جائزة نوبل في الفيزياء 2008   
الثلاثاء 14/10/1429 هـ - الموافق 14/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:50 (مكة المكرمة)، 10:50 (غرينتش)
الفائزون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2008 توشيهيدي مَسكاوا (يمين) وماكوتو كوباياشي ويويتشيرو نامبو (الفرنسية)

مازن النجار

منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل للفيزياء لثلاثة علماء، تنتمي أبحاثهم لحقل الفيزياء النظرية خاصة فيزياء جسيمات الذرة، ودارت دراساتهم واكتشافاتهم حول فهم مبدأ كسر التماثل أو "السيمترية" (symmetry) الذي أصبح مفهوما أساسيا للنموذج القياسي لفيزياء جسيمات الذرة.

تلقي هذه النظرية الضوء على الكيفية التي تجعل ثلاثا من أربع قوى تبدو متباينة في الطبيعة، تندرج تحت نفس الفئة. وتشكل النظرية حجر الزاوية لذلك النموذج القياسي.

العلماء هم يويتشيرو نامبو (87 عاما) عالم فيزياء (ياباني الأصل) بمعهد إنريكو فيرمي بجامعة شيكاغو، والذي بدأ صياغة توصيفه الرياضي لنوع من كسر التماثل، ويعرف بالتماثل المنكسر لحظيا، مبكرا منذ 1960، وماكوتو كوباياشي (64 عاما) من منظمة أبحاث المعجّل العالي الطاقة اليابانية في تسوكوبا، وتوشيهيدي مسكاوا من معهد يوكاوا للفيزياء النظرية بجامعة كيوتو اليابانية.

اكتشف كوباياشي ومسكاوا منشأ نوع آخر من كسر التماثل والذي يُلاحظ لكنه لا يُفسر. تنبأت أبحاثهما بأن للطبيعة على الأقل ثلاث عائلات من "الكْوَارْك" (quark)، وهي اللبنات الأساسية للمادة كالنيوترونات والبروتونات.

جذور الفيزياء الحديثة
ترتبط إنجازات الفائزين بأكثر المفاهيم جذرية بالنسبة لفهم العلماء للفيزياء الحديثة. فقوانين الفيزياء الأساسية تبدو متناظرة (متماثلة) بشكل بالغ. ولفهم ما يحيط بنا من نجوم وكواكب ومخلوقات ينبغي خفض هذا التماثل لتتاح فرصة ظهور بنية جديدة.

يشبه ذلك طلاء قماش أبيض، حيث تتماثل كل نقطة مع غيرها تماثلا تاما. لكن إضافة الطلاء يخفض درجة التماثل، وهذا يحدث دائما في الكون.
 
هذا الكون بدأ كبحر ساخن من الجسيمات المنتظمة المتماثلة، حيث تجانست قوانين الفيزياء مع بعضها في قانون واحد، لكن الجسيمات الساخنة بردت وتحولت لنسيج ملون وغني بالأشكال.

بدوره اكتشف نامبو أن تماثلات الطبيعة قد تكون خفية وتنكسر لحظيا. لقد أصبح مفهوم التماثلات الخفية الآن مبدأ هاديا في فهم الطبيعة عند أعمق مستوياتها.

إحدى طرق فهم التماثل المنكسر لحظيا هي تخيل مائدة عشاء مستديرة، حيث تتماثل مكونات المكان. فهناك منديل سفرة على يمين ويسار جميع الجالسين، لذلك تبدو جميع الجوانب متماثلة. ولكن بمجرد التقاط أحد الجالسين منديلا من اليسار، فهو قد قرر خيارات جميع الجالسين للمائدة، وانكسر التماثل.

التماثل المنكسر لحظيا
منذ أوائل الستينيات الماضية، كان نامبو يدرس ظاهرة التوصيلية الفائقة، حيث يسري التيار الكهربي تحت درجة حرارة معينة فجأة بدون مقاومة. تحت مستوى درجة الحرارة الحرجة، الإلكترونات التي تتنافر عادة مع بعضها تنضم لبعضها فجأة كأزواج.

استغرق تطوير مفهوم كسر التماثل اللحظي عامين من نامبو لتفسير آلية عمل التوصيلية الفائقة فيزيائياً. ثم طبّق المفهوم بسرعة على فيزياء جسيمات الذرة. فكان أول من طبق الفكرة على التماثل المنكسر لحظيا في فيزياء الجسيمات الأولية.

التماثل المنكسر لحظيا سمة دقيقة لمعادلات أساس النظرية، لكنها لا تتحقق (تتمثل) في حلول هذه المعادلات، وبالتالي لا تتبدى بسهولة في خصائص الجسيمات الأولية.
 
وقد أثبتت فكرة نامبو أهميتها الكبيرة في فهم خصائص الجسيمات المتفاعلة من خلال قوة نووية، كما ساعدت على توحيد التفاعلات الضعيفة والكهرومغناطيسية.

اكتشف نامبو آلية متضمنة بقوانين الفيزياء تسمح لطبيعة التماثلات بالتغير مع تطوّر الكون. بلغة الفيزياء، طرح (افترض) نامبو لمعامل "كمي"، لا تفصح المعادلات عن وجوده، ولا ملامح واضحة له، لكن قوانين الفيزياء تظهر أثره في خفض مستويات التماثل.

دراسة نامبو للتماثل المنكسر لم تمهد الطريق فحسب لبحث التماثل الخفي بفيزياء الجسيمات على نطاق واسع، بل أيضا فسرت ظواهر وألغاز أخرى في الفيزياء.

كسر تماثل مختلف
من ناحية أخرى، نظر كوباياشي ومسكاوا في نوع مختلف تماما من كسر التماثل. فقد كانا يحاولان حل لغز مجموعة تجارب فيزيائية محيرة أجراها جيمس كرونن وفال فيتش (الفائزان بجائزة نوبل 1980) بمنتصف الستينيات.

فجسيمات الذرة المعروفة بـ"K-mesons" لم تظهر نفس السلوك لدى استبدالها بجسيماتها المضادة، ونفس التجربة أجريت في عالم شبه زجاجي، حيث تبادل اليمين واليسار مواقعهما.
 
في 1972 وجد كوباياشي ومسكاوا أن هذا اللاتماثل المحيّر يمكن تفسيره إذا ما توسعت عائلة الجسيمات الأولية لتضم ثلاث عائلات من "الكْوَارك".

كان المعروف حينئذ ثلاثة من "الكوارك"، وهي العلوي والسفلي والغريب. ينتمي الأولان لعائلة واحدة، واكتشف الأعضاء المفقودون من العائلات الأخرى لاحقا في التجارب. واكتشف "كوارك" التعويذة charm (شريك كوارك الغريب) في 1974، و"كوارك" القاع في 1977، و"كوارك" القمة في 1994، وهذه تكوّن العائلة الثالثة.

تقترح نظرية كوباياشي ومسكاوا أيضا أن بإمكان الفيزيائيين ملاحظة كسر التماثل في نوع آخر من الجسيمات الأولية "B-meson"، وهي أثقل من "K-mesons" بعشر مرات.
 
ونظرا لأن كسر التماثل المتعلق بـ"B-meson" نادر الحدوث، قام الفيزيائيون ببناء مصانع عملاقة لـ"B-meson" كمعجل ستانفورد الخطي بكاليفورنيا، ومختبر معجّل كيك بمدينة تسوكوبا اليابانية.

تنتج هذه المصانع أكثر من مليون "B-meson" يوميا. وفي 2001 أكدت كلا التجربتين وجود كسر تماثل "B-meson" التي تنبأ بها كوباياشي ومسكاوا قبل ثلاثة عقود.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة