الموقف المصري في أيام الندم   
الأحد 1425/9/4 هـ - الموافق 17/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 22:37 (مكة المكرمة)، 19:37 (غرينتش)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د. أحمد إبراهيم محمود

عناصر الموقف المصرى
إرباك الجهود السياسية
انتهاك معاهدة السلام
عدوى العنف

تترك عملية "أيام الندم" الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على السياسة المصرية. فمصر تعتبر أكثر الأطراف تأثراً بما يجري على الساحة الفلسطينية-الإسرائيلية، بحكم محورية القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية المصرية. وشكلت عملية "أيام" الندم تصعيداً عسكرياً هائلاً ربما يكون الأكثر حدة من نوعه منذ بدء الانتفاضة، وسببت إرباكاً شديداً للجهود السياسية التي كانت جارية قبلها، ولاسيما على صعيد ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

وتتنوع انعكاسات عملية "أيام الندم" على مصر سياسياً وأمنياً، إذ لا تقتصر فقط على ما سببته هذه العملية من تقويض للتحركات المصرية على صعيد تهدئة الأوضاع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولكنها تمتد أيضا إلى ما يفرزه التصعيد العسكري بين هذين الجانبين من انعكاسات أمنية متنوعة على مصر، والتي تجلت بصورة بارزة فى تفجيرات طابا.

عناصر الموقف المصرى

"
تعتبر مصر الانسحاب الإسرائيلي من غزة خطوة هامة لإنهاء حالة انسداد مسار التسوية دون أن توافق على المسعى الشاروني الذي يعتبر الانسحاب أقصى ما يمكن لإسرائيل أن تقدمه

"
دأبت مصر على محاولة تنشيط العملية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى في أحلك الفترات التي شهدت ذروة التصعيد العسكري والمسلح بين الجانبين. وعملت مصر في هذا الإطار على تكثيف جهودها السلمية بين الجانبين، مع عدم الاستسلام لليأس والإحباط حتى في الفترات التي بدا فيها أن عملية التسوية السلمية انهارت تماماً، ولم تعد قائمة أصلاً بين الجانبين.

وحرصت مصر على دعم ومساندة أي جهد دولي -مهما كان محدوداً- لإعادة دفع عملية التسوية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فضلاً عن تشجيع أي أفكار أو خطط إسرائيلية بشأن إحياء العملية السلمية، ولكن مع العمل على تطوير هذه الأفكار والخطط بما يقربها قدر الإمكان من الأطر المرجعية لعملية التسوية، وبالذات من حيث جعلها جزءاً من خطة خارطة الطريق.

وبموجب هذا التوجه، نحت مصر جانباً، ولو بصورة مؤقتة، شكوكها العميقة إزاء النوايا الحقيقية لرئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون، وتعاملت معه بإيجابية من أجل إنهاء حالة الاحتقان القائمة في حركة التفاعلات الفلسطينية-الإسرائيلية، ولكن من دون القبول بمنهجه القائم على التصرف الإسرائيلي الأحادي الجانب، بزعم عدم وجود "شريك" فلسطيني.

هذا الموقف المصري يمثل في جوهره الترجمة العملية لمفهوم "السلام كخيار إستراتيجي" وفق وجهة النظر المصرية، والتي تقوم على أن التصعيد العسكري وانسداد آفاق التسوية لا يحقق أي مصلحة حقيقية للأطراف المعنية خصوصاً، ولدول المنطقة عموماً.

ومع أن مصر تعترف تماماً بالحق الفلسطيني المشروع في مقاومة الاحتلال، فإنها تؤكد على ضرورة أن يكون إعمال هذا الحق مندرجاً في إطار إستراتيجية سياسية واعية ومنضبطة، بما يجعل من المقاومة عنصراً مساعداً على تحقيق الهدف السياسي الفلسطيني، والمتمثل في إقامة دولة مستقلة على الأراضي التي احتلت عام 1967. وتعارض مصر في هذا الإطار كل ما من شأنه أن يبعد الحركة الوطنية الفلسطينية عن هدفها السياسي، ولاسيما عمليات المقاومة التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين.

والبديل عن ذلك من وجهة النظر المصرية يتمثل في مواصلة جهود التسوية، حتى وإن عانت من التباعد الشاسع بين مواقف الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، اعتقاداً بأن التمسك بالسلام كخيار إستراتيجي من خلال إستراتيجية النفس الطويل في عملية التفاوض، والمتزامنة مع حشد وتكتيل المساندة الدولية والعربية للموقف الفلسطيني، سوف يساعد تدريجياً على تقريب المواقف بين الطرفين، وصولاً إلى اتفاق يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.

وخلال الفترة السابقة مباشرة على عملية أيام الندم كان التحرك المصري يسير في اتجاهين متوازيين، هما: مواصلة الترتيبات الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وتشجيع الحوار الوطني الفلسطيني. وتعتبر مصر الانسحاب الإسرائيلي من غزة بمثابة خطوة هامة على صعيد إنهاء حالة انسداد مسار التسوية، ولكن من دون أن توافق على المسعى الشاروني الرامي إلى الاكتفاء بهذا الانسحاب باعتباره أقصى ما يمكن لإسرائيل أن تقدمه للجانب الفلسطيني، على الأقل في المرحلة الراهنة، بل عملت مصر على أن يكون تنفيذ هذا الانسحاب جزءاً من خارطة الطريق، بحيث يليه تحريك عملية التسوية بأكملها.

وتتولى مصر مسؤوليات محددة ومباشرة في خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، تتمثل في تكثيف الجهود المصرية في حراسة الحدود المشتركة مع إسرائيل، والمساعدة في تدريب أجهزة الأمن الفلسطينية، والمشاركة في وضع الترتيبات الخاصة بمرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي في قطاع غزة.

أما تشجيع الحوار الوطني الفلسطيني من جانب مصر، فهو يهدف في جوهره إلى إنهاء حالة ازدواجية السلطة القائمة في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، والتى تؤدي للافتقار إلى وحدانية السلطة ومركزية القرار السياسي الفلسطيني، مع التركيز أيضاً على إصلاح هياكل السلطة على كافة المستويات، لاسيما المتعلقة بالأداء الأمني والتعاملات المالية. وتصب هذه الأمور من وجهة النظر المصرية في تقوية الموقف السياسي الفلسطيني، بما يوفر فرصاً أفضل لدفع عملية التسوية.

إرباك الجهود السياسية

"
ترى مصر في عملية أيام الندم عودة إلى الوراء وعدوانا إسرائيليا وحشيا على الشعب الفلسطيني كما ترفض حجج إسرائيل بشأن التهديدات الناجمة عن صواريخ القسام

"

كان في مقدمة انعكاسات عملية "أيام الندم" على مصر إرباك الجهود السياسية المصرية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. فمصر ترى في هذه العملية عودة إلى الوراء، بقدر ما هي عدوان إسرائيلي وحشي على الشعب الفلسطيني.

وترفض مصر الحجج الإسرائيلية بشأن التهديدات الناجمة عن "صواريخ القسام"، وتراها حجة واهية لإخفاء الهدف الإسرائيلي الحقيقي المتمثل في التنكيل بالشعب الفلسطيني والعمل على دفعه للاعتراف بالهزيمة الكاملة في مواجهة إسرائيل، وذلك من خلال تقتيل المدنيين وهدم البيوت وتدمير البنية الأساسية ومنع الإمدادات الغذائية عن الشعب الفلسطيني. ولذلك، أدانت مصر بقوة الاجتياح الإسرائيلي لشمال قطاع غزة.

وأدت عملية "أيام الندم" إلى تأجيل الزيارة التي كانت مقررة لكل من وزير الخارجية أحمد أبو الغيط ومدير المخابرات اللواء عمر سليمان إلى إسرائيل، والتي كان قد أعلن عنها منتصف سبتمبر الماضي، وكان من المنتظر القيام بها أوائل أكتوبر الجاري، وكان يفترض أن تندرج في إطار التحركات المصرية الرامية إلى مساعدة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في استكمال الترتيبات الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

وكان من الطبيعى في ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي في إطار عملية أيام الندم أن تجد مصر أن المناخ لم يعد ملائماً لتنفيذ هذه الزيارة، حيث جرى الإعلان عن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، إلا أن مصر واصلت تطبيق سياسة النفس الطويل في مواجهة هذا العدوان الإسرائيلي، على مستويين: الأول تمثل في طرح مبادرة على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، والثاني يتمثل في فتح قناة غير معلنة للتفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للتوصل إلى اتفاق ينهي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في مقابل


وقف هجمات صواريخ القسام على إسرائيل.

انتهاك معاهدة السلام

"
من المحتمل أن يقدم أرييل شارون على تنفيذ تهديداته بالاجتياح الكامل لقطاع غزة، ويوسع نطاق العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي

"
لا يخلو التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة من مخاطر وتهديدات مباشرة للأمن القومي المصري، ولاسيما من حيث ما قد يمثله ذلك من انتهاك حتى لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وهو الانتهاك الذي قد يحدث في حالة حدوث تصعيد إسرائيلي واسع النطاق في قطاع غزة، أو في حالة الاجتياح الإسرائيلي الكامل لقطاع غزة، بما يتضمنه ذلك من تزايد أعداد القوات الإسرائيلية في المناطق القريبة من الحدود مع مصر، وهو ما قد يمثل انتهاكاً لمعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية.

فالمادة الثانية من الملحق الأول من معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية تنص على أن هناك منطقة منخفضة التسلح على الجانب الإسرائيلي من الحدود المشتركة بين الجانبين، والمعروفة بالمنطقة (د). وتلتزم إسرائيل بنشر قوة عسكرية محدودة في هذه المنطقة، تقدر فقط بحوالى 4 كتائب مشاة، على ألا يزيد إجمالي عدد أفراد هذه القوة على 4 آلاف فرد، ومسموح للقوة الإسرائيلية في المنطقة (د) الاحتفاظ بما لا يزيد على 180 مركبة مدرعة، ولكن من غير المسموح لها بحال من الأحوال امتلاك دبابات قتال رئيسية أو مدفعية ميدانية أو صواريخ مضادة للطائرات، باستثناء الصواريخ أرض-جو الخفيفة المحمولة على الكتف.

ومع أن عملية "أيام الندم" الإسرائيلية تجري في الأغلب في شمال قطاع غزة، وتتركز الحشود العسكرية الإسرائيلية الرئيسية في تلك المنطقة البعيدة عن الحدود المصرية-الإسرائيلية، فإن هناك مخاوف من احتمالات إقدام رئيس الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ تهديداته بالاجتياح الكامل لقطاع غزة، وهو التهديد الذى كان شارون قد أطلقه بداية شهر أكتوبر الجاري، وأشار فيه بقوة إلى احتمال قيامه بتوسيع نطاق العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك إعادة الاحتلال الكامل لقطاع غزة‏، مع التهديد بأن القوات الإسرائيلية سوف تظل منتشرة في الأماكن


التي تتوغل فيها إذا اقتضى الأمر ذلك.

عدوى العنف

"
نتائج وانعكاسات تفجيرات طابا تصب لصالح إسرائيل إذ جعلت مصر مستهدفة بإرهاب يصيبها هي وإسرائيل معاً
"
ولكن التأثير الأقوى لأجواء العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين عموماً يظل متمثلاً في تطاير بعض الشرر إلى مصر ذاتها، وهو ما تمثل في تفجيرات طابا التي وقعت مساء الخميس 7 أكتوبر الجاري، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 34 من الإسرائيليين والمصريين وغيرهم. ومع أن الغموض ما زال قائماً بشأن المنفذ الحقيقي لهذه التفجيرات، فإن هناك ما يشبه الإجماع على أنها ترتبط بشكل أو بآخر بعمليات القمع الدموية التي تقوم بها حكومة شارون ضد الفلسطينيين، بحيث تمثل هذه التفجيرات رداً على السياسات الشارونية، أياً كانت هوية منفذيها.

فالاتجاه الأغلب لدى معظم الأطراف في مصر، سواء الرسمية أو الإعلامية أو حتى في أوساط الرأى العام، يميل إلى اعتبار تفجيرات طابا بمثابة انتقام من إسرائيل ليس فقط على تنكيلها وإذلالها للشعب الفلسطيني، ولكن أيضا الانتقام من عملية أيام الندم الدموية، وما تضمنته من هجمات وحشية ضد الشعب الفلسطيني في شمال قطاع غزة، ولكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن منفذي تفجيرات طابا هم من الفلسطينيين.

والإشكالية هنا تتمثل في أن نتائج وانعكاسات تفجيرات طابا تصب في الأغلب لصالح إسرائيل، فهي جعلت مصر مستهدفة بإرهاب موجه، مما جعله يصيب الاثنين في آن واحد معاً. فإذا كانت التفجيرات موجهة أصلاً ضد السياح الإسرائيليين في سيناء، إلا أنها وقعت على الأرض المصرية، وسببت لمصر خسائر بشرية ومادية جسيمة.

ولذلك، فإنه حتى إذا كانت مصر ترفض بشدة سياسات شارون وتعارضها، فإنها قد تجد نفسها في حاجة لقبول قدر أكبر من التعاون الأمني مع إسرائيل للحيلولة دون حدوث مثل هذه التفجيرات مجدداً على أراضيها. وليس خافياً أن الجانب الإسرائيلي هو الذي ظل يسعى طيلة الفترة الماضية لبدء مثل هذا التعاون  الأمني مع مصر، وذلك على خلفية ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، بما يتضمنه ذلك من المطالبة بزيادة الوجود الأمني المصري في شبه جزيرة سيناء حتى لو اقتضى ذلك تعديل بعض بنود معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية.

وعقب تفجيرات طابا، بدت إرهاصات التعاون الأمني بين مصر وإسرائيل واضحة بالفعل فور وقوع التفجيرات ذاتها، إذ سمحت مصر لعناصر من الأمن الإسرائيلي بالدخول إلى موقع الحادث، جنباً إلى جنب مع عناصر الإغاثة والإسعاف. وحتى إذا رفضت مصر التعاون مع إسرائيل بصورة واسعة في مجالات مكافحة الإرهاب، سواء للاختلافات الواسعة في تعريف الجانبين لمفهوم الإرهاب، أو تفادياً لما يثيره مثل هذا التعاون من حساسيات سياسية وشعبية ترى مصر أنها في غنى عنها، فإنها -أي مصر- سوف تجد نفسها على الأقل في حاجة إلى التعاون مع إسرائيل في مجالات تأمين السياح الإسرائيليين القادمين إلى سيناء في المستقبل منعاً لاستهدافهم في





أي هجمات مستقبلية.
________________
خبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة