المسلسلات المدبلجة.. تسويق إعلامي للمفاهيم والقيم   
الأربعاء 1429/9/18 هـ - الموافق 17/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:32 (مكة المكرمة)، 11:32 (غرينتش)
 
 
أدوار خطيرة
تقنية مؤثرة
سياسة إعلامية ضعيفة
عوامل نفسية

شهدت نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة ثورة في وسائل الاتصال وتقنيات المعلومات، مندمجة مع ظاهرة تفجر المعلومات التي كانت تتضمن محتوى ضخما يمكن أن يصنف وفق معايير مختلفة على أنه سلبي أو إيجابي.
 
 
وقد برهن الكثير من العلماء والباحثين في مجالات الاتصال الإنساني وعلوم الإعلام على خطورة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام وتأثيراتها على الإنسان، واعتبروا أن المخلوقات البشرية مدفوعة لفهم أنفسها وبيئتها الاجتماعية، وهي تستخدم هذا الفهم في توجيه أعمالها وفقا لعلاقاتها المتبادلة مع الآخرين.

وقد رأى البعض منهم أن التسلية قد تكون هدفا جوهريا وسمة لكل المجتمعات، وهي أكثر من مجرد وسيلة للهروب أوالتخلص من التوتر، كما أنها وسيلة لتعزيز البعد الاجتماعي للإنسان وتعليمه الأدوار والقواعد والقيم من خلال التسلية مع الآخرين، وعندما يلهو الإنسان فإنه يعبر عن ثقافته.

"
الاعتماد على وسائل الإعلام عملية نفسية إدراكية تزيد من احتمالات أن يتأثر الفرد بمحتويات معينة في هذه الوسائل
"
التحكم بالمعلومات

وتكمن قوة وسائل الإعلام في السيطرة على مصادر المعلومات التي تساعد الأفراد على بلوغ أهدافهم الشخصية، علاوة على أن زيادة تعقيدات المجتمع تفرض زيادة اتساع مجال الأهداف الشخصية التي تتطلب الوصول إلى مصادر المعلومات.

ولذا فان الاعتماد على وسائل الإعلام عملية نفسية إدراكية تزيد من احتمالات أن يتأثر الفرد بمحتويات معينة في هذه الوسائل. وقد رصد ديفلر وروكيتش مجموعة من الآثار المعرفية والوجدانية والسلوكية التي تنتج عن اعتماد الأفراد على وسائل الإعلام.

ويؤكد كلاب شعور الأفراد بالاغتراب حينما لا يجدون معلومات وسائل الإعلام معبرة عن أنفسهم وثقافتهم وانتماءاتهم العرقية والدينية والسياسية، من خلال علاقات متبادلة بين نظمهم الاجتماعية ووسائل الإعلام، حيث إن لكل مجتمع ثقافته الخاصة التي تعبر عن القيم ومعتقداته وأنماط السلوك التي يتم نقلها عبر رموز لفظية وغير لفظية تعمق المدركات الثقافية.

وتزيد من فعاليات القوى التي تدعو إلى ثبات المجتمع والحفاظ على استقراره من خلال الاجتماع والسيطرة والتكيف الاجتماعي، في الوقت الذي توجد قوى أخرى تدعو للصراع والتغير.

وفي هذا الإطار تتشكل الفروق الفردية والفئات الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية التي يعمل النظام من خلالها على خلق حاجات الأفراد، مثل الحاجة إلى الفهم والتوجيه والتسلية.

وتلعب وسائل الإعلام دورا مهما داخل هذه النظم، وفي الأشخاص داخل هذه النظم، حيث تتضمن بعض القضايا والموضوعات التي تشكل رسائل الإعلام والاتصال للجماهير، والتي يستخدمونها بدورهم لاستكمال بناء الواقع الاجتماعي الذي لا يدركونه بالخبرة المباشرة.

وعندما يكون الواقع الاجتماعي محددا ومفهوما للأفراد ويلبي حاجاتهم وتطلعاتهم قبل وأثناء استقبال الرسائل الإعلامية، فلن يكون لرسائل وسائل الإعلام تأثير يذكر، سوى تدعيم المعتقدات والقيم وأنماط السلوك المرجوة بالفعل.

في حين تنعكس هذه الصورة عندما لا يكون لدى الأفراد واقع اجتماعي حقيقي يسمح لهم بالفهم وتوجيه السلوك، إذ سيعتمدون بقدر أكبر على وسائل الإعلام لفهم الواقع الاجتماعي، وبالتالي يكون لهذه الوسائل تأثير أكبر على المعرفة والاتجاهات والسلوك الاجتماعي.

وإذا ما أخذنا بهذه الرؤى والأفكار وعكسناها على الواقع العربي فسنجد أن مستوى الوعي الاجتماعي والثقافي للفرد العربي لم يرق إلى مستوى يؤهله لبناء المدركات والتصورات الحقيقية، وهو بالتالي سيخضع خضوعا تاما لمحتوى الرسائل الاتصالية التي تحملها إليه وسائل الإعلام.
 
 
وستنطبع خصائص المضمون الاتصالي في شخصية المتلقي العربي، والذي قد يدفعه إلى تكوين اتجاهات خاطئة نحو القضايا الجدلية، ولا شك في أن التقنية الجديدة قد غيرت في استقبالنا واستهلاكنا لرسائل الاتصال الجماهيري، ما زاد في خطورة التحدي الذي يواجهه المجتمع العربي بكل مقوماته الحضارية.

إن ما أتيح لهذه الأمة من تقنيات حديثة في مجال البث الفضائي إنجاز متقدم على طريق تعزيز قدرات الإنسان العربي فيما إذا تم استغلاله بشكل علمي وموضوعي سليم، والمتتبع لسياسات وإستراتيجيات عمل الفضائيات العربية سيجد تخبطا حقيقيا بين ما تذهب إليه إستراتيجيات هذه القنوات وبين الواقع العربي في المجالات الثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية والنفسية.

"
تشكل العديد من الفضائيات العربية اليوم قنوات لعبور الكثير من المفاهيم والقيم والعادات والتقاليد الغريبة على مجتمعنا، ويشاركها في ذلك كم لا يستهان به من الإنتاج الإعلامي العربي
"
رسائل إعلامية عديدة

لقد تجاوز عدد الفضائيات الناطقة باللغة العربية 260 قناة فضائية تعمل على مدار الساعة في سماوات مفتوحة، وتنقل الغث والسمين من البرامج والمسلسلات والمنوعات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، حتى أصبح المشاهد في سيل متلاطم من الرسائل الإعلامية والاتصالية التي تفرض وجودها وتأثيرها عبر أساليب ووسائل مختلفة.

وكان لاستخدام التقنيات الحديثة والأساليب الفنية في الإخراج واعتماد المؤثرات النفسية والعاطفية حيزا مهما في عمليات الترغيب والترويج الذي لجأت إليه الكثير من هذه القنوات، في إطار من التنافس الحاد لاجتذاب العدد الأكبر من المشاهدين.

واستحوذت هذه الفضائيات التي غزت معظم البيوت ببرامجها ومسلسلاتها المستوردة من خارج البيئة العربية على اهتمامات الكثير من المشاهدين وأضحت الشغل الشاغل لأعداد لا يستهان بها من الفتيان والفتيات.

واتخذ الكثير من العوائل وقادة الرأي موقف اللامبالاة إزاء ما تتضمنه البرامج والمسلسلات التي تبث من القنوات الفضائية العربية، وما تحمله من قيم ومفاهيم وعادات وتقاليد لا تمت بصلة إلى المنظومة القيمية والاجتماعية للأمة.

إن نجاح هذه المسلسلات والبرامج في كسب الجمهور وتحقيق أهدافها يشكل خسارة كبيرة لمصالح الأمة وطموحاتها في بناء مستقبلها وتعزيز قيمها الأصيلة في مجالات الحياة المختلفة.

التسويق للقيم
والتسويق الإعلامي للمفاهيم والعادات والتقاليد الوافدة يترك أثرا بارزا في البنى النفسية والفكرية والسلوكية للفرد العربي، في ظل تزايد المشاكل والمعوقات الثقافية والاجتماعية وحالة الانكسار النفسي والوجداني التي يعاني منها بسبب الإحباطات الكبيرة التي تعرض لها المجتمع العربي بفعل ترويض العقل العربي للقبول بالأمر الواقع، وتعميق حالة التناقض بين طموحاته والإنجازات المتحققة في واقعه المعاش الذي يدفع إلى زيادة الإحباط والتردي الذي طال الفرد والجماعة.

وتشكل العديد من الفضائيات العربية اليوم قنوات لعبور الكثير من المفاهيم والقيم والعادات والتقاليد الغريبة على مجتمعنا، ويشاركها في ذلك كم لا يستهان به من الإنتاج الإعلامي العربي الذي لم يرق إلى مستوى مسؤولياته الوطنية والقومية في مواجهة الوافد من الإنتاج التلفزيوني الأجنبي، وظل متخلفا فنيا وتقنيا إلا في بعض من إنتاجه المتميز، كما هو حاصل في عدد بسيط من المسلسلات السورية والمصرية.

وما يملأ شاشات الفضائيات العربية من المسلسلات والبرامج الأجنبية بقصصها وأحداثها البعيدة عن الموروث الأخلاقي للمجتمع العربي الإسلامي، إنما هو نتيجة طبيعية لسياسات القنوات الفضائية العربية، وضعف الإنتاج التلفزيوني العربي الذي لم يتمكن من تحقيق رغبات وحاجات ودوافع المشاهد العربي.

بل ترك المشاهد العربي يتخبط مع المسلسلات التركية أو المكسيكية التي جاءت متوافقة في تأثيراتها النفسية وأحداثها الدرامية مع حالات الإحباط والانكسار التي يعيشها الفرد والمجتمع العربي، رغم أنها ليست ذات قيمة فنية أو إبداعية، بل حتى إنها لم تحقق أي أثر فني أو درامي في بلدانها الأصلية.

إن وجود المفاهيم العلمانية غير المؤمنة والأرستقراطية والأسرة الممتدة والحب غير المثالي والحمل خارج إطار الزواج وبناء العلاقة غير الشرعية مع زوجة الصديق والخيانة والكذب على الزوج والسرقة العائلية، إضافة إلى تلك الإيحاءات الجنسية وغيرها من المفاهيم المنافية لسلوكنا وعاداتنا وتقاليدنا، هي بعض التأثيرات التي تتعرض لها العائلة العربية طيلة حلقات المسلسلات التركية، خاصة الفتيان والفتيات.

وأشارت إحدى الدراسات إلى أن 64% من مجموع مشاهدي المسلسلات التركية دون السن 23 سنة بينهم 12% من الأطفال، في حين أشارت دراسة أخرى في إحدى دول الخليج العربي إلى أن 88% من عينة الدراسة ركزت مشاهدتها على مسلسل تركي واحد.

وأوضح 66% من أفراد العينة أنهم يشاهدون أكثر من مسلسل أجنبي مدبلج، وأن 72% منهم فضل القصص الاجتماعية لهذه المسلسلات، ما يؤكد الحاجة الحقيقية إلى معالجة مشاكل المشاهد العربي الاجتماعية من خلال وجود إستراتيجات للإنتاج التلفزيوني العربي تساعد في إيجاد دراما عربية راقية تأخذ على مسؤوليتها مساعدة المشاهد في تجاوز أزماته النفسية والاجتماعية القاهرة التي يعيشها في بيئته الاجتماعية.
 
والجوع العاطفي الكبير في المجتمع العربي كان عاملا مهما من عوامل نجاح المسلسلات التركية، حيث غياب وجمود عواطف الرجل والمرأة العربية، وطغيان مشاغل الحياة، حولت العلاقة العاطفية إلى فعل روتيني ورتيب.

وإذا كان للمسلسلات التركية المدبلجة هذا الأثر في إثارة الغرائز وترسيخ المفاهيم والقيم السلبية لدى الإنسان العربي من خلال ما تقدمه من مشاهد، فإن هذا لا يعني أن المسلسلات الأجنبية المدبلجة أو المترجمة أقل خطورة وأذى من المسلسلات التركية.

بل هناك الكثير من الأفلام والمسلسلات والبرامج الأجنبية أكثر إثارة للقيم السلبية من المسلسلات التركية، ولكن الترويج الدعائي والإعلامي الذي قامت به بعض وسائل الإعلام بشكل مقصود أو غير مقصود سلط الأضواء أكثر على المسلسلات التركية، في محاولة لكسب الجمهور إلى هذه القناة أو تلك من القنوات التي تعرض المسلسلات التركية.

"
تكامل الأهداف الدعائية والسياسية والفكرية للغرب يأخذ أشكالا متعددة قد تكون مباشرة كما هو الأمر في القنوات الأجنبية الناطقة باللغة العربية
"
التلاعب بالعقول
إن الواقع الإعلامي العربي يشير إلى وجود خطط عديدة تتداولها مؤسسات بحثية أميركية وأوروبية متصلة بأجهزة هذه الدول، تدور حول السعي للتلاعب بالعقلية العربية الإسلامية، ومحاولة تقديم مفاهيم وأنماط فكرية مغلوطة للمتلقي العربي لغرض تشويه قيمه ومعتقداته وسلوكياته عبر وسائل الإعلام وخصوصا الفضائيات العربية.

بالإضافة إلى شراء أقلام بعض الإعلاميين والكتاب والصحفيين العرب، ودعم هذا المشروع بمئات الملايين من الدولارات لإعادة هيكلة الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في المنطقة.

إن تكامل الأهداف الدعائية والسياسية والفكرية للغرب يأخذ أشكالا متعددة قد تكون مباشرة كما هو الأمر في القنوات الأجنبية الناطقة باللغة العربية.

أهداف سياسية
ولابد من الإشارة إلى أن صناعة السينما والإنتاج التلفزيوني في الغرب لا يمكن أن تقع بعيدا عن الأهداف السياسية والفكرية والاقتصادية المرسومة للمنطقة العربية والإسلامية، والتي من الجائز أن تقع ضمنها مؤسسات الإنتاج التلفزيوني التركي التي لا يبتعد نظامها الاقتصادي والسياسي والثقافي كثيرا عن النظم الأوروبية، بل قد يكون ذا تأثير أكبر في المنظومة العربية والإسلامية بحكم الخلفية الثقافية والدينية للمجتمع التركي.

والتساؤل الذي يفرض نفسه على ضوء ما شغلته المسلسلات المدبلجة من اهتمامات الجمهور العربي، هو ما الحل؟ وكيف السبيل لإيجاد البدائل الصحيحة والمناسبة للحفاظ على ما تبقى من الموروث القيمي والاجتماعي للأمة؟

وهنا يأتي دور القيادات السياسية والإعلامية الوطنية ممثلة في الأجهزة الرسمية والشعبية والمؤسسات الإعلامية المستقلة والمفكرين والكتاب في مختلف الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في الانفتاح الحقيقي على الجمهور العربي والوقوف على مشاكله الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية،
وبناء إستراتيجيات عمل قادرة على تحقيق قدر أكبر من العلاقة مع الجمهور في معرفة احتياجاته ودوافعه، ودعم الإنتاج الإعلامي والتلفزيوني بالقدرات البشرية والفنية، والمخصصات المالية التي تتناسب وحجم الأهداف الوطنية والقومية في مجال الإنتاج التلفزيوني العربي، وفقا لإستراتيجية قومية شاملة فوق جميع الاعتبارات القطرية الضيقة.
________________
رئيس قسم الصحافة بالجامعة الأهلية في البحرين
 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة