عائلة سورية عالقة في إيدوميني   
الأربعاء 13/7/1437 هـ - الموافق 20/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:13 (مكة المكرمة)، 11:13 (غرينتش)


حتى اليوم ما زال الخوف يسكن يوسف شيخ اللاجئ الكردي الهارب من سوريا، لكنه خوف من مستقبل غامض ومصير معلق، فهو ينتظر -من دون جدوى- داخل خيمته البلاستيكية منذ أكثر من شهرين فتح الحدود اليونانية المقدونية.

يخاف يوسف (27 عاما) من أن يفقد طفليه بلدغة أحد الثعابين التي خرجت من جحورها مع ارتفاع درجات الحرارة، لكن عزاءه أنه ليس اللاجئ الوحيد الذي ما زال ينتظر في إيدوميني.

يقول يوسف وهو يحضن رضيعه باران الذي لم يتجاوز يومه الـ25 "لا أرغب في رؤية فلذات كبدي يموتون أمام عيني اختناقا بقنابل الغاز أو بسم الثعابين وأنا عاجز على إنقاذهم".

ولد الرضيع في ليلة رعدية ماطرة منتصف مارس/آذار الماضي، لذلك أطلق عليه والده اسم باران، ويعني "المطر" بالكردية، ويضيف يوسف أن تلك الليلة لن تمحى من ذاكرتي أبدا.. انتابني خوف كبير من أن تجرف الأمطار والرياح خيمتنا فأفقده هو والدته

ولد الرضيع في ليلة رعدية ماطرة منتصف مارس/آذار الماضي، لذلك أطلق عليه والده اسم باران، ويعني "المطر" بالكردية.

ويضيف يوسف "تلك الليلة لن تمحى من ذاكرتي أبدا.. انتابني خوف كبير من أن تجرف الأمطار والرياح خيمتنا فأفقده هو والدته".

أكثر من عشرة آلاف لاجئ ما زالوا يقيمون في مخيم إيدوميني -أغلبهم من سوريا- والباقون قدموا من العراق وأفغانستان وباكستان، جميعهم ينتظرون أن تفتح مقدونيا حدودها ليواصلوا رحلة العبور.

يقع مخيم إيدوميني وسط سهل مفتوح وناء تحيطه جبال شاهقة، ويفصله عن مقدونيا سياج حديدي يحرسه عشرات الجنود المقدونيين المدججين بالأسلحة.

غناء وشاي
تخيم على المكان الهادئ حالة من اليأس، بسبب النقص الكبير في المياه العذبة والمواد الغذائية والطبية، لكن ذلك لا يمنع اللاجئين من الاحتفال والغناء وإعداد الشاي وتجاذب أطراف الحديث.

لتحمل هذا الوضع والتخفيف من حدته يتلقى اللاجئون دعما من المتطوعين، إلى جانب منظمات إنسانية كمنظمة أطباء بلا حدود والمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكن طاقاتهم قاربت على النفاد.

صبر يوسف قارب هو الآخر على النفاد، فقبل عامين لجأ مع عائلته من مدينة عفرين السورية إلى البقاع اللبناني، وهناك واصل العمل بمهنته كخباز لدى رب عمل لبناني.

بعدها انتقل إلى أزمير التركية، حيث الاستغلال المادي كما يقول، مؤكدا أنه كان يعمل 14 ساعة في اليوم ويتقاضى أربعين ليرة تركية، فيما كان زملاؤه الأتراك يتقاضون ضعف المبلغ.

يقول يوسف "عندما اشتكيت إلى صاحب المخبز طردني من العمل"، وهو ما دفعه إلى المجازفة وركوب البحر مع صهره وعائلته إلى اليونان.

ظهور الثعابين بسبب ارتفاع درجات الحرارة بات مشهدا يوميا في مخيم إيدوميني (دويتشه فيلله)

بعد اجتياز آلاف الكيلومترات وصل يوسف إلى إيدوميني، لكنه بلغها متأخرا، إذ كانت مقدونيا قد أغلقت حدودها قبل ثلاثة أيام.

تقول سافان -زوجة يوسف- "ربما هو حظي البائس أو أن القدر شاء أن توصد الأبواب في وجوهنا"، وتتحسر لإضاعتها أسبوعا ثمينا في أثينا مع زوجها وبعض الأقارب في أحد المخيمات قبل شد الرحال إلى إيدوميني.

ما زالت سافان تحلم يوما ما بمواصلة الرحلة إلى ألمانيا رغم الظروف الإنسانية البائسة، وما يجعلها متفائلة هو إيمانها بحصول معجزة ما في أي لحظة.

تدخل ميركل
تقول "ربما تتدخل المستشارة الألمانية ميركل للضغط على المقدونيين ليفتحوا لنا الحدود"، وتضيف "نجونا من الحرب وعبرنا البحر وقطعنا الحدود، وها نحن نقف في منتصف الطريق، لا أريد العودة إلى أثينا لأن كل جهودنا ستذهب هباء".

هنالك احتمال يثير مخاوف سافان، وهو ترحيلها مع عائلتها من أثينا إلى تركيا بمقتضى الاتفاق الأوروبي التركي الذي يسمح بترحيل اللاجئين السوريين مقابل عبور لاجئين آخرين بصفة شرعية إلى دول الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، يصر زوجها يوسف على مغادرة المخيم والتوجه إلى أثينا، ويقول إنه وصل اليونان حاملا معه خمسمئة يورو "لتمويل رحلة الوصول إلى ألمانيا، والآن أفلست بعد أن صرفت كامل المبلغ في هذا المخيم، لا أريد أن اقترض المال، لأني اقترضت الكثير للوصول إلى هنا".

منذ شهرين يضطر يوسف للانتظار يوميا لساعات في طابور طويل للظفر بوجبة غداء لطفليه تتكون من برتقالة ورغيف خبز وصحن من حساء الخضروات، لكن ذلك لا يكفي ليبقى الرضيع باران على قيد الحياة، ويتساءل: "هل سبق للعالم في الخارج أن سمع فعلا بمأساتنا أم أن صمما أصابه؟!".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة