سجن العقرب.. غوانتانامو مصر   
الأحد 1437/3/3 هـ - الموافق 13/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:08 (مكة المكرمة)، 15:08 (غرينتش)

إذا كانت العقارب ترتبط في أذهان من يقرأ عنها بالخوف والحذر واللدغ والسم والموت، فإن سجن العقرب في مصر لا يختلف كثيرا إن لم يزد، "فالداخل إليه مفقود والخارج منه مولود"، والقابع فيه يتعرض لموت بطيء خلف زنازينه المظلمة الصماء، وبواباته الحصينة السوداء، وتتجاوز صور التعذيب داخله معتقل غوانتانامو، رغم أن الاثنين إفراز عقلية واحدة.

الموقع
يقع سجن العقرب، واسمه الرسمي "سجن طرة شديد الحراسة 992"، على بعد كيلومترين من بوابة منطقة سجون طرة الرسمية، ويعد العقرب جزءا منها، وتقع جنوبي القاهرة.

الفكرة
تبدو فكرة إنشاء سجن العقرب استلهاما أمنيا مصريا من العقلية الأمنية الأميركية، فعقب عودتها من بعثة تدريبية في الولايات المتحدة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، اقترحت مجموعة من ضباط الشرطة المصرية بناء سلسلة السجون شديدة الحراسة، فقوبل الاقتراح بترحيب من القيادات الأمنية، وعدّته فكرة خلاقة لتعزيز سياستها لحبس معارضي النظام السياسيين الذين تعدّهم "شديدي الخطورة"، خاصة من الجماعات المسلحة.

وفي عام 1991، بدأ وزير الداخلية المصري في ذلك الوقت حسن الألفي ومجموعة من مساعديه -بينهم اللواء حبيب العادلي مساعد الوزير لشؤون أمن الدولة آنذاك- في "تمصير" هذه الفكرة الأميركية ونقلها إلى حيز التنفيذ الفوري، فكانت البداية -في العام نفسه- من "سجن طرة شديد الحراسة" (الاسم الرسمي)، المعروف لاحقا بين المعتقلين "بسجن العقرب"، الذي استغرق بناؤه عامين، وتم الانتهاء منه في الثلاثين من مايو/أيار 1993.

المواصفات
يبلغ ارتفاع السور المحيط بسجن العقرب سبعة أمتار، أما بواباته فهي مصفحة من الداخل والخارج، بينما تقع جميع مكاتب الضباط خلف الحواجز والقضبان الحديدية.

يضم سجن العقرب 320 زنزانة مقسمة على أربعة عنابر أفقية تأخذ شكل حرف "أتش"، كل عنبر ينفصل بشكل كامل عن باقي السجن بمجرد غلق بوابته الخارجية المصفحة، فلا يتمكن المعتقلون من التواصل عبر الزنازين، كما يفعل المساجين في السجون العادية، نتيجة الكميات الهائلة من الخرسانة المسلحة التي تمنع وصول الصوت.

بكل زنزانة مصباح قوته مئة وات تتحكم بها تقلبات السياسة العقابية في إدارة السجن، بحيث تستطيع الإدارة قطع المياه والإضاءة وغلق الشبابيك حسب ما تراه مناسبا، كما تستخدم عشرين زنزانة للتأديب، خاصة المعتقلين السياسيين.

ترجع  تسمية سجن العقرب بهذا الاسم إلى أن من يدخله يفقد الأمل في الخروج منه، فهو سجن غريب وغير نمطي، فتصميمه الهندسي غير متعارف عليه في السجون، ومبني بطريقة ضد الهروب والهجوم، وهو السجن الذي كان يوضع فيه الجناح العسكري للجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة والجهاد، لكن الآن السجون أصبحت جنائية ما عدا السجون التي بها رموز النظام السابق.

video

مراحل
فور الانتهاء من بناء السجن وضعت وزارة الداخلية جداول لنقل المعتقلين من سجون ليمان واستقبال طرة وأبو زعبل إلى السجن الجديد، حتى جمعت الداخلية قرابة 1500 معتقل من منطقة طرة القديمة وخارجها، وتم ترحيل الجميع لزنازين شديدة الحراسة الجديدة، ليكون يوم دخولهم هو يوم الافتتاح الرسمي للعقرب في 26 يونيو/حزيران 1993، بحضور حبيب العادلي، الذي حرص على أن يكون السجن الجديد ناجحا من حيث قدرته على إخفاء المعتقلين، واستنطاقهم بمختلف الطرق.

ومنذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب بمصر في الثالث من يوليو/تموز 2013، والسجون المصرية تعجّ بأعداد كبيرة من معارضي السلطات.

وبحسب حقوقيين، فإن السلطات المصرية تقوم باحتجاز هؤلاء لمدد طويلة في سجون ومقرات شُرطية "غير آدمية"، خاصة في ظل "الغياب المتعمد للرعاية الصحية فيها، مما تسبب في وفاة أكثر من مئتي موقوف أمني، منهم على الأقل حتى الآن أربعون من المعارضين السياسيين، فضلاً عن تدهور الأوضاع الصحية لمئات آخرين.

video

وفيات
وبتوزيع حالات الوفاة لمعارضين سياسيين على هذه السجون، يقول معارضون إن العقرب احتل النصيب الأكبر من هذه الحالات، إذ توفي خمسة من نزلائه في أقل من عام، بينما توزع البقية على سجون ومقرات شرطية أخرى، خاصة منذ تعيين اللواء مجدي عبد الغفار وزيراً للداخلية، في الخامس من مارس/آذار 2015.

وضمت قائمة وفيات سجن "العقرب" فريد إسماعيل (58 عاما) العضو البارز في حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية لجماعة الإخوان) المنحل بقرار قضائي، الذي رفضت سلطات السجن نقله إلى مستشفى خارجي لتلقي العلاج، رغم إصابته بمضاعفات مرض السكري وفيروس "سي"، وحجزه انفرادياً عدة أشهر، ومنع الدواء عنه، مما تسبب في دخوله في غيبوبة كبدية، ونزيف، وجلطة بالمخ، ثم وفاته في 13 مايو/أيار 2015.

وضمن القائمة عصام دربالة رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، والقياديان السابقان بجماعة الجهاد الإسلامي مرجان سالم ونبيل المغربي، وعضو جماعة الإخوان عماد حسن، وجميعهم توفوا في الفترة بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول 2015.

شهادات
أوضاع الرعاية الصحية في السجون عامة، وسجن العقرب على وجه الخصوص، سيئة للغاية، ويقول حقوقيون إن هناك تعمدا لقتل السجناء.

وصرح في هذا الصدد طبيب جراح خرج من السجن بأن إدارة السجن منعت الدواء والفحص الطبي عن السجناء المرضى، مما يزيد معاناة مرضى السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض الكلى والكبد، والسرطان، ويصبح هؤلاء السجناء بالتالي الأكثر عرضة للوفاة، في ظل تعمد منع الرعاية الطبية.

ونشرت الصفحة الرسمية لرابطة أسر معتقلي العقرب رسالة عاجلة من السجن يقول فيها عدد من المعتقلين "نحن الأموات الأحياء، كل الناس تموت مرة واحدة ونحن نتجرع مرارة الموت كل يوم مرات ومرات، إن كنتم تظنون أننا نبالغ فاسألوا من يقابلوننا في لحظات بعثنا من مقبرة العقرب حين نخرج لجلسات المحاكم".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة