زينات.. همٌّ للأمومة والأبوة وآخر للجوء   
السبت 1437/1/19 هـ - الموافق 31/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 12:54 (مكة المكرمة)، 9:54 (غرينتش)

شادي الأيوبي-جزيرة ميتيليني اليونانية

آلاف الأمهات عبرن بحر إيجه وجربن مع أطفالهن أخطاره، في رحلة اللجوء السوري لأوروبا. وأظهر بعضهن تضحيات خارجة على المألوف كحالة زينات خليل.

أجبر حصار مخيم اليرموك زينات على مغادرته مع أبنائها الخمسة، بعد أن كانت قد فقدت زوجها قبل ثلاث سنوات ونصف السنة. ذهبت مع الأولاد إلى لبنان أولا. ثم عادت منه هذه المرة إلى مدينة حلب شمال سوريا ، لتخرج منها إلى تركيا.

اضطرت زينات خلال رحلة اللجوء هذه لأن تسد الفراغ الذي تركه غياب الأب في حياة أبنائها. فأصبحت الأم والأب معاً. المهمة لا تحتمل أي مجال للراحة، فحاجات أولادها كثيرة وقدراتها منعدمة.

عندما كان الزوج حيا كان يعمل في أكثر من مجال، الأمر الذي أتاح للأسرة مستوى معيشة جيداً. وبوفاته خسرت الأسرة كل ما لديها لتتحول، كآلاف الأسر في سوريا، إلى حلم اللجوء إلى أحد البلدان الأوروبية.

تشرد
عن مغامرة اللجوء الخاصة بها، تقول زينات بصراحة "خلال سفرنا بقينا مرات عديدة مشردين في الشوارع دون طعام ليوم أو يومين. كان أبنائي يتلوون من الجوع أمامي وأنا عاجزة عن القيام بأي شيء. في بعض الأحيان لم أكن أتحمل أكثر وأصرخ: وماذا في استطاعتي أن أفعل لكم وأنتم ترون حالنا؟".

  زينات وأولادها يتناولون الفطور بترتيب من الناشطين (الجزيرة)

لفترة طويلة، لم تمتلك الأم الشجاعة الكافية لاتخاذ قرار المغامرة بركوب البحر بين تركيا واليونان، رغم أن البعض عرض عليها تسفيرها والأبناء مجاناً. كان القرار أخطر من أن تفكر في تداعياته، فضلاً عن تحملها.

وعن لحظة اتخاذها قرار ركوب البحر، قالت إنها كانت "لحظة ضعف" بعدما رأت أنه لم يعد لديها ما تأسف له. تضيف زينات للجزيرة نت "كان القرار في منتهى الصعوبة، خاصة أنه لم يعد لدينا أي مبلغ من المال. تعرضت لعمليات نصب واحتيال أكثر من مرة، حتى فقدت كل مالي".

وعن مشاهداتها خلال الإبحار على متن القارب تضيف "خلال الرحلة كان الآخرون يبكون خائفين من البحر، بينما كنتُ شاردة أفكر في حالنا وكيف انقلبت حياتنا إلى كل هذه المأساة. كنت أفكر في مستقبل الأولاد وسلامتهم".

بعد وصولها بسلام مع أطفالها إلى جزيرة ليزفوس اليونانية، استغرقت عملية تسجيل أفراد العائلة وقتاً قصيراً. لكن القادم كان الأصعب. فقد قررت زينات المفتقرة إلى المال وبعد تردد صراع مع النفس أن تطلب المساعدة لأبنائها. وبمجرد خروجها من مقر التسجيل التقت بنشطاء من حملة الوفاء الأوروبية وفلسطينيي الداخل الذين كانوا وصلوا للتو إلى الجزيرة اليونانية تلك لمساعدة اللاجئين.

حافي القدمين
كان منظر أطفال زينات وقتها مؤسفاً، حتى أن أحدهم كان يمشي حافي القدمين.

تولى النشطاء إسكان الأسرة في أحد فنادق الجزيرة، وحجزوا لها تذكرة سفر بالباخرة إلى أثينا وزودوها بمبلغ مالي تستعين به على إكمال السفر.

أمين أبو راشد كان قد التقى أسرة زينات في مخيم اليرموك (الجزيرة)

لا يحتاج المرء للكثير من الجهد ليلاحظ الإرهاق على وجوه الأم والأبناء. أما القلق والترقب، فقد تفردت به الأم. فالأبناء "أمانة في عنقها" وهم كلهم بحاجة للحماية. فابنتاها في مرحلة المراهقة وتحتاجان للحماية والصون في رحلة لا ضمان فيها لأي حماية، واثنان من أبنائها الذكور بحاجة لعلاج دائم، بسبب الإعاقة الذهنية.

لكن الأم المرهقة بكل هموم اللجوء والأبناء لم تفقد ابتسامتها وتفاؤلها الكبير. ولعل القوة التي تظهرها تلك الأم هي جزء من حرصها على إسعاد أولادها وتشجيعهم على مواصلة السفر.


يصف رئيس حملة الوفاء الأوروبية أمين أبو راشد لحظة لقاء أعضاء الحملة بالأسرة الفلسطينية بأنها كانت لحظات سعادة بالغة. حيث سبق أن التقوا بالأسرة في مخيم اليرموك خلال حملة إغاثية سابقة قامت بها الحملة للمخيم المنكوب.

ورغم الفرحة التي غمرت فريق العمل باللقاء، فهناك غصة في قلوبهم، لأن آلاف الأسر المهاجرة لا تجد من يقدم لها يد العون في طريقها المضني، كما يقول أبو راشد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة