بيان علماء العراق بشأن الأزمة العراقية   
الثلاثاء 1433/1/25 هـ - الموافق 20/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 22:51 (مكة المكرمة)، 19:51 (غرينتش)

هذا بيان للناس من كبار العلماء العراقيين فيما يتعلق بالعدوان المرتقب على العراق وفيه يشرح العلماء الموقعون على البيان حكم الإسلام في هذه النازلة العظيمة والكارثة الخطيرة التي توشك أن تحلّ في العراق وشعبه المسلم من القرآن والسنة وأقوال الفقهاء.

بسم الله الرحمن الرحيم
بيان للناس

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإنه بالإضافة إلى النوازل الخطيرة والكوارث العظيمة التي لا تزال تغشى المسلمين في ديارهم وفي مقدمتها كارثة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، فإن هناك كارثة عظيمة ونازلة خطيرة أُخرى توشك أن تقع على المسلمين في ديارهم وهي ما تهدد به أميركا من عدوان واضح على العراق واحتلال كامل لأرضه، وقد حشدت له قوة هائلة في البرّ والبحر والجو مع إعلان صريح واضح بعزمها على ما تريد فعله من غزو للعراق وحكم مباشر له.

فما حكم الإسلام في هذه النازلة العظيمة والكارثة الخطيرة التي توشك أن تحلّ في العراق وشعبه المسلم؟

هذا ما نريد بيانه للناس وللمسلمين على وجه الخصوص، ليحيا من حيّ عن بينة ويهلك من يهلك عن بينة، والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل.

أولا: من كتاب الله العزيز

1- قال ربنا تبارك وتعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. ووجه الدلالة بهذه الآية الكريمة أنها توجب على المسلمين قتال من يقاتلهم من الكفار، والأميركان جاؤوا بجنودهم من وراء البحار وحشدوا قواتهم ليقاتلونا في ديارنا، فواجب علينا قتالهم استجابة لأمر الله الصريح بهذا الوجوب لأنه جاء بصيغة الأمر الدالة على الوجوب من غير قرينة تصرفه عن هذا الوجوب.

2- وقال ربنا جلّ جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} الآية، وهذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى أناس من المشركين في مكة يخبرهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزوهم وفتح مكة لما نقضوا العهد. ووجه الدلالة بهذه الآية أنها تنهى عن مناصرة أعداء الإسلام ولو بإخبارهم عما يعزم عليه المسلمون، فيكون نهي المسلمين لأعدائهم عن مناصرتهم بما هو أخطر من مجرد الإخبار أولى بالمنع والتحريم كتقديم المعونة الفعلية المادية لهم. ولا يقال إن هذه الآية تتعلق بتلك الحادثة فقط لأن القاعدة الأصولية تقول "العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب".

3- وقال ربنا تعالى: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} الآية. وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: "الولي هو المحب المناصر.."، وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن ينصر الأميركان المعتدين على إخوانهم المسلمين في العراق.

ثانيًا: من السنة النبوية المطهرة

1- جاء في حديث أخرجه الإمام الجليل شيخ المحدثين البخاري يرحمه الله ".. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه.."، ومعنى لا يسلمه: "أي: يحميه من عدوه ولا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدافع عنه"؛ فواجب على كل مسلم أن ينصر شعب العراق المسلم في محنته وفي الكارثة التي ستحلّ فيه بكل ما يستطيع من وسائل النصرة حتى يندفع شر الأميركان المعتدين ومن يواليهم عن العراق وأهله.

2- وفي الحديث النبوي الشريف: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قيل: يا رسول الله ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم"، أو كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه، فعلى المسلمين واجبان: (الأول) منع الظالم من ظلمه بما يمنعه من الظلم بكل وسيلة ممكنة، ومن ذلك عدم معاونته على ظلمه، وهذا أقل أنواع منعه من الظلم. (الثاني) أن يقف المسلمون بجانب المظلوم يدافعون معه ضد الظالم.

وعلى هذا يجب على المسلمين نصرة شعب العراق المسلم في دفع عدوان الأميركان عليه بكل وسيلة ممكنة، والامتناع التام من نصرة الأميركان المعتدين.

ثالثًا: من أقوال الفقهاء

1- قال فقهاؤنا يرحمهم الله تعالى: إن جهاد (الدفع) هو قتال الكفار المعتدين إذا احتلوا بلدا من دار الإسلام أو عزموا على ذلك وباشروا مقدماته، ففي هذه الحالة يجب هذا الجهاد -جهاد الدفع- على كل مسلم قادر على قتال الكفار؛ لأن قتالهم في هذه الحالة فرض عيني قال الفقهاء فيه: "تخرج المرأة القادرة على القتال بدون إذن زوجها، ويخرج الولد بدون إذن والديه، ويخرج العبد بدون إذن سيده"، وحيث إن الأميركان قد عزموا على احتلال العراق المسلم وباشروا مقدماته فعلى جميع المسلمين في العراق قتالهم والاستعداد لهذا القتال؛ لأن قتالهم صار فرض عين على المسلمين في العراق.

2- وقال فقهاؤنا يرحمهم الله تعالى: وإذا لم تحصل الكفاية بأهل البلد المسلم المحتل من قبل الكفار في دفعهم وإخراجهم من هذا البلد فإن الوجوب الشرعي العيني ينتقل إلى الأقربين فالأقربين من هذا البلد. وحيث إن أهل العراق لا يقدرون وحدهم على دفع عدوان الأميركيين المعتدين ولا يقدرون على إخراجهم من العراق إذا دخلوه نظراً للقوة المادية الهائلة عند الأميركيين المعتدين، فإن الواجب الشرعي العيني ينتقل إلى المسلمين في البلاد المجاورة للعراق، وعلى المسلمين من هذه البلاد المجاورة أن يقوموا بواجبهم الشرعي في قتال الأميركيين المعتدين نصرة لإخوانهم في العراق، وعلى حكام هذه البلاد المجاورة تمكينهم من ذلك، وأن يمتنعوا امتناعاً تاماً من معاونة الأميركيين المعتدين.

3- قال بعض الفقهاء كما جاء في تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل: "إن مناصرة الكفار على المسلمين توجب الكفر"، فليحذر المسلمون من هذه المناصرة للأميركيين المعتدين.

رابعًا: النصيحة لعموم المسلمين

ومن باب النصيحة للمسلمين أن نبين لهم أنه يحرم على المسلم أن يحب بقلبه مجيء الأميركيين واحتلالهم للعراق مهما كان الدافع لحبه الخبيث هذا؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، ومعنى الحب في الله والبغض في الله أن يكون حب المسلم لما يحبه وبغضه لما يبغضه تبعاً لما يحبه الله أو يبغضه.

ولا شك أن الله تعالى لا يحب تسلط الكفرة على بلد مسلم أو على شعب مسلم، فعلى المسلم أيضاً ألا يحب تسلط الأميركيين على العراق وشعبه المسلم، وكل مسلم يحس بميلٍ أو محبة لمجيء الأميركيين إلى العراق واحتلاله أذكره بما جاء في أول سورة (الروم) وفيها أخبر الله تعالى المؤمنين بنصر الروم على الفرس في بضع سنين، وأن المسلمين سيفرحون بهذا النصر فقال تعالى {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ}، وقال المفسرون في قوله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ}، أي يفرح المؤمنون بتغليب الله تعالى من له كتاب وهم الروم على من لا كتاب لهم وهم أهل فارس.

فإذا كان شأن المسلم أنه يفرح بنصر من هو أقرب للإسلام لمعنى من المعاني على الأبعد عن الإسلام، فهذا يعني أيضاً حسب مفهوم المخالفة ألا يفرح المؤمن بنصر الأبعد عن الإسلام على الأقرب من الإسلام.

وبناء على ذلك فإن فرح المسلم ينبغي أن يكون بانتصار أهل العراق على الكفرة الأميركيين المعتدين، وأن المسلم لا يفرح أبداً بانتصار الأميركيين الكفرة على أهل العراق المسلمين.

ومن البدهي أن الفرح بالشيء وحصوله يتضمن محبة ذلك الشيء وحصوله. فعلى المسلم أن يلاحظ هذه المعاني، وخلاصتها ألا يحب غلبة الأميركيين على شعب العراق لأن هذا حرام.

خامسًا: الالتزام بأحكام الإسلام مقدم على ما سواه

ونود أن نذكر إخواننا الحكام المسلمين في سائر البلاد الإسلامية أنه لا يجوز مطلقاً معاونة الأميركيين في عدوانهم على العراق بحجة أن أقطارهم أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وأن هذه العضوية تلزمهم بما يقرره مجلس الأمن، فإذا أذن هذا المجلس لأميركا شن عدوانها على العراق وأن على جميع الدول المشاركة في عضوية هيئة الأمم المتحدة معاونة أميركا في عدوانها على العراق فإن هذه المعاونة لا تجوز شرعاً؛ لأن التزام المسلم بأحكام الإسلام مقدم على ما سواه من الالتزامات، لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم.

ونذكر إخواننا الحكام المسلمين بموقف ألمانيا وهي دولة غير مسلمة، فقد قررت وصرحت بأنها لن تشارك أميركا في حربها ضد العراق ولو صدر لها الإذن بذلك من مجلس الأمن، فهل تبقى بعد ذلك حجة لأي حاكم مسلم بالتعاون مع أميركا في عدوانها على العراق بحجة أن مجلس الأمن أذن لها بذلك وأن على كل دولة المعاونة لأميركا في تنفيذ هذا الإذن؟

سادسًا: أمل ورجاء

وإننا نأمل ونرجو من إخواننا علماء الإسلام أن يقوموا بواجبهم الشرعي في هذه النازلة العظيمة التي توشك أن تقع على العراق وما سيعقبها من كوارث ومصائب، فيقوم سادتنا العلماء بتوعية الأمة وتبصيرها بالواجب الشرعي عليها إزاء هذه الهجمة الشرسة التي تعد لها أميركا لضرب العراق واحتلال أرضه، وأن يتصل سادتنا العلماء بالحكام المسلمين ويذكرونهم بواجبهم الشرعي نحو العراق ونصرته باعتبارهم حكاماً وبأيديهم الأمر والنهي، وأن يكون هذا التذكير بالبلاغ الواضح الصريح وهو المطلوب في كل تبليغ لشرع الله، وهو ما أمر الله به رسله فقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}، أي البلاغ الواضح الصريح، وبهذا يخرجون من العهدة ويوفون بما ألزمهم الله به من بيان وتبيين وتبصير للأمة بما يجب عليها شرعاً.

وفّق الله تعالى علماءنا وحكامنا وجميع المسلمين لما يحب ويرضى، وأن يرينا الحق حقاً ويوفقنا إلى اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويوفقنا إلى اجتنابه.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(جمع من أهل العلم الشرعي العراقيين المقيمين في الخارج) عنهم:

1- د. عبد الكريم زيدان

2- د. أحمد عبيد الكبيسي

3- د. هاشم جميل

4- د. حارث سليمان الضاري

5- د. علي محيي الدين القره داغي

6- د. مصطفى البنجويني

7- د. أكرم ضياء العمري

8- الشيخ أحمد حسن الطه

9- د. عبد القهار العاني

10- د. مساعد مسلم آل جعفر

11- د. طايس الجميلي

12- د. عبد القادر السعدي

13- د. محمد عياش الكبيسي

نأمل من كل من قرأ أو وصل إليه هذا البيان في أن يتبناه ويتعهده بالتنفيذ والنشر ووضعه في كل بيت من بيوت الله وفي كل بيت عراقي أو مسلم، وأن يقوم بإيصاله إلى المواقع الإعلامية وإلى المنظمات واللجان والاتحادات العالمية. ومن الممكن الاتصال بنا على عنواننا البريدي iraqirabita@yahoo.com
______________
المصدر:
الرابطة العراقية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة