الوجه الباطني للاستبداد   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)

د. بومدين بوزيد

عقلانية المعلوماتية
إيطيقيا السياسة
الجزائر نموذجا
سيادة القانون
الهيمنة الفردية
الممارسات الباطنية لقمع الحريات

عقلانية المعلوماتية

"عقلانية المعلوماتية" تتجاوز عقلانيات وحداثات سابقة وتضع لنفسها الكوجيتو الخاص بها في عالم يتجه نحو عولمة يرى فيها بعض فلاسفة هذا العصر الغلبة والانتصار للنمط الليبرالي الغربي، وهي نهاية (قيامة) بطريقة لم تتحدث عنها الأديان وكتب نهاية العالم بهذا الشكل، وإن كانت فلسفة "الاختلاف الدريدية" تنتقد هذه الأفكار الأميركية بخصوص النهايات وتسخر من المنطق الداخلي الذي تتميز به فهو منطق هيمني يتسم بالغرور.


استمرت الدولة الوطنية القائمة على العسكر ومنطق القبيلة فخلقت الدولة الهجينة وتآكلت من الداخل وأفرزت نقائضها
مهما كان الخلاف حول فلسفة النهايات وهل فعلا ينتهي العالم إلى النمط الليبرالي الغربي أم سيكون الصراع بين القيم والعقائد ويرتسم العالم على أساس الشرق والغرب فإن نصيب العرب في هذه العقلانية الجديدة يكاد يكون غائبا في ظل استمرار للاستبداد ولإشكالات فكرية وسياسية وهمية ظلت تلاك منذ قرن من الزمن، لم نحقق الإقلاع النهضوي وظلت الخطابات الشعبوية المشبعة بقيم التخلف مهيمنة واستمرت ببقاء الدولة الوطنية القائمة على العسكر ومنطق القبيلة التي كان من المنطق التاريخي أن تبقى مرحلة زمنية كحاجة تاريخية ثم تزول، ولكنها للأسف استمرت فخلقت الدولة الهجينة وتآكلت من الداخل وأفرزت نقائضها، نقائض تفكر بنفس الآليات، فبقيت المرجعيات والمحددات التاريخية والعشائرية هي الحاضرة دوما والتحكم إلى المقدس في حالات التنازع والتقاتل.

إن هذا الخلط وإزالة الحدود الفاصلة بين الأنظمة الفكرية أو الدينية أو الشعائرية هو المؤدي إلى إنتاج مقولات إعدام الآخر الممتلك لأنظمة فكرية غير هجينة وتفرق بين ما هو ديني وما هو دنيوي وما هو ماض وما هو حاضر، هذه الأنظمة تتسم بالتمايز والوضوح، وهو بهذا الانفصال وطابع العلمية يشكل خطرا وتهديدا على الأنظمة غير المقننة والمحددة والتي تتسم في الغالب بطابع التداخل ولا تستطيع التحرر من هيمنة "الذاكرة" بل على العكس أحيانا هذه الأنظمة هي التي تهيمن على هذه الذاكرة باحتوائها وتأويلها تأويلا أحاديا ضيقا نفعيا، ومن هنا يكون العجز إما في إقامة التحاور مع "أنظمة العقل" المتحررة من المرجعية الذاكرية المستبدة أو في إنتاج مقولات حداثية، أو في الإجابة عن التحديات الراهنية.

الأزمات المنهجية والمفهومية في الفكر العربي المعاصر ترتبط في جزء منها بهذه الأنظمة الذاكرية التي انتعشت أكثر في بلدان عرفت باسم "الدولة الوطنية" المفتقدة إلى الشرعيات العقلية ما عدا الشرعية التاريخية ولعل ارتباط جزء كبير من المثقفين العرب بتنظير هذه الذاكرة هو الذي حال دون إبداع فكر عربي حداثي دون مرجعية ماضوية أو حاضرة (ماركسية أو فلسفات غربية أخرى) هي ماض بالنسبة لنا ليس بالمعنى الزمني ولكن بالمعنى الحضاري بمقياس الإبداع والتجديد والقدرة على تبيئة المفاهيم والمنهجية التي نتأثر بها، فهي ماض رغم زمانيتها، ولأنها كذلك استجابة لوضع وقيم حضارية تتميز عنا.

مهما كانت الخطابات الثقافية أو السياسية اليوم المحددة بآليات هي في جوهرها -كما قلت- عائق أمام القدرة على التجديد والإبداع والمشاركة المثلية في الحضارة الإنسانية القائمة والتي ستتطور بسرعة في القرن الجديد، فإننا بالتأكيد ستفرض علينا هذه العولمة التخلي عن كثير من القضايا المستهلكة في فكرنا العربي المعاصر، كما سنتخلى اضطرارا عن الاحتكام إلى الشرعيات التاريخية أو إلى المقدس أو البقاء ضمن التأطير العشائري أو بناء الحسابات السياسية على أساس نصيب الغنيم.

إيطيقيا السياسة

الاجتهادات المتنوعة اليوم في حقلي الفكر السياسي والأخلاقي -الإيطيقي في الغرب يمتد فضاؤها النصي والممارساتي من الأنواريين في العصر الكلاسيكي كـ"مل"و"جون لوك" و"روسو" إلى أبرز مفكر أميركي اليوم "جون راولس" John Rawls صاحب كتاب " نظرية العدالة" الذي صدر سنة 1971 بالإنجليزية وترجم إلى الفرنسية عام 1987، وقد لقي رواجا كبيرا وترجم للغات أخرى وللأسف لم يترجم إلى العربية إلى اليوم حسب علمي، رغم أهميته الآنية بالنسبة للعدالة المريضة عندنا ووضع حقوق الإنسان المتدهور 1.

كما يتم التوجّه نحو ما يسمى "إيطيقا السياسة" أي البحث في قيم وأخلاقيات الممارسة السياسية، وهذا له علاقة أيضا بما يسمى "أخلاق وثقافة التواصل" 2، هي دراسات وأبحاث لقيت رواجا بعد سقوط السوفيات وهيمنة أميركا، وكانت الأطروحة المشتركة اعتبار الأنظمة التوتاليتارية التي أنتجت الحربين العالميتين رمزا للشر بل هي الشر بتعبير صاحبة أشهر نظرية حول الأنظمة الشمولية "حنا أرندت" 3 ، ويحاول الإعلام الأميركي اليوم وبعض الأوروبيين بعد 11 سبتمبر/ أيلول تصوير هذا الشر مستمرا من خلال الإرهاب 4.

ما يلفت الانتباه في المراجعات والاجتهادات الحاصلة في مثل هذه الأعمال هو نقد الليبرالية المعاصرة واعتبارها منحرفة عن المبادئ الإنسانية التي قامت من أجلها، سواء في تحويل المواطن إلى أداة كبقية الأدوات والتكنولوجيا، وقهره داخل المؤسسة، ومن هنا الحديث عن العدالة بمعنى إعادة فرديته وإنسانيته في مؤسسات عادلة تتواصل معه كإنسان، وهناك أيضا الاهتمام بقضية "الجماعية" أو "حقوق الأقلية، خصوصا اللسانية" ويعتبر الفيلسوف الكندي "شارل تايلور" 5 أبرز المتحدثين عن هذه المسألة، فمسألة الهوية تطرح كمشكل "عدالة توزيعية" ويطرح هذا المفكر وزملاؤه في هذا الميدان صيغة "المواطنة المتعددة-ثقافيا"، أي عدالة توزيع "الحقوق الثقافية" التي تسمح باحترام الفرديات، التي تبنى أساسا على "حقوق الجماعة" ثقافيا 6، وهنا نلمح النقد القوي للعصر الأنواري الذي أعلى من شأن حقوق الفرد، فالتعبيرات الثقافية المتنوعة هي "حقوق جماعية" ومحكومة بثلاثة أسباب عقلانية:

  • حيادية الدولة.
  • فردانية أخلاقية.
  • مبدأ الإنصاف.

أي أن كل مجموعة تأخذ نفس الحق.


المؤمنون يعيشون قبرا بظلم حكامهم وطغيانهم والكافرون في نعمة جنة العدل والخير
أما نحن في المجتمعات العربية –خصوصا دول المغرب العربي - فما زلنا أمام خيار واحد، خيار النموذج الأنواري البحت في صيغته الفرنسية التي ورثنا جزءا منها رديئا، والمستهلكة تقليدا وتكرارا بوعي أو بغير وعي عند بعض ليبراليينا (المثقف أو السياسي)، فهناك اليوم صيغ واجتهادات عديدة إلى جانب ميراثنا الحضاري ، ولو أنه –أي هذا الميراث- في سنيته الرسمية المعثمنة 7 فيما بعد مغلف ومحكوم ومغلق بفكرة "المستبد العادل" الذي لم يكن عادلا، وبقاعدة "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وهنا نتذكر الرحالة "أبا حامد الغرناطي" حين أول الحديث النبوي التالي –ولايزال هذا صالحا أي التأويل إلى اليوم– " الدنيا قبر المؤمن وجنة الكافر" ، وتأويله أن المؤمنين يعيشون قبرا بظلم حكامهم وطغيانهم والكافرين في نعمة جنة العدل والخير، لقد مر هذا الرحالة بدول أوروبية كانت بدأت تنهض في القرن الثاني عشر والثالث عشر ميلاديين.

الجزائر نموذجا

إن عملية التواصل أو القطع مع بيئتنا التاريخية وذاكرتنا يختلف من بلد عربي لآخر، فالجزائر ليست السعودية أو المغرب مثلا، فالاختراق الكولينيالي –الليبرالي ضرب كل ما يمت بصلة لتركيبة السلطة التقليدية، ولكنها أسهمت في خلق نمط دولة خرجت من رحم المرحلة السابقة مازالت مستمرة معنا، سواء في البنية الإدارية أو بعض المدونات القانونية أو بعض القيم السائدة في الحكم والتسيير، وهو عامل كان وراء الهزات العنيفة منذ أحداث أكتوبر/ تشرين الأول 1989 وما لحقها من توقيف الانتخابات بداية التسعينيات من القرن الماضي، فمازال عدم الاستقرار هو الإستقرار وهو الشيء العادي، وقد يستمر لسنوات أخرى، إنه التدهور السياسي وتعدد المتاهات والمخارج ويبرز ذلك جليا كلما أقبلنا على انتخابات ما.

ففي الجزائر ستبقى الهوية مصدرا للنزاع، وقد يكون هذا النزاع إبداعيا إذا كان حضاريا وبوعي ولكن حين يصيرمتكئا سياسيا أو لتحافظ بها الجماعات أو الطوائف العرقية واللغوية على بقائها واستمرارها فإنه ينتج الصدام والعنف والإقصاء والكراهية، إن هويتنا الوطنية مأزومة اليوم والمثقف تقريبا غائب لا ينتج المعرفة المتعلقة بهذه المسائل ولا يجيب عن التحديات الراهنة، ماذا تصنع هوية يراد لها أن تستمر بالقرارات وتأسيس المجالس العليا أو يكون مطلب لرفض بقرارات لجزء منها؟ إن الذين يقررون أو يرفضون مهما بدا لنا من تعارضهم هم عقل واحد ينتج نصا واحدا ويكرسون آليات واحدة، والمثقف العربي له إمكانة المساهمة الفعالة في كشف المنطق الداخلي لهذا التفكير وعوائقه المنهجية وتحليل وسائله المفهومية بتلمس العناصر المشتركة التي تجعل ما يبدو متعارضا ومتنافرا على مستوى الخطاب هو عقل واحد يكرس نمطية في التفكير مستنسخة، ومن هذه العناصر:

  1. الصراع حول امتلاك المقدس: استخدام المقدس تم استخدامه من طرف النظام قبل المعارضة فهو أحد أبعاد الحقل السياسي ويشكل المخيلة الاجتماعية وينتعش من خلال جدل الحضور والاختلاف، ففي غيابه حضوره.
  2. الثنائيات والتلفيقية: إننا مغرمون بالأزواج (الثنائيات)، وحين تتعبنا أو نعجز عن المخرج من المأزق نلجأ إلى التلفيقية Syncrétisme، هي أزواج مغلوقة وليست مفتوحة مفقرة، وحتى عندما يراد الخروج منها أو ترضية الأطراف المتناقضة ينتهى إلى تلفيقية مبسطة -كما قلت- لا تغني ولا تسمن من جوع، إنها وسطية وهمية شبهها أحد الكتاب العرب بـ"النخلة العربية" التي تسمح بتجاور الشيئين وأحيانا الضدين، "إن رأسها في الشمس وأقدامها في الماء".
  3. نمذجة التفكير: إن النموذج حاضر دوما في مناقشاتنا قد يكون عامل إبداع ولكنه في حالتنا معوق للتفكير الخلاق حين يكون تفكيرنا عاجزا عن التفكير إلا ضمن النموذج، قد يكون ماضيا أو حاضرا وغالبا ما يوقعنا في آلية التماثلية والمقارنة 8.

سيادة القانون

عد الاستقرار هنا معناه عدم رسوخ المؤسسسات وسيادة القانون، فهناك تداخل للصلاحيات والتأويلات الفاسدة للقانون، كما كان وما زال التأويل الفاسد للتاريخ والذاكرة، فلا فاصل بين المشرع والمنفذ والمعاقب –بكسر القاف- وتبرز هذه المظاهر أكثر في الدولة المفتقدة للشرعية الديمقراطية أو التي تنتقل إلى حصر السلطات في يد الزعيم، وفي مجتمعاتنا هناك سهولة في بروز الفردانية الملهمة الكاريزمية التي تكون مبشرة ومنذرة على الطريقة النبوية المهدوية، فهناك المكونات النفسية والاجتماعية التي يتم في أي لحظة استدعاؤها وتنشيطها 9 ، قد تكون حاجة تاريخية في ظروف معينة للتحرير أو لدرء الخطر الخارجي، ولكن في الظروف العادية تكون وبالا على الديمقراطية والحريات.


غالبا ما تكون الشخصية المنفردة بالسلطة مريضة، فهي تسعى نحو القهر وترى ذاتها لها الفضل في التاريخ وتعيش وهم "الدين"
وغالبا ما تكون الشخصية المنفردة بالسلطة مريضة، فهي تسعى نحو القهر وترى ذاتها لها الفضل في التاريخ وتعيش وهم "الدَّين" أي أن الآخرين عليهم دينا يردونه، فنكون علاقته بأمته علاقة مديونية، ويصاحب هذه الهستريا ثقافة وقيم تعمل على تنشيط مخيال الزعامة، وتصوره على أنه هو المنقذ، وتصوروا معي حينما يطرح السؤال التالي وهل يوجد أفضل من هذا الحاكم؟ إنه الخطيب المفوه، هل يوجد بليغ مثله؟ لاحظوا ما زال البيان سحرا عند مثقفينا وفي تنشيط مخيالنا، هي الخطابة التي يستمتعون بها ويتوهمون الخروج من التخلف والفوضى والعنف 10 ، ومن هنا يمكن كذلك فهم التعاطف مع صدام ضد الأميريين الذي يحيلنا على صورة جمال عبدالناصر أو بومدين، إنه تعاطف الذين يشعرون بالعدوان والظلم من الغرب ويتوهمون أن هذه الزعامات المحتكرة للذاكرة والتاريخ هي التي تخلصنا من إسرائيل والغرب وتعطينا التفوق، في حين أنها لن تجلب سوى مزيد من المآسي.

أليس من العجب أن يتصور لاحقا أنه ولي من أولياء الله 11 ما دامت المشايخ الطرقية يدعون له بالنصر؟ ويذكروننا هؤلاء بما قام به بعض أجدادهم في الدعوة بالخير والنصر لبعض البايات والدايات في العهد التركي الذين تميز عهدهم بالظلم وسفك الدماء، إن هؤلاء لا يدركون التصوف في جوهره النقي كما نقرؤه في الحكم العطائية أو نصوص محيي الدين بن عربي أو غوثيات سيدي أبي مدين التلمساني، أو ما تركه من آثار الأمير عبدالقادر الجزائري 12.

إن مفهوم الشر 13 رغم أصوله اللاهوتية والأسطورية يتكرر ويتجسد أساسا من خلال طبيعة الأنظمة، فالشر في الجزائر منذ سنوات هو الإرهاب والتسلط الذي قد يدمر كل شيء، وهو تسلط مرتبط بمجموعات المصالح، فما معنى اليوم أن نتهاوى إلى هذا الحضيض وبدل الخلاف حول الأفكار والقيم والمشاريع والبرامج نختلف حول الأشخاص فتكون العصبية والعشائرية وعقلية اللصوصية هي المستحكمة، والتطورات الحاصلة اليوم هي انزلاقات خطيرة نحو ضرب مظهرين كان علينا تطويرهما وتحديثهما، الظاهرة الحزبية بتفتيتها وإفراغها من محتواها وجوهر معارضتها، والظاهرة الإعلامية بتكميم الأفواه وسجن الصحفيين 14، في حين يتم إغداق الأموال ومسح الديون ونسيانها لجرائد أخرى تهتف باسم الرئيس وتلعن كل معارض، ولا يستحيي بعض مالكي هذه الجرائد في الإشادة بدور الأمن باستجواب وسجن الصحفيين ويدافعون عن بوتفليقة بلغة مبدأية وهم في ذلك يبزنسون بمواقفهم ويحاولون الضحك على القارئ، فبعضهم لا يصلح إلا أن يكون حوانتيا بقالا لا علاقة له لا بالمهنة الإعلامية ولا بالسياسة 15.

إن أنظمتنا العربية لم تستطع تجاوز الاستبداد كشكل تسلطي أو كسلوك يومي في المؤسسات وحتى كثقافة وقيم، بل يتواجد أحيانا حتى في الأحزاب المعارضة التي تطالب بالديمقراطية، هي أشكال انتقدها "عبد الرحمن الكواكبي" في القرن التاسع عشر وما زالت قائمة بل أحيانا بصورة أسوأ، بعضها –أي هذه الأنظمة العربية- يتهاوى بفعل القوى الخارجية والضغط الدولي 16.

الهيمنة الفردية

هناك أنظمة عربية ذات طبيعة معقدة قد تتداخل فيها مراحل مواصفات سلطوية في وقت واحد وتنمحي التمايزات، قد يسميه البعض الهجانة 17 ولكن يمكننا تسميته بـ"سلطة العصب المقرصنة" 18، فليست بالأحزاب أو التنظيمات الواضحة، هي مجموعات تشكل عصبا أو قبائل تتنازع حول المال والاستحواذ على مصادر القرار وبالتالي هي ذات سلوك قرصني مدمر، والمثال هنا الجزائر، التي يفاخر مسؤولوها وبعض مثقفيها العوام بالديمقراطية وأنها دولة المؤسسات.

إضافة إلى ما يتحدث عنه الكثيرون من تسلط الجيش 19 والعصابات المافياوية على الحكم، هناك عوامل أخرى يمكن ذكرها ووصفها وهي ضرورية في فهم طبيعة التسلط في النظام الجزائري الذي قد يكون مرتبطا أحيانا بطبيعة الحاكم أو الجماعة الحاكمة، وإذا أردنا مقاربة فهم طبيعة الحاكم عندنا -رغم التباين والتمايز أحيانا- يمكن ذكر العوامل الثلاثة التالية التي تشكل طابع الهيمنة الفردية وتخلق المحاكاة حتى عند المسؤولين على مستويات أخرى في السلطة:

  1. "المديونية التاريخية": التي يتميز بها الحاكم، وهي شعور وقناعة متوارثة عند جيل معين ومجموعة معينة ترى أن البلد والشعب مديونان لهم بكونهم قادوا بلدهم إلى الاستقلال، وبالتالي فإن انتخاب الشعب لهم وقبولهم والرضا بهم والهتاف بحياتهم هو رد لهذا الدَّين، والشعور بـ"المديونية التاريخية"، أي كون الآخر يؤدي دَينا في علاقته بالحاكم لا توجد عند الأنظمة الديمقراطية المعاصرة اليوم، قد لا يصرح الحاكم العربي، بذلك ولكنه يعاني منه كحالة مرضية تطورت واستعصي علاجها، خصوصا إذا كان البعض من هؤلاء عزل وحرم من السلطة، ويعود إليها محملا بالغيض والحنق، ويبالغ محيطوه ومناصروه في اعتباره المنقذ الوحيد لهذا البلد ويصدق ذلك هو نفسه ويتحول لديه إلى حالة نفسية مرتبطة بالشعور بالمديونية التاريخية، ومن هنا علاقته مع التاريخ علاقة تسلط ويحاول فرض قراءته هو للأحداث، بل قد يحتكر إنجاز الدولة في مرحلة ما لنفسه باعتبار هو أحد أعضاء القيادة حينها، وآخر قد يختار مرحلة أخرى تقيم كمرحلة تقدم وإنجاز.

  2. قد يقع التعارض والتناقض في موقف هذا الحاكم أو ذاك على اعتبار مصلحي أو إستراتيجي وتكتيكي
    "المزاجية المتقلبة":
    قد يقع التعارض والتناقض في موقف هذا الحاكم أو ذاك على اعتبار مصلحي أو إستراتيجي وتكتيكي في مقارعة خصومه والانتصار عليهم، ولكنه قد يعود إلى طبيعة مزاجية متقلبة يبيت على حال ويصبح على حال أخرى، يرضى اليوم عنك وغدا هو ساخط عليك، وقد كتب أجدادنا في نصوصهم الخاصة بالإمارة أن هؤلاء قد يفسدون الملك والحكم ولزمهم الردع من المستشارين والمقربين إذا كانوا مخلصين غير متملقين ومتزلفين وقد لاحظ ذلك "ابن المقفع" وغيره الذين عاصروا خلفاء وأمراء من هذا النوع أن هذه المزاجية قد تعود إلى طبيعة الطفولة المحرومة ولكن بالتأكيد أن الشعور بالمديونية التاريخية له حضوره في طبيعة هذه المزاجية المتقلبة.
  3. "الوهم بالمهدوية": نستعمل هنا المهدوية كحالة نفسية يشعر به الحاكم أو يعتقدها مناصروه، وليس كمذهب ومعتقد له سياقاته التاريخية والثقافية، ولكنها حالة مركبة قد تنهل من المتوارث الديني والعقائدي لفكرة المهدي المنتظر، أعجبني تعبير زميل لي بالجامعة حين راح بوتفليقة يدشن حملته الأولى للرئاسيات "أنه بدأ من تأبين بومدين" 20 جاء وفي ذاكرة الشعب صورة ذلك الشاب ذي الصوت الرخيم البليغ وهو يؤبن الراحل هواري بومدين في مقبرة العالية، إنه تأبين لمرحلة سابقة وليس لشخص الرئيس ثم اختفى ليعود كهلا ولكن بنفس الصوت والبلاغة لا ليؤبن ولكن ليبعث هو من الرماد طيرا يلتف حوله بعض مشايخ الزوايا ويصورونه الطير المبارك الآتي بالغيث، يعيد استحضار صورة البرنوس وصورة بومدين وصورة الجماهير الهاتفة بالوطنية في زمن الانكسارات والدماء البريئة التي يلعقها الإرهابيون متلذذين بموتاهم، يحاول التماهي مع ذلك الزمن السبعيني تاركا تأثيرا نفسيا عند الجماهير أنه المنقذ والمصلح الذي يجمع هذه الأمة على كلمة سواء ويصلح ما أفسده الآخرون.

قد تتلاقى هذه الحالة المرضية مع اعتبارات مصلحية سواء عند هذا الحاكم أو عند مجموعات أخرى ترى في ضرورة بقاء هذا الحاكم الفرصة التاريخية، أما المعارضون فقد لا يختلف بعضهم عن هؤلاء القراصنة الجدد.

نحن في حاجة إلى عمليات حفرية أركيولوجية –بلغة فوكو- 21 للكشف عن بنية الاستبداد في أنظمتنا العربية، وهذا يتطلب الاستعانة بالحقول المعرفية الإنسانية الجديدة كعلم الدلالة والأنثربولوجيا والهيرمينوطيقا واللسانيات وفلسفة التاريخ والمستقبليات، فتحليل الخطاب السياسي الرسمي أو المعارض يحتاج إلى فهم الدلالات وكشف البواطن من خلال منهجيات هذه العلوم الجديدة، وفهم السلطة العربية وتناقضاتها يقتضي ربط ذلك بالجذور والميراث التاريخي والتداخلات المالية والمصلحية والنفوذية، كما أن فهم طبيعة الحاكم –التي هي أحيانا مرضية– تحتاج كذلك إلى إعمال سرير إكلينيكي لتحليل الطبيعة الاستبدادية المرضية.

إن وصف الاستبداد أو التاريخ له خطوة أولية ولكن الخطوة الأهم والأعمق هي كشف ومعرفة هذا الاستبداد في عملياته المعقدة واستمراره معنا إلى اليوم، أي فهم الآليات التي يسود بها، وقد أشرنا آنفا إلى عوامل ترتبط أساسا بظاهرة الزعيم الذي يتماهى مع الدولة ومع شعبه، قد يستطيع السياسي المعارض والمثقف المحلل غير المجن في هذه الأنظمة رؤية ذلك وكشف أغواره، ولكن هناك حالات ومراحل أخرى يصعب فيها كشف ما هو استبدادي وتعسفي ومهلك للعملية الديمقراطية، أقصد بهذه الحالة حين يبدو للعيان أن هذه الدولة أو تلك تسير نحو الديمقراطية، أو هي فعلا دخلت التجربة وتسير نحو عملية تداولية في ممارسة الحكم، قد تبدو للعيان الظاهري أن هذه ديمقراطية، بفعل واجهة التعددية والانتخابات التزيينية التي تخفي القبح السياسي المستتر، ففي الجزائر منذ أربع سنوات أو يزيد قليلا أعطيت إعلاميا صورة البلد الديمقراطي لأنه تجاوز محنة الإرهاب ويومه الدموي الذي ميز ما يسمى بالعشرية السوداء، ولأنه استطاع العودة إلى الحظيرة الدولية فنشطت دبلوماسيته وعادت السفارات والطائرات إلى مطاراتها وحققت صرفا إحناطيا معتبرا من الغاز والبترول.

إنها صورة في حاجة للمناقشة والفحص وكشف ألوانها الغامضة والداكنة وفي نفس الوقت تأويل ألوانها الواضحة البراقة الخاطفة، وقد أسهم بعض الإعلاميين العرب في تزيين هذه الصورة وخلق الوهم كما يخلقونه حول أنظمتهم الاستبدادية باعتبارها ريادية في الحريات أو الحداثة أو مقاومة العدو الصهيوني، ولعلنا جميعا نتذكر بداية التسعينيات حين كان يصر الكثيرون على أن الجماعات الإسلامية في الجزائر من غير الممكن أن تكون هي الحاملة للسلاح ضد إخوانهم، حتى بهت الذي كفر بعد 11 سبتمبر/ أيلول وكيف أن السعودية معقل المرجعية السنية الوهابية تعاني اليوم من الإرهاب.

صحيح أن التجربة الجزائرية اليوم في الديمقراطية متقدمة خطوات عن بعض البلدان العربية دون المزايدة والتفاضل الذي هو عملية عقيمة يقوم بها بعض القادة العرب حين الحديث عن بلدانهم أو بعض المثقفين الواهمين، ما زلنا نتحدث اليوم مثلا بمرارة كبيرة عن أكثر من 7000 مفقود في الجزائر، وعن التعسف في استخدام السلطة وسجن الصحفيين والتضييق في الحريات.

الممارسات الباطنية لقمع الحريات والاستبداد

بلغة مفهومية فوكوية نحن محتاجون إلى لغة حفرية أركيولوجية للكشف عن باطن الاستبداد والتسلط في ظاهر من قبله الديمقراطية وحرية الإعلام وحقوق الإنسان، ففي أزمنة تاريخية تكون العملية معقدة وصعبة في كشف النقيض الداخلي وفهم آلياته في خارج يبدو للعيان واضحا وبراقا، وهو تداخل تجيده السياسة ليس كفن كما قيل، ولكن كحيلة ودهاء ومكر، كلعبة غير شريفة ، هم –أي السّاسة– كلاعبين يخفون منشطات نجاحهم، يخفون زيفهم، إن السلطة العربية عندنا تخفي هذا الباطن في مراحل تاريخية معينة، كما تخفي الهوامش والأطراف وتقمعها لتبقي على المركز وقوته وهيمنته، وتصور الهوامش والاختلاف مصدر خطر على الوحدة الوطنية والديمقراطية والتقدم، فقوى الهوامش والأطراف 22 في علاقاتها الصراعية والاختفائية والجدلية مع قوى المركز ينبغي دراستها تاريخيا واليوم، فهناك حسب أركون قوى أربع تحاول تهميش قوى أربع أخرى وتحولها إلى بقايا لاحول لها ولا قوة، وهي –تشكيلة الدولة ضد مجتمعات قبلية مجزأة:

  • الكتابات المقدسة ضد الحالة الشفهية.
  • الثقافة الفصحى ضد الحالة الشفهية.
  • الأرثوذكسية الديينية ضد الخروج على الأرثوذكسية 23.

وللكشف عن بعض هذه الممارسات الباطنية لقمع الحريات والاستبداد يمكن ذكر الأمثلة التالية:

الوجه الخفي لإعلام مكمم
رغم تميز الساحة الإعلامية بالتعددية والحرية وهو مكسب ديمقراطي دفع ثمنه كوكبة من الصحافيين الشهداء الذين راحوا ضحية العمليات العنفية، وهي تجربة متميزة في الجزائر، ولكنها ناقصة، لأن هذه التعددية لم تشمل إعلام الصورة، فمازال التلفزيون من احتكار الدولة، وهو احتكار قصدي، وقد لعب هذا الجهاز دورا كبيرا رغم تقليديته ومنافسة القنوات الأجنبية له دورا في نجاح الرئيس الحالي في انتخابات أبريل/ نيسان الرئاسية الاخيرة.

الصحف الجزائرية كانت سابقا مصنفة على الشكل التالي:

  • صحف وطنية غالبها من القطاع العمومي، ومحكومة برؤية السلطة رغم الهامش الحر الذي تتحرك فيه كالمجاهد اليومي والشعب.
  • صحف ذات توجه ديمقراطي ليبرالي وهي الأكثر مقروئية، وكان ينعتها الطرف النقيض لها بالإعلام الاستئصالي اللائكي، وبقي تأثيرها محصورا في الإدارة وعند النخب، معظمها تصدر بالفرنسية، منها الوطن وليبارتي ولوماتن Liberté ,Le Matin.
  • صحف ذات توجه إسلامي–عروبي، وغالبا ما تكون عبارة عن أسبوعيات، انتهى البعض إلى التوقف أو التوقيف، وبعضها تحول إلى تحالفات مع الصنف الأول خلال السنتين الأخيرتين.

هذه الخريطة تعرضت لانقلاب غريب، بعدما كان الخلاف حول القضايا الأيدولوجية والسياسية هو الذي يرسم الخلاف، أصبح الخلاف حول من مع الرئيس ومن ضده هو الفيصل القاسم، فأصبحت الساحة ثنائية تناحرية، صحف تمجد المرحلة والوئام الوطني، وتم تمويل بعضها مادي قبل انتخابات أبريل/ نيسان 2004 الرئاسية، وصحف ترى في الوئام وسياسية الحكومة والرئيس تراجعا عن الديمقراطية، ومستقبلا شاحبا قد يعيدنا إلى الاستبداد الفردي.


قد تلجأ السلطة إلى البحث عن ثغرات قانونية أو أخطاء يرتكبها الصحافيون المعارضون للزج بهم في السجون أو توقيف جرائدهم
هذا القطاع محكوم بآليات قانونية ومالية تجعل من الصعب الآن المعارضة، من بين هذه الآليات وضع مدونات قانونية تخص المهنة الإعلامية، بها مواد قانونية عامة تفتح مجالا واسعا للتأويل وتعسف القاضي إذا توفرت الظروف السياسية للقمع والتضييق، إلى جانب خضوع الصحف لمطبعة الدولة الوحيدة، فيسلط على بعض مالكي هذه الجرائد سيف الديون تجاه البعض ويترك لأخرى الحرية وتسديد الديون متى شاءت، وهذا وفقا لمواقفها من النظام والسلطة والرئيس ، كما قد تلجأ السلطة للبحث عن ثغرات قانونية أو أخطاء يرتكبها الصحفيون المعارضون للزج بهم في السجون أو توقيف جرائدهم.

مؤسسسات تشريعية ظاهرها الاستقلال
إن التنصيص على خلق غرفة تشريعية ثانية تسمى "مجلس الأمة" ثلث أعضائه معينون من الرئيس، كان القصد منها وضع عقبات أمام أي احتمال للمعارضة والضغط من البرلمان "الغرفة الأولى"، منذ صدمة فوز الإسلاميين في بداية التسعينيات تشرع السلطات قوانين تحت نفسية هاجس الخوف من الفوز بالأغلبية، وبالتالي لا تضع في الاعتبار ما تتطلبه العمليات الديمقراطية أو الشرط التاريخي للديمقراطية كممارسة، ولكن لوضع حد أمام اكتساح الإسلاميين للساحة السياسية أو تيار راديكالي آخر مهددا لوجود السلطة حاليا، إذن القوانين تشرع تحت هذا الهاجس الخوفي، وهذا ما يخلق منها قوانين رد فعل ويكون فيها التحايل والتأويل الفاسد.

فالخلاف السياسي والتباعد كان يفصل فيه الجيش سابقا، وهو قوة ترتدي حين التدخل قوة القانون وحماية الدستور أو ما سموه سابقا "حماية الجمهورية"، التأويل السيئ الغرضي حاضر دوما ولكل مرحلة لباسها، فهو ينتقل من الحفاظ على قيم الثورة سابقا إلى الحفاظ على الجمهورية إلى الحفاظ على احترام القانون، يفصل فيه قانونيا ولكنه في عمقه فصل ضد القانون، لأنه حشر لخلاف لم يسو سياسيا، ومعروف أن العمل السياسي له قنواته ومعجمه ومرجعياته.

كما أن المؤسسات التشريعية محكومة بآليات تجعل منها خادمة لمصالح المجموعات وليس للدولة، ويمكنني أن أعطي هنا مثالا على الانتخابات البرلمانية التي باتت منفذا للفئات الوسطى المقهورة لتحسين ظروف معيشتها أو للدخول في شبكة المصالح والريع، وهي فئات أغلبها قادم من قطاع التعليم، كما أنه بالنسبة للأحزاب المرتبطة بالرئيس يكون اختيار المترشحين النواب سواء في المجالس البلدية والولائية أو المجلس الوطني خاضعا لموقف التقارير الأمنية، وأحيانا لتزكيتها، أما في جهاز العدالة فهناك آليات قد تؤثر على مساره، كترقية القضاة الخاضع لعامل الخنوع للسلطة ولجماعات المصالح، فالقاضي يبقى تحت رحمة الراضين عنه أو الساخطين عليه، ولنتذكر هنا ما جرى من خلاف حول نزع الاعتماد لحزب جبهة التحرير الوطني وحله حين أعلن أمينه السابق جبهة الحرب ضد رئيس الجمهورية.

تدجين الأحزاب وابتلاعها
الظاهرة الحزبية اليوم لم يعد لها من التاثير بعد أن تحول بعضها إلى لجان مساندة للرئيس، أو أضعفت من يشهر سلاح المعارضة، فهل يمكن القول إن التجربة الخلافية التناحرية السياسية الحاصلة في بيت "جبهة التحرير الوطني" التي انتهت إلى تجميد نشاطه وأرصدته من طرف القضاء الجزائري تعبير ممسوخ عن التدني في الممارسة السياسية والديمقراطية؟ كونه كان بدء خلاف حول "شخص الرئيس" الحالي للجمهورية؟، فهو الانزياح الفاسد سياسيا نحو الأشخاص بدل البرامج والإيديولوجيات والأفكار، وهي مساحة تتسع لتنتقل إلى مستويات أخرى في العلاقات المدنية والإدارية والسياسية، ليصير مفصل الخلاف هو من مع الرئيس ومن ضده، إنه مستوى ابتذالي سياسي لا يخدم لا التجربة الديمقراطية المخفقة في الجزائر ولا حتى الرئيس في حد ذاته أو برامجه أو مشاريعه إن لحظات التقدم التي أنجزها بوتفليقة كالوئام وزيادة احتياطي الصرف مثلا من المفروض أن تحمى ديمقراطيا، وأن يدير التوازن في العملية الصراعية، لا أن يكون العمل على وأد الظاهرة الحزبية بتحويلها إلى أشبه بلجان المساندة أو يتم ابتلاعها.

لم ندرك بعد جدل المباعدة والملاءمة، المباعدة عن مرجعيات تقليدية كالزعاماتية وتداخل السلطات وتأويل القانون لصالح القوي، وتغليب الدولة على الحزب وحشر الجيش في القضايا السياسية، وهي مباعدة مطلوبة اليوم لتكون الملاءمة مع قيم صاحبت هذه المظاهر ولم تكن نتاجها بل الظرف التاريخي وقيم الروح الثورية هي التي أشاعتها، كالرفض للحقرة والغبن واحترام القادة التاريخيين وتبجيلهم وعدم الانصياع للإملاءات الخارجية ونبذ العنف ، ويكون كذلك التلاؤم مع عهد آخر لا بد أن يقوم بعد هذه التجربة المرة من التخبط وآلاف الضحايا وسنوات من العزلة الدولية، إننا للأسف أمة تتقدم خطوة إلى الأمام لترجع خطوتين إلى الوراء، إن طبيعة المصالح الريعية والمافياوية هي التي تجعل المجموعات الحاكمة تهاب المسار الديمقراطي وتتلكأ في الذهاب إلى الأمام.

كما أنه للأسف في التركيبة البشرية لأحزاب التآلف الحكومية القائمة اليوم ثلث مناضليها من الانتهازيين وثلث من الرحل من حزب لآخر وثلث من الغوغاء.
______________

الهوامش
(1) جون راولس، فيلسوف أميركي رحل عن الدنيا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، كان أستاذا بجامعة هارفارد، إلى جانب كتابه الأساسي الذي لقي رواجا A Theory of justice الصادر عن المطبوعات الجامعية لهارفارد عام 1971، وترجم إلى الفرنسية عام 1987 عن دار ساي بباريس، "مناقشة حول العدالة السياسية، نقاش مع يورغن هابرماس" و"الليبرالية السياسية"، و"العدالة والديمقراطية" و"محاضرات حول تاريخ فلسفة الأخلاق".
ومن الأهمية نقل الكتاب الأساسي "نظرية العدالة" إلى العربية، لا أنه يسمح لنا بالإفادة من العودة الغربية إلى نظرية العقد الاجتماعي ونقدها لتجاوز عصر الحداثة، ولنقد الليبرالية والديمقراطية المعاصرة.

(2) تشكل اليوم فلسفة التواصل أهمية في النوادي الفكرية والكتابات الفلسفية، وهي ذات جذور لسانية –تحليلية، وتراث تأويلي مثالي ألماني، ويعتبر هابرماس وزميله كارل أوتو آبل من أبرز ممثلي هذه الفلسفة في الوقت الراهن.

(3) حنا أرندت استطاعت في أطروحتها الأساسية كشف الأنظمة التوتاليتارية وأصول الاستبداد، وهي مراجع كذلك مهمة لنا في فهم الاستبداد المعاصر وتنوع أشكاله، يمكن العودة إلى مؤلفها المركزي الكون من ثلاثة أجزاء: Les Origines Du Totalitarisme.

(4) صدر أخيرا كتاب ضم مناقشات بين هابرماس ودريدا، أدارتها جيوفانا بورادوري، عنوانه:
Le « concept » du 11 septembre, tr,CH.Bouchindhomme, S.Gleize, Galilée , Paris ,2004.

(5) شارل تايلور الكندي يطرح فكرته عن التنازع والاختلاف الناتج عن تهميش الأقليات اللغوية والدينية، ويعتبر الليبرالية بطرحها لما هو كلي تمارس الإرهاب والتعسف وهضم حقوق الأقليات، يمكن الرجوع إلى كتابه: تنازع وديمقراطية الصادر عام 1992 بالإنجليزية وبالفرنسية عام 1997.

(6) لقد ظلت حقوق الجماعات اللغوية والدينية مهمشة، ورغم الاعتراف وتوفير جزء من الحقوق لهذه الجماعات تبقى تهديدا متواصلا للمركز، ويحمل بذور عنف من الممكن انفجاره في أي لحظة، كما أنه باسم الوحدة الوطنية ودرء الخطر الخارجي يتم قمع هذه المحموعات.

(7) استعملت هنا "السنية المعثمنة" ما أضفاه الأتراك في الجزائر على ترسيم المدونات المالكية الفقهية الممزوجة بالتصوف الشاذلي، وقد ظلت بعض المدونات الفقهية تدرس لأربعة قرون طيلة العهد التركي، وهي اليوم تشكل ميراثا ثقيلا، لننظر إصرار البعض في رفض تغيير بعض مواد قانون الأسرة.

(8) يمكن العودة إلى بحثنا المنشور بالمستقبل العربي، عدد 2 /1994 والمعنون "الحداثة والفكر العربي المعاصر".

(9) لم نعمل بعد على القيام بعملية تحليلية إكلينيكية لفهم الحالات المرضية لبعض زعماء العرب، وكذا تحليل الخطاب التعبوي–والإيديولوجي المحمل بقيم تراثية-أنثروبولوجية تعمل على تسويغ الاستبداد والطغيان.

(10) هناك علاقة ارتباطية بين البلاغة والاستبداد في تراثنا العربية والإسلامي تحتاج إلى القراءة والفهم، وكذا اليوم، فباستخدام الاجتهادات المتنوعة لعلم اللغة والتداولية –البراغماتية- نستطيع قراءة وفك بلاغة الاستبداد والقهر.

(11) مامعنى أن يقول بعض مشايخ الزوايا هذه العبارة أو ما يماثلها لرئيس الجمهورية "لقد اختارك الله لنصرة هذا البلد وإنقاذه" ، وما الفرق بين مثل هذه العبارة وعبارت الإسلاميين المؤولة للأحاديث النبوية، ومنها أن شمس الإسلام ستطلع من الغرب، أو ما يشبه هذا في المعنى.

(12) إن التصوف الإسلامي في جوهره الإبداعي الفلسفي يختلف عن الترهات والخرافات التي حاول بعض الطرقيين إلباسها للتصوف، ونذكر هنا تصوف الأمير عبدالقادر الذي فيه المقاومة والتسامح والاجتهاد.

(13) حول مفهوم" الشر" من الناحية الفلسفية يمكن العودة إلى كتاب بول ريكور.

(14) في الوقت الذي نكتب فيه هذه المقالات هناك أربعة صحافيين في السجن، منهم اثنان مالكان لجريدتي "الرأي" و"لوماتن"، من الناحية القانونية في قضايا تتعلق بالحق العام، ولكن وراء ذلك خلافات سياسية لها تأثيرها.

(15) كانت لي تجربة مرة إذ أقبلت على تأسيس يومية معربة باقتراح من أحد ملاك مؤسسة إعلامية، وتبين لي فيما بعد كيف أن بعض هذه المؤسسات تتاجر سياسيا ولها امتدادات ريعية مصلحية –تجارية مع القوى النافذة في السلطة، فعدت إلى المدرج وحمدت الله على رجوعي سالما دون التلوث مع هؤلاء الذين يتاجرون بالحرف ويسهمون في العفن.

(16) الإصلاح الذي تدعو إليه أميركا في المنطقة العربية قد لا تختلف الأنظمة الجديدة التي ترضى عنها أميركا عن تلك الموروثة من الاستقلال الوطني، التي بقيت فيها آثار النمط الكولينالي.

(17) مفهوم "الهجانة" نستخدمه هنا بخلاف مضموني عن الذين استخدموه في الجزائر من اليساريين الشيوعيين المستوحى من الأدبيات السياسية اليسارية الفرنسية.

(18) "العصب المقرصنة"، رغم قساوة هذه العبارة استخدمناها، لأن فظاعة الواقع السياسي العربي أكبر، فالقرصنة السياسية هي امتداد طبيعي لقراصنة البحر الأبيض المتوسط الذين ملكوا البلاد في عهود سالفة.

(19) منذ سنتين عبر الجيش رسميا عن عدم تدخله في السياسة، وهو موقف شجاع وديمقراطي، نتمنى فعلا أن تتغير الذهنيات التسلطية التي تحاول أن تجد في الجيش دائما سندها.

(20) هناك ربط إعلامي مقصود بالصورة، وهو تكرار مشهد تأبين الهواري بومدين، حيث قرأ التأبين الرئيس الحالي، كما أن الصورة الفوتوغرافية التي استخدمت في الحملة الانتخابية هي صورته في السبعينيات، وهذه دلالات لها تأثيرها البسيكولوجي.

(21) يمكن العودة إلى كتابي ميشال فوكو: أركيولوجيا المعرفة، والكلمات والأشياء، مترجمين إلى العربية.

(22) مفهوم "قوى الهامش والأطراف" استعمله "بيير بورديو" وأعاد استعماله محمد أركون.

(23) محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة: هشام صالح، دار الطليعة، بيروت ط 2002.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة