مزار شريف   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:14 (مكة المكرمة)، 17:14 (غرينتش)

ما هي مزار شريف؟ وما أهميتها العسكرية والسياسية للقوات الأميركية والبريطانية وللتحالف الشمالي المتعاون معهما؟ وهل يعني انسحاب قوات طالبان منها أن الطريق بات ممهدا للاستيلاء على كابول وزوال نظام حكم طالبان؟

هذا التقرير محاولة لتلمس الإجابة عن هذه الأسئلة.

الموقع الجغرافي
تقع مدينة مزار شريف عاصمة ولاية بلخ شمال أفغانستان بالقرب من ثلاث دول مهمة في منطقة أسيا الوسطى هي تركمنستان وطاجيكستان ثم أوزبكستان التي لا يفصلها عنها إلا 56 كلم فقط.

وترتفع فوق سطح البحر بحوالي380 مترا. وترتبط بالعاصمة كابول بخط بري يبلغ طوله 320 كلم وكذلك لها طرق تربطها بمختلف المدن الأفغانية كما يصلها بكابول خط طيران داخلي.

السكان
يبلغ عداد سكان مزار شريف وفقا لتقديرات عام 1988 حوالي 130.600 ألف نسمة معظمهم ينتمي إلى الطاجيك والأوزبك والتركمان. ولا يعرف بدقة نسب الانتماء العرقي أو المذهبي بين كل مجموعة سكانية غير أنه بالنظر إلى خريطة التوزيعات السكانية للشيعة الأفغان وطبيعة مدينة مزار شريف نفسها ووجود ضريح الإمام علي بن أبي طالب بها يوحي بكثرة أتباع المذهب الشيعي على غيره من المذاهب الإسلامية.

الموارد الطبيعة
تعتبر أراضي مزار شريف من أخصب الأراضي الأفغانية، وتشتهر بزراعة القطن والذرة ومختلف أنواع الفاكهة، وتروى من مياه نهر بلخ. وقامت بها بعض الصناعات الخفيفة التي تعتمد على غزل القطن وصناعات أخرى بدائية أهمها صناعة الحرير.

الأهمية الدينية لمزار شريف
لمدينة مزار شريف أهمية خاصة لدى الشيعة في العالم عموما وشيعة أفغانستان على وجه الخصوص الذين تبلغ نسبتهم ما بين 10 - 15 % تقريبا من تعداد السكان (27 مليون نسمة).

فبعض الشيعة يعتقدون أن جثمان الإمام علي بن أبي طالب مدفون في مزار شريف بعد أن تم إخفائه عقب مقتله في الحرب التي دارت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان خوفا من التمثيل به، ويقولون أن الجثمان وضع على ناقة بيضاء من مدينة الكوفة العراقية التي شهدت المعركة وسارت بالجثمان إلى أن حطت رحالها في البقعة المباركة التي أطلقوا عليها اسم مزار شريف.

ضريح الإمام علي
وطبقا للروايات التاريخية الشيعية فإن السلطان السلجوقي "سان خار" قد تحقق بنفسه من وجود جثمان الإمام علي في مزار شريف فأمر ببناء ضريح كبير فوقه تكريما له.

وعلى مر العصور توسع البناء وأقيمت فوق الضريح مآذن مذهبة وقباب ذات لون فيروزي، وجدران عالية مكسوة بالخزف والفسيفساء، والنقوش الجميلة، مما جعل المكان مزارا مبهجا، خاصة بعد أن تدفقت عليه النذور والقرابين من قبل الشيعة المنتشرين في أنحاء العالم المختلفة، فوضع بالضريح أفخر أنواع السجاد والثريات والمقابض الذهبية التي تزين الأبواب، ووقفت عليه المصاحف النادرة المكتوبة بأنواع الخطوط المختلفة والتي تمثل جمال الخط على يد كبار الخطاطين في العالم الإسلامي.

الصراع حول مزار شريف
اندلعت صراعات سياسية وعسكرية عديدة في السنوات القليلة الماضية للسيطرة على مزار شريف خفت حدتها نسبيا بدخول قوات طالبان إليها في الثامن من أغسطس/آب 1998.
ففي ذلك التاريخ حشدت طالبان حوالي 25 ألف مقاتل على حدودها مع إيران ووجهت باتجاه الحدود الإيرانية كذلك 65 من صواريخ سكود الروسية الصنع بعيدة المدى وأربع منصات للإطلاق التي استولت عليها من الأوزبك أثناء معاركها معهم في مزار شريف حتى تتفرغ لقتال المعارضة المتواجدة في المناطق الشمالية، وبالفعل استطاعت طالبان تحقيق بعض الانتصارات العسكرية واستولت على بعض المعدات العسكرية
منها كان من بينها عشرات الدبابات والطائرات التي كانت تحت إمرة القائد العسكرية الجنرال عبد الرشيد دوستم.

غير أن ما قيل عن انتهاكات لحقوق الإنسان وقعت بحق الأقلية الشيعية الموجودة بالمدينة خاصة ضد أعضاء حزب الوحدة الشيعي (يتخذ من باميان المجاورة مقرا له) والذي فرت قياداته إلى طهران وما تردد عن مسؤولية طالبان عن مقتل الدبلوماسيين الإيرانيين الموجودين هناك لم يمكن قوات طالبان من بسط سيطرتها وإعادة الاستقرار إلى هذه المدينة التي اعتبرت بؤرة تجمع رئيسية للمعارضة ونقطة ارتكاز للهجوم على طالبان.

الأهمية العسكرية والسياسية لمزار شريف
تمثل مدينة مزار شريف أهمية عسكرية وسياسية بالنسبة لقوات التحالف الشمالي المناوئ لطالبان إضافة إلى القوات الأميركية والبريطانية التي تشن هجوما عنيفا على أفغانستان منذ أكثر من شهر.

تحتل المدينة موقعا استراتيجيا هاما وسط الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى ولا سيما مع أوزبكستان (تقع مزار شريف على بعد 56 فقط منها) التي سمحت للقوات الأميركية باستخدام أراضيها في حملتها الراهنة على أفغانستان. ويوجد بها قاعدة عسكرية حديثة كان قد أنشأها الاتحاد السوفياتي أثناء غزوه لأفغانستان عام 1979 الأمر الذي جعل من طرد قوات طالبان وإحكام سيطرة التحالف الشمالي المتعاون مع الولايات المتحدة عليها واحدة من الأهداف العسكرية المهمة بالنسبة لهم.

وقد أضعفت عمليات القصف الجوي المكثف التي قامت بها الطائرات الأميركية والبريطانية واستخدمت فيها الطائرات النفاثة كبيرة الحجم (بي 52) قوات حركة طالبان الأمامية في مزار شريف. الأمر الذي أجبرها صباح اليوم 10/11/2001م على الانسحاب من المدينة مما تسنى لقوات التحالف الشمالي من دخولها.

وبالرغم الإعلان عن سقوط مدينة مزار شريف كلية في أيدي التحالف الشمالي وانسحاب قوات طالبان منها فإن الأمر لا يزال مبكرا للقول بأن انهيار حركة طالبان قد أصبح وشيكا وأن دخول العاصمة كابول قد أصبح قاب قوسين أو أدنى. فطالبان أعلنت أن انسحابها من مزار شريف هو انسحاب تكتيكي وأنها ستواصل حربها ضد القوات الأميركية والبريطانية وقوات التحالف الشمالي المتعاون معهما، ويظهر التاريخ السياسي الحديث لأفغانستان كثرة التحالفات وتغير الولاءات وأنه من غير الممكن لفصيل سياسي واحد أن يحكم كل أفغانستان كل الوقت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة