رحلة العقيد قرنق.. من الغابة إلى القصر   
الخميس 1426/6/1 هـ - الموافق 7/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:20 (مكة المكرمة)، 13:20 (غرينتش)

عودة قرنق كلفت السودانيين حياة وأمان الملايين منهم (الفرنسية-أرشيف)

رانيا الزعبي

وأخيرا حط زعيم متمردي الجنوب في السودان جون قرنق رحاله في القصر الجمهوري بالخرطوم، بعد رحلة طويلة وشاقة، خاض خلالها حربا من الغابة والحدود استمرت عشرين عاما، أسفرت عن مقتل نحو مليوني شخص وتشريد أكثر من مليون آخر.

من الممكن القول إن رحلة قرنق السياسية والقتالية بدأت منذ عام 1983، عندما كان يشغل رتبه عقيد بالجيش السوداني، وفي ذلك العام كلف بإخماد تمرد نفذته كتيبة من الجنوبيين قوامها نحو 500 جندي بقيادة الرائد كاربينو كوانين رفضت التوجه نحو الشمال.

وكانت المفاجأة الكبرى أن قرنق بدلا من أن ينفذ أوامر قادته تمرد عليهم وأعلن نفسه زعيما على من أرسل لتأديبهم، وقام بتأسيس الجيش الشعبي لتحرير السودان، الذي استغله لتحقيق مطالبه السياسية المتمثلة بإقامة سودان جديد علماني التوجه.

وكما أجاد هذا الجنوبي القتال، وخبر فنونه وأسراره، أجاد أيضا فنون العمل السياسي والدبلوماسي، فقد مكنته علاقاته السياسية مع الرئيس الإثيوبي الجنرال منغستو هيلا مريام مطلع عام 1984، من إقناع الأخير بفتح الأراضي الإثيوبية ومستودعاته العسكرية وأجهزة الإعلام والبث المباشر من أديس أبابا، أمام الحركة المتمردة.

وأثمرت علاقات قرنق مع إثيوبيا، عن استضافة أديس أبابا عام 1986 لتوقيع وثيقة كوكادام بين قرنق وحكومة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، التي تشكلت إثر الثورة الشعبية على نظام جعفر النميري، لكن هذه الوثيقة دفنت بمجرد وصول حكومة الصادق المهدي المنتخبة في أبريل/ نيسان من نفس العام، والتي أوقفت العمل بالوثيقة، مما أعاد التوتر مع الجنوب.

وعاد قرنق مرة أخرى ليجمع بين السياسة والقتال في يد واحدة، فبينما كان يقاتل حكومة المهدي من جهة، كان في الوقت نفسه يغزل خيوطا دبلوماسية وسياسية مع الحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة محمد عثمان الميرغني أحد أبرز حلفاء المهدي في حكومته الإئتلافية.

وأثمر هذا الغزل الذي كانت بداياته في أديس أبابا ومن خلالها، عن توقيع مبادرة السلام السودانية في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1988، وهي التي عرفت في وقت لاحق باتفاقية (الميرغني-قرنق)، ومن أبرز نتائج هذه الاتفاقية، انسحاب الحزب الاتحادي الديمقراطي من الحكومة الائتلافية.

ومع أن العلاقة بين حكومة الرئيس السوداني عمر البشير -الذي وصل إلى الحكم بانقلاب عام 1989- وقرنق كانت من أعنف العلاقات بين قرنق وحكومات الخرطوم، إلا أن المفارقة تكمن في أن هذه العلاقة هي التي أوصلته في نهاية المطاف إلى القصر الجمهوري في الخرطوم.

وكانت قضية الدين والدولة وقضية حق تقرير المصير من أبرز قضايا الخلاف بين قرنق المسيحي الإثني وحكومة البشير ذات التوجهات الإسلامية، وبلغ التوتر أوجه عام 1997 عندما وقع قرنق إلى جانب مختلف فصائل المعارضة السودانية ما عرف باتفاق أسمرة الذي تبني إسقاط حكومة البشير.

وبدورها لجأت حكومة البشير للتحالفات السياسية كوسيلة للتخلص من قرنق، والتضييق عليه، فبعد شهر واحد من مؤتمر أسمره، قامت باستقطاب بعض قادة الجنوب المناوئين لقرنق ووقعت معهم "اتفاقية الخرطوم". ومن هؤلاء القادة زعيم حركة استقلال السودان رياك مشار وقائد الحركة الشعبية لتحرير السودان كاربينو كوانين وزعيم مجموعة جبال النوبة هارون كافي.

ورغم الضربات القاسية التي تلقتها حركة قرنق من داخلها بسبب الانشقاقات التي شهدتها، ومن الجيش الحكومي الذي وجه لها ضربات موجعة، إلا أن توتر العلاقات بين الخرطوم وواشنطن، بين عامي(1989-1995) أنقذ حركة قرنق، التي حظي بدعم أميركي منقطع النظير.

وفي عام 1995 بدأت تلوح ملامح الحل السياسي للأزمة بين جنوب السودان وشماله، ففي هذه العام أيد قرنق إعلان مبادئ الإيغاد الذي رفضته حكومة البشير في البداية، ثم قبلته عام 1997، وكانت هذه بداية سلسلة من المفاوضات بين الطرفين أشرفت عليها مجموعة الإيغاد والولايات المتحدة، وكان أهم نتائجه اتفاق مشاكوس عام 2002، واتفاقية نيفاشا ثم الترتيبات الأمنية عام 2003.
____________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة