غزة.. انفلات الأجهزة الأمنية والأسئلة الصعبة   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)

شفيق شقير

إن وضع الأجهزة الأمنية الفلسطينية كان هدفا دائما للانتقادات الفلسطينية والإسرائيلية والدولية، وكل له أهدافه وأسبابه.

ما قبل الحدث
إلا أن الفترة الأخيرة التي سبقت انفجار الأزمة الأمنية في غزة شهدت تصعيدا دبلوماسيا غير مسبوق، حيث إن مبعوث الأمم المتحدة تيري رود لارسن قال إن "السلطة الفلسطينية في خطر حقيقي من الانهيار" وإن الرئيس ياسر عرفات لا يملك الرغبة والإرادة في الإصلاح، وإن المناطق الفلسطينية تعيش حالة من الفوضى والانفلات الأمني.

وعبر تقرير للخارجية الإسرائيلية عن القلق من اندلاع فوضى عارمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في حال وفاة الرئيس عرفات، وهو ما لا يخلو من إشارة إلى هشاشة الأمن الفلسطيني وأجهزته، وذلك رغم ما قيل من أن هدف التقرير هو التمهيد لأي إجراء إسرائيلي لاحتواء أي ردات فعل على موت عرفات.

ومن جهة أخرى كان مسؤولان أميركيان قد بحثا مع رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع إصلاح أجهزة الأمن الفلسطينية وتوحيدها وإمكانية وضعها تحت مسؤوليته أو وزير الخارجية، وكان حينها جواب قريع أن المسؤولية عن هذه الأجهزة ستبقى تحت سيطرة الرئيس عرفات.

الحدث وتداعياته
مسلحون من كتائب الأقصى في تظاهرة ضد تعيين موسى عرفات رئيسا للأمن العام
بعد هذه السلسلة من الشبهات حول الأمن الفلسطيني، بدأت الأزمة بخطف مسلحين في غزة قائد الشرطة الفلسطينية اللواء غازي الجبالي، وأطلقوا على أنفسهم "كتائب شهداء جنين".

ولم يتخذ الرئيس ياسر عرفات أي إجراء عسكري تجاه الخاطفين، فاستقال احتجاجا على ذلك قائد الأمن الوقائي في قطاع غزة العقيد رشيد أبو شباك ومدير المخابرات العامة اللواء أمين الهندي، وهو ما لم يقبله الرئيس عرفات .

واستطاعت السلطات الأمنية من خلال المفاوضات الإفراج عن الجبالي، إلا أنه بدأت تتوالى الأنباء التي تحدثت عن خطف أكثر من مسؤول أمني وذلك تحت عنوان حفظ دماء الشهداء ومحاربة الفساد الذي استشرى في السلطة وأجهزتها الأمنية.

وأصدر الرئيس الفلسطيني قرارا بتوحيد الأجهزة الأمنية وتعيين موسى عرفات مديرا للأمن العام بدلا من الجبالي في محاولة للتهدئة واستيعاب ما حدث، إلا أن الأمور اتخذت مسارا معاكسا حيث انفجرت معارضة شديدة لتعيين موسى عرفات تطورت إلى مظاهرات صاخبة اختلف في تقدير أعدادها.

ومن الواضح في المشهد أن كتائب الأقصى هي المحرض الأول عليها، بل تعدى الأمر التظاهر، ونشبت اشتباكات بين الكتائب إياها وقوى الأمن التابعة للواء عرفات سقط فيها جرحى وقتلى، مع الإشارة إلى وجود تناقض في بيانات وتصريحات رموز الكتائب عن مدى صلتهم بالأحداث في غزة خاصة فيما خص الاشتباكات المسلحة.

وتحدث بعض المراقبين عن أجنحة متعددة في الكتائب، وعن أن جناح محمد دحلان هو المسؤول عن إثارة الأحداث بسبب خسارته الكثير من نفوذه من خلال التعديلات الأمنية المتكررة، فيما ذهب محللون آخرون إلى أن الأمر أعمق من ذلك، وأن ما أثاره لارسن بغض النظر عن دوافعه ومراميه، هو صحيح في بعض وجوهه.


من المؤكد أن حدث غزة لن يمر مرورا عابرا بل سيحفر عميقا في البنيان الفلسطيني وسيطرح عشرات الأسئلة منها هل فقد عرفات بريقه كرمز؟ من سيخلفه؟ وماذا سيحدث بعده إذا كان هذا قد حدث بوجوده؟

وفي محاولة جديدة للسيطرة على الوضع الأمني المتأزم، عين الرئيس الفلسطيني اللواء عبد الرزاق المجايدة مديرا عاما للأمن العام في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد أن رفع رتبته إلى فريق.

وبهذا أصبح المجايدة مديرا عاما للأمن الفلسطيني برمته، وسيكون بذلك اللواء موسى عرفات مسؤولا للأمن العام في قطاع غزة فقط، فيما سيكون اللواء إسماعيل جبر مسؤولا عن الأمن العام بالضفة الغربية.

والحال هذه قدم رئيس الوزراء أحمد قريع استقالته احتجاجا على الأوضاع الأمنية السائدة في الأراضي الفلسطينية، وربط تراجعه عن قراره باستعداد الرئيس عرفات التنازل عن صلاحيته الأمنية لصالح حكومته كي تتمكن من السيطرة على الأوضاع وإعادة الاستقرار إلى غزة.

الأسئلة الصعبة
أما الفصائل الفلسطينية الأخرى فقد دعت من جانبها إلى إنهاء حالة الانفلات الأمني ومحاربة الفساد وتشكيل قيادة وطنية موحدة. وجاء في بيان وقعه 13 فصيلا فلسطينيا -بينها فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية- أن الحل يكمن في الإصلاح الديمقراطي ومحاربة الفساد والإعداد لانتخابات.

ومن المؤكد أن حدث غزة لن يمر مرورا عابرا بل سيحفر عميقا في البنيان الفلسطيني وسيطرح عشرات الأسئلة الصعبة التي لا يمكن الإجابة عنها بسهولة، منها هل من إمكانية لإصلاح أجهزة السلطة الفلسطينية ومحاربة الفساد؟ هل من الممكن توحيد المرجعية الأمنية في ظل حفظ حق المقاومة؟ إلى أين ستمضي القضية الفلسطينية مع غياب أي برنامج وطني ولو بالحد الأدنى؟ هل فقد عرفات بريقه كرمز؟ من سيخلفه؟ وماذا سيحدث بعده إذا كان هذا يحدث بوجوده؟
________________
قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة