أيام الندم.. النتائج والتداعيات   
الجمعة 1425/9/1 هـ - الموافق 15/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 23:29 (مكة المكرمة)، 20:29 (غرينتش)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
تساؤلات متلاحقة تقفز إلى الذهن على وقع دخول العملية العسكرية الإسرائيلية في شمال قطاع غزة، المسماة "أيام الندم" أسبوعها الثالث، بدءاً من أهدافها المعلنة وغير المعلنة، مروراً بنتائجها الميدانية والسياسية، وإخضاعها لموازين الربح والخسارة، وتكتيكات المقاومة الفلسطينية في مواجهتها، وانتهاءً بتداعيات الحملة وآثارها المباشرة على المجتمع الفلسطيني.
 
أهداف الحملة
ليس خافياً أن أهداف حملة "أيام الندم" قد انطلقت لوقف خطر صواريخ القسام التي استباحت بلدة "سديروت" الإسرائيلية داخل الخط الأخضر مؤخراً، وأحالتها إلى مزرعة للرعب والموت، وأن الجيش الإسرائيلي المدعوم بغطاء سياسي حكومي كامل قد جعل من تغيير قواعد اللعبة، وفرض حقائق ميدانية جديدة، هدفاً أساسياً ومعلناً لحملته غير المسبوقة، التي طالت –هذه المرة- مخيم جباليا أكبر المخيمات الفلسطينية في قطاع غزة.
 
ومع ذلك، فإن الأهداف الحقيقية للحملة تبدو أكثر شمولية واتساعاً، وأكثر ارتباطاً بمجريات الواقع الإسرائيلي الحزبي الداخلي، واتساقاً مع إرهاصات خطة شارون بالانسحاب الأحادي من مستوطنات قطاع غزة.
"
الأمر لا يتعلق بإيقاف صواريخ القسام فحسب، قدر تعلقه بجنون الرغبة في تقويض المقاومة الفلسطينية، وخاصة حركة حماس
"
فالأمر لا يتعلق بإيقاف صواريخ القسام فحسب، قدر تعلقه بجنون الرغبة في تقويض المقاومة الفلسطينية، وخاصة حركة حماس، وضرب وجودها الميداني وبناها العسكرية التحتية، وكسر إرادة المقاومة لدى الفلسطينيين.
 
وكما للرؤية الأمنية الميدانية حظ وافر في صلب أهداف حملة شارون وجيشه، فإن الانعتاق من أسر مسلسل الأزمات الحزبية الداخلية التي يواجهها داخل حزبه وائتلافه الحاكم ومعسكر اليمين المتطرف، وتهيئة السبل لعدم تكرار نموذج الانسحاب المهين من جنوب لبنان، هدفان آخران لا يقلان أهمية وحضوراً على أجندة الأهداف الشارونية.
 
جباليا بؤرة المقاومة
لم تكن حملة "أيام الندم" الأولى في سجل الحملات العسكرية الإسرائيلية، فقد سبقتها حملات وحملات بأسماء منتقاة بعناية وذات إيحاءات كبيرة، إلا أن ما يميزها –هذه المرة- استهدافها، بشكل رئيسي، لمخيم جباليا شمال مدينة غزة، وإصرارها على المساس بحصانته وهيبته العسكرية الرفيعة لدى الفلسطينيين.
 
فالمخيم الذي يقطنه ما لا يقل عن مائة ألف لاجئ فلسطيني، يتوزعون على مساحة تقدر بكيلومتر مربع وربع تقريباً، يشكل أحد أكبر المعاقل الرئيسية لحركة حماس في قطاع غزة، وبؤرة أساسية من بؤر التحدي والمواجهة، وتفريخ المقاومين والاستشهاديين، بل يمكن الجزم أن مخيم جباليا بعمقه المقاوم، وجسارة أبنائه، وما اصطبغ به من رمزية كفاحية فائقة، بات يشكل موئلاً لآمال وطموحات الفلسطينيين في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتصاعد، حتى أن كثيراً من الفلسطينيين بات يعتقد أن سقوط "جباليا" يعادل سقوط "برلين"، وأن انهيارها انهيار لقلب المقاومة النابض وبنيتها الراسخة.
 
فلا غرابة إذن أن تصدر غالبية العمليات الموجعة للاحتلال ومستوطنيه من بين أزقة "جباليا"، وأن يحوي المخيم نخبة من ذوي العقول الفذة التي أثمرت تطوراً إبداعياً نوعياً في آليات وسبل مواجهة الاحتلال، وإجراءاته الأمنية المعقدة، ولا غرابة – أيضاً- أن يتصدر "تأديب" جباليا، وكسر شوكتها، أجندة الجيش الإسرائيلي حالياً.
 
تقييم واقعي
لعل تداخل مكونات المشهد الفلسطيني–الإسرائيلي، ميدانياً وسياسياً وداخلياً، يجعل من الصعوبة بمكان القطع بنتائج حاسمة ونهائية للمخاض العسكري الدائر على أعتاب "جباليا"، فالسياق المختلط الذي تدور في إطاره الحملة العسكرية الإسرائيلية لا يتيح إجابات قطعية لبعض الأسئلة الملحة، وخاصة التي تتعلق بالأمد الزمني للحملة، ولا يمكّن إلا تقديم رؤية تقييمية نسبية، ترتهن لسرعة التقلبات والتغيرات، والغموض المستقبلي إزاء تطورات الأحداث والمواقف المختلفة.
 

شقيقة نضال مسعود عضو حركة حماس الذي اغتاله الجيش الإسرائيلي

فعلى الصعيد الميداني تعادل الموقف فلسطينياً وإسرائيلياً، إذ سجل لكل طرف إنجازات وإخفاقات، فالجيش الإسرائيلي استطاع قضم أطراف "جباليا"، وضرب عدد كبير من الخلايا العسكرية لقوى المقاومة، وخاصة حماس، وتخفيف عدد صواريخ القسام المنهمرة على مستوطناته، وتحويل حياة أهل المخيم إلى جحيم.
 
إلا أنه اصطدم بقوة المقاومة التي تقودها حماس، وبسالتها الفذة في الدفاع عن المخيم، ليضطر إلى نبذ فكرة اقتحام عمق المخيم، ومن ثمّ التقهقر التدريجي إلى مواقع أكثر أمناً، والتعويض بتوغلات في منطقتي: بيت حانون وبيت لاهيا، والارتكاز إلى مبدأ القصف الجوي والبري، الذي يعتمد –أساساً- على المعلومات الاستخبارية، وقدرة الرصد والاستطلاع، بما يحقق له استهداف الناشطين دون خسائر حقيقية.
 
أما المقاومة فبإمكانها –رغم تضحياتها الكبيرة- الفخر بقدرتها على كبح الآلة العسكرية الإسرائيلية الشرسة رغم إمكاناتها المتواضعة، وتأمينها لعمق المخيم وأحيائه الرئيسة، وصيانة كيانها وبنيتها وهياكلها، والحفاظ على جاهزيتها الدائمة للتصدي والمواجهة، والقدرة على إيلام الاحتلال، رغم تكتمه البالغ على خسائره التي تفضحها بعض الشواهد العينية اليقينية، وقيامها المحسوب بإطلاق بعض الصواريخ بين فترة وأخرى.
 
وعلى الصعيد الإسرائيلي الداخلي، لم تسهم هذه الحملة في إنقاذ بيان شارون السياسي من السقوط داخل "الكنيست"، أو تخفف من حجم المعارضة والانقسام الذي يواجهه داخل حزبه "ليكود" تجاه مشروعه السياسي حول غزة، أو تقلص حالة الاستقطاب الحادة التي تجتاح المجتمع الإسرائيلي، بفعل التحريض الهائل الذي يمارسه المستوطنون والمعسكر اليميني المتطرف داخل إسرائيل.
 
وعلى الصعيد السياسي، فإن آمال شارون بانسحاب آمن من مستوطنات غزة بعيداً عن نيران المقاومة الفلسطينية، بدأت في التلاشي والضمور على صخرة الصمود وإرادة التحدي لدى الفلسطينيين، وبات نموذج الانسحاب المذل من جنوب لبنان كابوساً يلاحقه صباح مساء، ويتوعده بأيام نحسات قد تؤثر كثيراً على مستقبله السياسي وصورته الذهنية في عيون الإسرائيليين.
 
فبالرغم من الجهود المضنية التي بذلها –ولا يزال- لإنجاح خطته دون عراقيل، وإنهاء أو تقليص التهديد الإستراتيجي الذي تمثله الصواريخ الفلسطينية للبلدات والمستوطنات الإسرائيلية، عبر مختلف أشكال التوغلات والاجتياحات لما يسمونه تنظيف غزة من هيمنة ونفوذ المقاومة قبل الانسحاب، وتجريف مناطق شاسعة حول الحدود والمستوطنات وإحالتها إلى أرض قاحلة جرداء، فإن شارون يصطدم اليوم بواقع ميداني مرير، لا يملك له حلاً أو ردّاً وتغييراً.
 

أحد الفلسطينيين الجرحى من مخيم جباليا

ولئن كان ميزان الأرباح والخسائر يميل بقوة في شقه البشري والمادي المجرد لصالح الإسرائيليين، إلا أن النظرة الكلية والتقييم الإستراتيجي لمكونات المشهد الراهن تقطع بإخفاق إسرائيلي واضح، وتنبئ بليل حالك من الأزمات الإسرائيلية المتعاقبة.
 
ومن هنا، فإن مقاربتنا الميدانية بأبعادها وخلفياتها المتعددة تميل للتأكيد –إجمالاً- على فشل حملة "أيام الندم" حتى هذه اللحظة، رغم النجاحات الجزئية التي بلغتها، وأن محاولة شارون إعادة صياغة وتشكيل مفردات الواقع على أسس جديدة لم ولن يكتب لها النجاح.
 
حماس وتكتيكات المواجهة
 اعتمدت حركة حماس، كونها القوة الأولى، والمستهدفة أساسا، في مخيم جباليا، تكتيكات عديدة في مواجهة الحملة العسكرية الإسرائيلية، أدت –في مجملها- إلى الحدّ من خسائرها الميدانية، وتعطيل فعالية الحملة الإسرائيلية إلى حد كبير.
 
فلم يكد غبار ساعات الحملة الأولى ينقشع حتى أقدمت حماس على تنفيذ عمليات عسكرية منفردة ومشتركة على السواء خلف خطوط المواجهة الأمامية مع جيش الاحتلال، مستهدفة بعض المواقع العسكرية، مما أربك القيادة العسكرية الإسرائيلية، وأرغمها على تشتيت بؤرة اهتمامها وتركيزها، وإعادة تنظيم قواتها وحيثيات حساباتها في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
 
في ذات الوقت فقد أقدمت على تقنين إطلاق صواريخ القسام باتجاه بلدة "سديروت"، والاكتفاء بصاروخ واحد تقريباً كل عدة أيام، لسحب الذرائع الإسرائيلية، وإتاحة المجال لإجبار إسرائيل على الرضوخ لتفاهم ضمني، يقوم على أساس التقنين العسكري المتبادل، الذي قد يقود –لاحقاً- إلى وقف العدوان مقابل وقف الصواريخ.
 
وأعلنت حماس في أكثر من مناسبة أن وقف إطلاق الصواريخ رهن بوقف العدوان الإسرائيلي. فمن جهة تحاول حماس، ما أمكن، تلمّس معاناة الفلسطينيين الذين طالتهم يد الدمار والعدوان الإسرائيلي، ومحاولة إزالتها أو تخفيفها، فيما تعزف على الوتر السياسي، وتحتوي بعض الانتقادات والتناقضات المنبعثة هنا وهناك احتجاجاً على استخدام الصواريخ من جهة أخرى.
 
وكان لافتاً جملة التوجيهات التي ألزمت حماس عناصرها بها، من حيث عدم إطلاق الرصاص بلا طائل على دبابات وآليات الاحتلال، والامتناع عن الإطلاق العشوائي للقذائف الصاروخية، وتقنين استخدامها، وتحديده بالضرورة والإمكان، وعدم التقدم أو التهور في مواجهة الدبابات الإسرائيلية، واحتلال مواقع دفاعية حصينة على الخطوط الأمامية للمواجهة، وبرمجة نظام محدد لدوريات عمل المقاومين، ونصب الأغطية بكثافة فوق الشوارع وبين أزقة الأحياء التي يرابطون فيها، للتعمية على طائرات الاستطلاع الإسرائيلية بدون طيار، التي أضحت طائرات صغيرة مقاتلة تمكنت من اصطياد عدد كبير منهم في الأيام الأولى للمواجهة السابقة لاستخدام هذه الوسيلة، وترك مسافات فاصلة بينهم تقليصاً للضرر حال استهدافهم.
 
ذلك كله، إضافة إلى الحفاظ على نسيج اجتماعي موحد ومتكاتف داخل المخيم، مكّن حركة حماس من صدّ الهجمة الإسرائيلية، وحجزها عن إكمال مخططها باقتحام وضرب المخيم، وأجبر قادة الجيش الإسرائيلي على طلب غطاء سياسي لمزيد من التقهقر الميداني خشية التهديدات الفلسطينية، وهو ما رفضه شارون خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية الأحد الماضي.
 
التداعيات الداخلية
لم يكن يتوقع شارون أن تصطدم حملته العسكرية المدججة بالقتل والدمار، بتكاتف فلسطيني واسع وصمود كبير
"
لم يكن يتوقع شارون أن تصطدم حملته العسكرية المدججة بالقتل والدمار، بتكاتف فلسطيني واسع وصمود كبير
"
لا يخفى على أحد.
 
فمخيم جباليا، بؤرة الاستهداف الإسرائيلي الراهن، شهد أوسع وحدة ميدانية بين قوى المقاومة، اصطف فيها المقاومون بكافة مشاربهم إلى جوار بعضهم البعض، وتجسد فيه أعظم تكاتف شعبي خلف المقاومة ورجالاتها، فكان الاحتضان للمقاومين من قبل المواطنين الفلسطينيين، وكان الاحتفاء بهم ورعايتهم وتقديم الغذاء والخدمات لهم، مما دشّن مشروع وحدة وتلاحم حقيقي، استندت فيه البندقية الفلسطينية المقاتلة إلى عمقها الشعبي الأصيل.
 
ولم تكن باقي مناطق القطاع، أو حتى الضفة الغربية، بمنأى عن تجسيدات الوحدة الشعبية في مواجهة الهجمة الإسرائيلية، فقد خرجت، وما زالت، المسيرات والتظاهرات التضامنية، ونظمت حملات التبرعات الواسعة لإغاثة شمال القطاع، وإسناد أهله الصامدين.
 
ومع ذلك، فإن المجتمع الفلسطيني قاطبة لم يكن موحداً خلف المقاومة وممارساتها، فقد ارتفعت أصوات وآراء عديدة، نادت على استحياء بوقف إطلاق الصواريخ بحكم الالتزام بالمصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وإعادة النظر في آليات وأساليب المقاومة ضد الاحتلال.
 
والملاحظ أن هذه الأصوات، التي تنتمي في غالبيتها إلى السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وبعض المثقفين والسياسيين، بقيت هامشية معزولة، لا وزن لها أو تأثيرا، مقابل الحالة الشعبية المجتمعية العامة التي تنضح بدعم للمقاومة غير مسبوق.
 
لذا، فإن آمال شارون وحكومته في إحداث شرخ فلسطيني مجتمعي داخلي، ودفع الفلسطينيين للانقلاب على قوى المقاومة عبر ممارسته كافة أشكال الضغط والعدوان، لم يحالفها النجاح، بل شكلت حافزاً إضافياً لمزيد من الوحدة والتلاحم الشعبي غير المسبوق.
 
رؤية مستقبلية
لا شك أن مرارة الفشل في تركيع مخيم جباليا، وما ينتظره شارون من تداعيات محتملة لأزماته الداخلية المستعصية، لن تدفعه إلى الهدوء والاستسلام، فحماس لم تركع، وقوتها لم تذهب، والمقاومة لا زالت على أشدها، قوة وعنفواناً، وصواريخ القسام لم تتوقف، و"الكنيست" لا زال ينتظر الخامس والعشرين من الشهر الجاري للمصادقة على خطة شارون، مما يوفر استنتاجاً حتمياً بأن شارون لن يتورع عن مزيد من المغامرة في شمال القطاع، دون محاولة بلوغ عمق مخيم جباليا، واستباحة المناطق المكشوفة كبيت حانون وبيت لاهيا، خلافاً لرأي قادته العسكريين الذين اكتووا بقوة وشراسة المقاومة الفلسطينية.
 
ومن هنا، فإن أمد انتهاء حملة "أيام الندم" لا زال غامضاً، وإن كان من المرجح استمرارها حتى مصادقة "الكنيست" على خطة شارون، على ذات الوتيرة والكيفية الراهنة، يمكن بعدها أن نشهد انسحاباً تدريجياً مبرمجاً، يمثل خاتمة حملة "أيام الندم" التي لم يكن لها من اسمها أي نصيب، والتي قد تتلوها حملة أخرى باسم جديد، تبعاً لمدى حدة وعمق الأزمات التي يواجهها شارون.
_______________
كاتب صحفي فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة