد كل أوراق قوتها وتملك مقدرة يحسب حسابها على المناورة والإضرار بالمصالح الأميركية في المنطقة، إلا إنه لا يستطيع أحد الإنكار أو تجاهل المأزق الذي تعيشه اليوم وظواهر الارتباك والاضطراب التي تكتنفها واندفاعاتها غير المنطقية أو غير المفسرة وأحيانا الهجومية و"المستهترة" لتكشف على نحو فاضح عمق "ازدواجيتها واتساع الهوة بين ما تدعيه وما تستطيعه وبين ما تعلنه وما تضمره"، ما يضعها هذه المرة وأكثر من أي مرة سابقة على مفترق طرق لاختيار مسار من بين توجهات متنوعة وأحيانا متناقضة على أمل وقف التدهور الحاصل وإعادة الأمور إلى سابق عهدها.
 
"
ليس من مصلحة سوريا تصعيد المواجهة الخارجية والبيت الداخلي مريض وغير معافى، ثم لا رهان على تعريب الصراع والنظام الرسمي العربي مهترئ وعاجز
"
هناك خياران رئيسيان ومتعارضان في آن واحد:
الخيار الأول، الدفاع عن الوضع القائم وخوض الصراع المفروض بالممانعة والمماطلة في إجراء أي تغيير جدي أو جوهري على طرق وأساليب الحضور والنفوذ الإقليمي، بما في ذلك محاولة لجم الضغوط الأميركية والعدوانية الصهيونية بتحريك ما تملكه من أوراق تكتيكية كحزب الله والحركات الفلسطينية المعارضة وربما غض النظر ولنقل بصورة غير مباشرة عما يساعد في خلخلة الأوضاع أمنيا وسياسيا في العراق على أمل إفشال المشروع الأميركي أو على الأقل إشغاله وكف أذاه.
 
لكن هذا الخيار يحمل في أحشائه مخاطر جمة، فإثارة الأميركيين وتسخين الجبهة اللبنانية ربما ينقل المعركة، بل هو الاحتمال الأرجح، من معركة بالواسطة إلى معركة ضد الأصل، خاصة وأن اللعبة باتت مكشوفة وتحت أضواء ساطعة ولم تعد المسافة بين الوكيل والأصل تؤخذ في الاعتبار، وكلنا يتذكر الغارة التي شنت منذ أشهر على موقع عين الصاحب قرب دمشق، والتهديدات الإسرائيلية ضد سورية إثر عملية بئر السبع وأيضا ما أشيع عن توغل القوات الأميركية في الأراضي السورية وقيامها بعمليات محدودة طالت مواقع سورية.
 
وأيضا تزداد خطورة هذا الخيار طالما أن الوضع الداخلي لا يزال بمنأى عن الإصلاح والانفتاح على الناس وطالما لا يحظى بدعم عربي وحماية عالمية، فمن الضرر تصعيد المواجهة الخارجية والبيت الداخلي مريض وغير معافى، ثم لا رهان على تعريب الصراع والنظام الرسمي العربي مهترئ وعاجز عن الاتفاق على مهمات أبسط وأقل تعقيدا.
 
وأيضا من المحال التفكير بتدويل الأزمة وإيران تعاني من حصار مشابه وتحتاج إلى من يساندها بينما فشلت محاولات تنشيط العلاقات مع الصين بصفتها البديل الوحيد المرشح لتقديم التأييد السياسي والدعم العسكري، وبالمقابل نجحت واشنطن في استثمار حال الجفاء التي شهدتها العلاقات السورية الأوروبية والإفادة منها لبناء جبهة أميركية فرنسية ضد الدور السوري في لبنان.
 
وهنا يجب الانتباه إلى أن واشنطن لم تحضر إلى العراق كي تخرج منه عند أول إرباك أو صعوبات وأنها سوف تسعى لتمرير أهدافها ومخططاتها بتبني أشكال جديدة من الآليات الأمنية لتأمين جنودها وتخفيف خسائرها، سواء بالعمل على زج قوى عراقية كواجهة صدامية كما هو الحال مع تمكين قوات الشرطة والحرس الوطني من دورهما، أو الاعتماد على مزيج من القوى العربية بما في ذلك إقحام الدور السوري.
 
ويعتقد الكثيرون أن فشل المحاولات الأميركية في تجريب كل هذه الحلول التكميلية لضمان تقدم مشروعها في العراق ومن ثم في المنطقة يمكن أن يشجعها على إعلان الشرق الأوسط ساحة حرب توظف فيه كل أشكال الضغط والحصار الاقتصادي والسياسي والثقافي والدعائي، قبل أن تلج إلى الخيار الأخير في فتح النار وشن حرب شاملة على الدول العصية مستندة أساسا إلى القوة العسكرية الإسرائيلية لكسر قواعد اللعبة الراهنة وفتح أفق جديد لسياسات من نوع آخر.
 
"
المرونة السياسية مشروعة في اللحظة الراهنة وتعني تلمس المتغير النوعي في توازن القوى والحضور العسكري الأميركي في العراق، وأيضا ضحالة ما تملكه سوريا من قوى وتحالفات
"
وفي هذا السياق يخطئ من يظن أن السياسة السورية قادرة على المواجهة والمقاومة طويلا، هذا إذا لم تتفتق الشعارات المعلنة في ضوء أولوية الحفاظ على الامتيازات والمصالح السلطوية عن سياسة مقايضة تحت الطاولة، وليس غريبا أن تتطلع مقابل استجابتها للمطلب الأميركي ومساهمتها بضبط الوضع العراقي إلى ضمانات بوقف التصعيد الأميركي واستهداف وزنها في لبنان، وتزداد حظوظ نجاح هذه المقايضة تبعا لتطورات الوضع العراقي ولأهداف الضغوط الأميركية والمسار الذي سوف تتخذه وحاجتها تاليا إلى المساومة على القرار 1559.
 
فهل ترمي هذه الضغوط إلى إحداث تغييرات ملموسة في البنية السياسية الداخلية وفي طابع الوجود السوري في لبنان أم تكتفي بممارسة الابتزاز لإخضاع النظام وتحوير دوره الإقليمي لخدمة مخططاتها؟!.
 
وإلى أي درجة يقيد تحالف واشنطن مع باريس نهجها البراغماتي ويلجمها عن مبادلة صمتها عن ما يحدث في سورية ولبنان بتنازلات يقدمها الحكم السوري في صيغ تعاون صريح وملموس لتعزيز سيطرتها على العراق؟!.
 
خيار التعاطي الإيجابي
الخيار الثاني، يقوم على قراءة عقلانية للواقع القائم واتجاه تطوره تحسبا من وصول الأمور إلى حافة حرب شاملة محسومة النتائج سلفا في ضوء اختلال موازين القوى، ويدعو هذا الخيار إلى التعاطي الإيجابي مع قرارات الشرعية الدولية لتهدئة الضغوط والاندفاعات، بما يدعم فكرة "القانون الدولي" ويفضح أكثر فأكثر الوجه الإسرائيلي الخارج عن الشرعية ربطا مع استثمار الوقت المتاح لكن هذه المرة من أجل تحصين البيت الداخلي ديمقراطيا وتصحيح العلاقة مع لبنان والاستقواء بالإرادة الشعبية في مواجهة ما قد يستجد.
 
المرونة السياسية مرونة مشروعة في اللحظة الراهنة وتعني تلمس المتغير النوعي في توازن القوى بعد سقوط العراق والحضور العسكري الأميركي على أرضه، وأيضا ضحالة ما تملكه سوريا من قوى ذاتية وتحالفات عالمية وإقليمية.
 
فلم يعد ثمة جدوى أو قيمة كبيرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسيادة الرأس الأميركي من استخدام الطرق والأساليب التي كانت تدار بها الأزمات في الماضي.
 
ويفترض لنجاح أي سياسة اليوم أن تأخذ في اعتبارها حقيقة ما حصل عالميا وإقليميا، وطوق الحصار شبه المحكم الذي أحاط بالساحة السورية، حتى لا تعتبر نوعا من المغامرة أو المجازفة غير محسوبة النتائج.
 
والمدخل الإنقاذي هو المبادرة هذه المرة إلى تعميم الأزمة لا لملمتها، والقصد من مسألة التعميم السعي الجاد لكسب المساندة في أي موقع متاح عالميا وإقليميا ومحليا، عبر مهمة ينظمها خيط واحد هو إجراء إصلاحات سياسية جدية تؤدي إلى إحداث تغيير جوهري في صورة السياسة السورية على الصعيدين الداخلي والخارجي وتقديم تنازلات جريئة كي تلامس هذه الصورة المعايير والتوجهات العامة حول الحريات وحقوق الإنسان واحترام إرادة الجماعة الدولية.
 
"
المهمة الملحة والمجدية أمام سورية للخروج من الظروف العصيبة التي تعيشها هي التراجع خطوة إلى الوراء والاهتمام بالداخل والسير قدما نحو الانفتاح الديمقراطي على المجتمع وقواه المختلفة
"
إن المهمة الملحة والمجدية أمام سورية للخروج من أتون الظروف العصيبة التي تعيشها هي التراجع خطوة إلى الوراء ونقل مركز الثقل والاهتمام بالداخل والسير قدما نحو الانفتاح الديمقراطي على المجتمع وقواه الحية، وإذا كانت ثمة جدية في الرد على الضغوط والتهديدات الأخيرة وكف أذاها، فالأجدر التوقف عن إطلاق دعوات الاستقطاب الحادة والمسطحة، مع سورية أو ضدها، التي عطلت ولا تزال تعطل بناء قاعدة مواجهة عريضة هي ضرورية ومطلوبة لتعديل ميزان القوى المختل وخصوصا العمل الجاد لصياغة علاقة جديدة ومتكافئة مع لبنان.
 
وأيضا في هذا السياق يوجد الكثير الذي يجب عمله لبناء عتبة من الثقة مع الناس، بتوخي الوضوح والصراحة وردم الهوة بين الأقوال والأفعال وبين المعلن والمضمر "والكف عن حجب الهزائم بمزايدات وطنية أو قومية مثل الاستهزاء بقرار مجلس الأمن والمطالبة برفضه".
 
فلا مصلحة لشعوبنا في الدعوة إلى مخالفة الشرعية الدولية حتى ونحن نعرف أنها أحد ممرات تجسيد الهيمنة الأميركية على العالم ولا ينفعنا الاتكاء على انتقاداتنا للأمم المتحدة ومجلس أمنها والقول بازدواجية المعايير والكيل بمكيالين وتاليا الدعوة للتشبه بالحكومة الإسرائيلية واستهتارها بالأعراف والقوانين الدولية.
 
فقدر مجتمعاتنا الضعيفة الاستقواء بالشرعية العالمية ليس لأنها البديل المرتجى بل لأنها الإطار الأقل سوءا وظلما لحقوقنا، ولن ينفعنا أيضا عدم الاعتراف بالخطأ وقلب الحقائق بتحويل الخسارة ربحا والهزيمة نصرا، فهل نصدق أنفسنا بأن عدم ذكر سورية بالاسم في القرار 1559 هو نصر وأن استبدال القرار ببيان هو ربح وأن إطالة زمن تقرير الأمين العام إلى ستة أشهر بدلا من ثلاثة هو مكسب!!.
 
علينا أن نتمثل جيدا دروس التجربة العراقية المريرة والكف عن إطلاق الاتهامات بحق دعاة التروي والتعقل وضرورة إتقان فن الدفاع بأنهم دعاة خنوع واستسلام، بل لن يفيد أصحاب العنفوان الهجومي ودعاة الحرب تكرار الأزمة، ربما لإقناع النفس قبل إقناع الآخرين، بأن سوريا غير العراق، وإذا ذاق الأميركيون وأعوانهم المر في العراق، فإنهم سوف يذوقون في سورية المر والعلقم! فليس بالتعبئة الإيديولوجية والحماسة تكون


الانتصارات بل بإرساء ركائزها ومقومات نجاحها على الأرض.

ـــــــــــ
كاتب سوري
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة