ظاهرة حزب الله.. حزب محلي وفاعل إقليمي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)

بقلم/ إبراهيم بيرم

أقل من 19 عاما هي المدة الزمنية التي احتاجها "حزب الله" ليعبر من حزب محلي محصور بالأصل في جزء من طائفة من طوائف لبنان التسعة عشر، إلى تنظيم يفرض حضوره، لاعبا "فاعلا" في المعادلة الإقليمية، فيعقد أخيرا "منفردا" صفقة تبادل عميقة الدلالات والأبعاد مع دولة بحجم إسرائيل، إمكانات وصلفا وعتوا، يجبرها فيها على الانصياع لأكثر من 99 بالمائة من الشروط التي أعلنها قبل نحو 3 أعوام، لإتمام هذه الصفقة، وفي لحظة إقليمية ودولية ثابت فيها رجحان كفة الموازين كافة لمصلحة الكيان الصهيوني، وواضح فيها أنه مباح له استخدام القوة المفرطة لضرب من يجرؤ على المجاهرة بعدائه، أو الضغط عليه حتى العصر.

محطات في تاريخ الحزب

دخل الحزب في معارك دامية مع حركة "أمل" لأعوام تجاوزت الخمس، كانت في وجه من وجوهها، معارك بالواسطة بين إيران وسوريا

بطبيعة الحال، ليس الحدث الحالي، على بلاغته، سوى محطة من محطات كبرى مضيئة في رحلة هذا الحزب، الذي ظهر رسميا في فبراير/شباط عام 1985 ظهورا متواضعا في حي من أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت(الشيّاح)، عبر عالم دين (السيّد إبراهيم الأمين) تلا حينها بيان التأسيس مسميّا إياه "رسالة الحزب إلى العرب والمسلمين".

بيد أن الولادة العملية لجنين الحزب وقتها، كانت في "معمودية" المقاومة، فلم يكن الحزب في تلك المرحلة إلا عبارة عن حالة ضبابية لمجموعات من روافد شتّى، (لجان مساجد، بقايا حزب الدعوة، طلاب مؤمنون، خارجون من حركة "أمل"، علماء دين تأثروا بالثورة الإيرانية) بدأت بتأطير نفسها قبل ذلك بنحو 3 أعوام، وخاضت أولى تجاربها في توجيه مجموعات صغيرة للاحتكاك بالقوات الإسرائيلية التي كانت تحتل منذ عام 1982جزءا كبيرا من الأراضي اللبنانية، مفتتحا معها عصر "العمليات الاستشهادية" في عالم السياسة الداخلية، وشكل الحزب في أعوام التكوين الأولى حالة نافرة متمردة، فهو الرافض بصلافة كل التركيبات السياسية للنظام اللبناني، والمتماهي مع المشروع الإيراني إلى حد رفع شعار الدولة الإسلامية والمتعارض مع كل الجو اليساري الذي كان له حضوره في المناطق الإسلامية، والمتجافي مع حركة "أمل" التي كانت لها السطوة الأولى في الساحة التي يتحرك فيها وهي الساحة الشيعية، وقبلا الناظر بريبة إلى دمشق والمعارض لطريقة تعاطيها مع حلفائها على الساحة.

مجموع هذه العناصر التي وسمت بدايات الحزب أدخلته في إشكالات وصراعات عدة كان أبرزها معاركه الدامية مع حركة "أمل" لأعوام تجاوزت الخمس، كانت في وجه من وجوهها، معارك بالواسطة بين إيران وسوريا، المتسابقتان على إمساك الورقة اللبنانية ولم تنته عمليا إلا عام 1990، عندما خلع الحزب رمزا من رموز التطرف فيه، وهو أول أمنائه العامين الشيخ صبحي الطفيلي، ومعظم المحيطين به، ليفتح بشكل غير مباشر، مع أمينه العام الجديد السيّد عباس الموسوي، صفحة جديدة من صفحات سيرته، وليؤسس مرحلة جديدة يعدّها الكثيرون تأسيسا جديدا للحزب بني عليه لاحقا.

توجهات جديدة

ادخان يتصاعد من مواقع إسرائيلية عقب قيام حزب الله بقصفها في مزارع شبعا
هذا التغيير لقيادات الحزب تواكب مع تغيير عميق في النهج والأداء والخطاب السياسي، والتعاطي مع الآخرين، قوامه الانفتاح على المحيط والتخلي عن مشروع الدولة الإسلامية، ووضعه على الرف، والانصراف كليا إلى المقاومة إلى حد الاستغراق التام فيها.

السيد عباس الموسوي، بدأ هذا التحول الجذري، وتوّجه باستشهاده بقذيفة إسرائيلية في الجنوب عام 1992، فكأن دم هذا الرجل كان "خاتمة خير" على الحزب، أو كأنه كان حبل السرة الذي ساهم في إنمائه وفي توهج حضوره . فالنظرة العامة إلى هذا التنظيم بدأت بالانقلاب، وأكمل خلفه السيد حسن نصر الله (مواليد 1960) المسيرة الانفتاحية لسلفه.

وهناك مجموعة معطيات موضوعية وذاتية تضافرت لتشكل رافعة صعود الحزب إلى الواجهة، ولتجعله لاحقا رقما أساسيّا في المعادلة.

على المستوى الأول (الموضوعي):

  • بقي الحزب منفرداّ في ميدان المقاومة ضد إسرائيل بعدما تقاعد تدريجيا من رافقه استهلالا في هذا الطريق من قوى وتنظيمات، وهذا التفرد سلط كل الأضواء عليه.
  • بادر الحكم اللبناني، الذي نشأ على أساس اتفاق الطائف( عام 1989 ) إلى إلقاء غطاء الشرعية على مقاومة الحزب، وسخّر له كل الدبلوماسية اللبنانية لتبرير عملياته.
  • محضت دمشق الراعية للوضع اللبناني، كل تأييدها ودعمها له، بعدما فتحت أبواب العلاقة معه على مصراعيه.
  • استمرت إيران في دعمه ورفده بعدما وجدت فيه المشروع الوحيد الناجح بين مشاريعها الخارجية، ووجدت فيه معبرها إلى ميدان الصراع العربي الإسرائيلي.

على المستوى الثاني (الذاتي): توفرت للحزب عوامل إيجابية صقلت تجربته ونمت حضوره أبرزها:

  • قيادة شابة مفعمة بالحيوية والإيمان بما تكافح من أجله ( جميع قيادييه هم من مواليد عام 1960 فصاعدا) .
  • أداء سياسي مميز بالانضباط الداخلي وإحجام مقصود عن الدخول في متاهات اللعبة اللبنانية المعقدة وغير النظيفة (خلافات على الحصص والمناصب والمكاسب) .
  • انتقاء صارم للأعضاء والكوادر والقيادات (طلب الانتماء للحزب من 50 صفحة تبدأ بطلب معلومات عن الجد الثالث ودرجة إيمانه) .
  • التفات إلى الدور الرعائي عبر تأسيس مؤسسات تعنى بهذا المجال.

إلى كل هذا يضاف عامل أكثر أهمية، هو تسخير كل مقدرات الحزب لخدمة الجهاز المقاوم، واعتبار العمل المقاوم أساساّ، والعمل السياسي خدمة له، وإبعاد جهاز المقاومة كليا عن الأضواء والاستعراض، وتلافي إقامة القواعد الثابتة والمعسكرات المعروفة. وهكذا نجح الحزب في خلق جهاز مقاوم، مدرب، لا يتعدى عدده حسب معظم المعلومات 500 عنصر، قطعت أواصر علاقتهم بالناس إلى حد كبير، يرافقه جهاز أمن ورصد دقيق ومنظم.

وما من شخص في الحزب إلا يضيف إلى جملة هذه المعطيات معطى آخر، هو الشخصية المميزة للأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله. فابن بائع الخضار البسيط، الذي لم تتعد دراسته بدايات المرحلة الثانوية، وبعض الدراسات الحوزوية، والمتفرغ للعمل الحزبي منذ كان في السادسة عشرة من عمره، أظهر خلال تسلمه القيادة مهارة فائقة، جعلت الحزب يعدل نظامه الداخلي ليؤمن التجديد له لأكثر من دورتين متتاليتين.

الارتقاء بالمقاومة

انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم الجنوب اللبناني المحتل في مايو/أيار 2000، ورغم ذلك أعلن الحزب أن المعركة مع إسرائيل لم تنته

كل ذلك على بداهته، لم يكن ليوفر للحزب هذا الصعود والارتقاء وهذا الاستمرار، لو لم يظهر في ميدان المواجهة مع الآلية العسكرية الصهيونية براعة وصمودا، فاقا كل التجارب المماثلة له فلسطينيا ولبنانيا. ففي الأصل وضع الحزب قضية المساهمة في تحرير فلسطين في صلب ميثاقه، ولم يكن من الوارد عنده مسألة المساومة والخروج من هذا المضمار، مهما بلغت الإغراءات، وتعاظمت الصعوبات والمشاق. وفي مجالسه الخاصة يتحدث السيد نصر الله دوما بإسهاب عن سعي إسرائيل لتحقيق انتصار نفسي على الإنسان العربي، قبل النصر العسكري، ويركز في المقابل على ضرورة توظيف هذا العامل سلاحا من أسلحة المواجهة مع هذا الكيان المدجج حتى أسنانه بالأسلحة المدمرة، وإفهام هذا العدو، أن ثمة قوة جعلت قضية مواجهته إستراتيجية وليست تكتيكا مرحليا، ولم يكن أول من قال هذا الكلام ولكنه واحد من قلة صممت على الالتزام به.

وتحقق للحزب في مايو/أيار 2000 الانتصار المدوي بجلاء القوات الإسرائيلية عن معظم الجنوب المحتل منذ 22 عاما، ورغم ذلك أعلن الحزب بصراحة أن المعركة مع إسرائيل لم تنته، وأنه لن يسرح مقاوميه الذين صاروا تحت نوافذ المستوطنين الإسرائيليين في الجليل الأعلى.

ووجد الحزب في بقعة لا تتعدى مساحتها الـ 20كيلو متراّ مربعاّ (مزارع شبعا) لا تزال محتلة من إسرائيل مدخله المشروع للاستمرار في المقاومة، ومضى الحزب في هذا الاتجاه برغم كل الترهيب والترغيب من القوى الكبرى، ولم تغوه أطباق مغانم سياسية أتته من واشنطن بالواسطة إذا ما ألقى بندقيته المقاومة.

وعندما كانت تضيق أمامه فرص الاشتباك مع إسرائيل خصوصا بعد تداعيات 11 سبتمبر/أيلول، كان يطرق محاور أخرى، مثل قضية الأسرى الموجودين لديه، حيث جعلها محوراّ رديفاّ وأجبر شارون على الدخول معه في صفقة.
_______________
صحافي وكاتب لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة