ما المطلوب عربيا تجاه أزمة اللاجئين؟   
الأربعاء 26/11/1436 هـ - الموافق 9/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:31 (مكة المكرمة)، 11:31 (غرينتش)

يتكشف يوما بعد يوم عمق الأزمة التي يعيشها اللاجئون السوريون وهم يفرون عبر البحر والبر للوصول إلى مناطق آمنة في أوروبا. وبينما تتباين المواقف الأوروبية بشأن مسؤولية القارة العجوز تجاه هؤلاء اللاجئين، تثار أسئلة عن مسؤولية الدول العربية.

وترى أصوات أن الدول العربية قد أدت جزءا من واجبها في استقبال عشرات الألوف منذ بدء الأزمة السورية، في حين يرى منتقدون أن الدول العربية الغنية لم تقدم شيئا يذكر لحل هذه الأزمة، فلا هي ساهمت بأموال تكفي حاجة اللاجئين، ولا فتحت أراضيها لاستقبال الفارين من جحيم الدائرة.

وقد استطلعت الجزيرة نت آراء بعض الكتاب المتابعين لمسار هذه الأزمة، نعرضها في ما يلي:

****************
علي حسين باكير/ باحث في العلاقات الدولية

الأزمة السورية الناجمة عن الجرائم التي لا يزال نظام الأسد مستمرا في ارتكابها على مرأى ومسمع العالم بأسره، تعتبر من أكبر الأزمات الإنسانية التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الأولى والثانية.

ونظرا لحجم الأزمة وأبعادها، أعتقد أن طبيعة النقاشات التي تثار مؤخرا حول موضوع اللاجئين لاسيما بعد الدعاية الأوروبية التي لا تتناسب حكما مع العدد الضئيل جدا والمحدود للاجئين الذين استوعبهم الأوروبيون، تتجاهل الجوهر الحقيقي للموضوع والذي يتعلق برأيي بنقطتين أساسيتين:

النقطة الأولى: هي أن مساعدة اللاجئين والنازحين يجب أن تتم من خلال إيقاف السبب الأساسي الذي أدى ويؤدي إلى جعل أكثر من نصف الشعب السوري (أي أكثر من 10 ملايين إنسان) يتوزع بين لاجئ ونازح، والمتمثل في نظام الأسد. وفي هذه النقطة بالتحديد فإن الدول الكبرى قد أعفت نفسها منذ البداية من تحمل تبعات هذا الموضوع مما يجعلها شريكة في تحمل نتائجه على المستوى الأخلاقي على الاقل.

النقطة الثانية: أن الإجراءات الاحتوائية المؤقتة من أجل التخفيف من معاناة للاجئين والنازحين يجب أن تتم عبر التكامل وليس عبر المزايدة، وفي سياق حل جذور المشكلة التي ذكرناها في النقطة الأولى وليس في إطار إخراج المشكلة عن مسارها وخلق مشاكل موازية تخفي جرائم نظام الأسد أو تتجه باللوم إلى لاعبين آخرين.

بهذا المعنى، فالمطلوب هو أن يقدم كل طرف ما يستطيع تقديمه وضمن المسؤوليات التي تقع على عاتقه. وفي هذه النقطة بالتحديد كانت هناك محاولات تكامل بين الدول العربية، لكنها لم ترق للأسف للمستوى المطلوب الذي ننشده، ورغم ذلك فإنها تظل أكبر بكثير مما تحاول بعض الدول الأوروبية القيام به الآن بعد حوالي خمس سنوات وتحت ضغط "الأمر الواقع".

المسار الحالي للنقاش الإقليمي والدولي حول موضوع اللاجئين السوريين بالإضافة إلى الخطوات المتبعة للتعامل معه يحيد تماما عن هاتين النقطتين، وهو ما يعني أنه يسير للأسف في الاتجاه الخاطئ، وأعتقد أن مثل هذا الأمر لا يخدم في النهاية إلا السياسة التي أدت في الأصل إلى تشريد من نجا من الشعب السوري من القتل، بين لاجئي ونازح، وبالتالي استمرار المشكلة.

**************
توجان فيصل/ كاتبة أردنية
إن مسؤولية أوروبا هي حقيقة عن مجمل الهجرات إليها من آسيا وأفريقيا, والتي اتخذت صورا غير شرعية وغير إنسانية, وصولا لتهريب بشر يقضي منهم الكثير في طرق تلك الهجرة الملتوية. وهي مشكلة قديمة تقع مسؤوليتها على دول الاستعمار الكولونيالي الأوروبي السابق للقارتين, المسؤولة عن جزء كبير من ظروف مستعمراتها السابقة حيث احتفظت بيد خفية وبمصالح غير مشروعة.. فيما مسؤولية أوروبا تجاه اللاجئين السوريين هي مسؤولية إنسانية تجاه البشرية تضمنتها القوانين الدولية, ولكنها في الاتحاد الأوروبي بالذات أصبحت ملزمة بحكم قوانين ومبادئ الاتحاد, وتشكل أول امتحان عملي لتلك المبادئ.

بينما مسؤولية العالم العربي, وخاصة الدول النفطية الغنية وحليفاتها المنخرطة فيما يجري في سوريا منذ البداية, من نوع مختلف وتتجاوز المسؤولية تجاه بشر آخرين, أو حتى تجاه إخوة عرب, لتصبح مسؤولية عن نتائج سياسات كان بعضها متوقعا بحكم تجارب عربية متزامنة.

وبغض النظر عن نسب المسؤولية وتقسيماتها, فإن الوفاء بهذه المسؤولية لا يمكن أن يتم فقط بالدفع لبدلاء كالأردن ولبنان. فهاتان دولتان صغيرتان بالمساحة والديمغرافيا (تعداد الأردنيين ستة ملايين ولكن يقيم في بلدهم الآن أحد عشر مليونا). وديمغرافية البلدين تتضمن حساسيات قائمة من قبل, والتوازنات التي جرت في هذا الشأن ما زالت أقرب للمؤقتة, وملغومة بتعمد أحيانا.

وإذا كان استقرار لبنان هاما لأنه يجاور سوريا, فإن الأردن يجاور سوريا والعراق والسعودية والضفة المحتلة وله أكبر حدود مع إسرائيل.. وحتما يستحيل جعله "الساحة الخلفية" لكل هؤلاء, وتحديدا للسعودية, بل هو أقرب لأن يصبح عتبة أمامية لها.. والدفع المالي لم يعد حلا للمشكلة.

ومن هنا مشروعية الحديث, وحتى الضغط العالمي باتجاه الخليج بخاصة حيث تتوفر مساحات شاسعة تتيح عزل مخيمات مؤقتة للاجئين, وحجم سكاني لا يتأثر ابتداء من حجم حصة من ذلك اللجوء, بل هنالك حاجة لمهارات عديدة يملكها السوريون.

******************
سعيد الحاج/ كاتب فلسطيني
كان الطفل ذو العامين أيلان الكردي -فيما يبدو- أكثر حظا من معظم أترابه السوريين، أولئك الذين قضوا في البحر أو تحت أنقاض البيوت أو فتت أشلاءهم براميل البارود دون أن يحظوا بصورة كصورته تهز ضمير العالم، إن كان ما زال على قيد الحياة، وتركز الأنظار على قضية اللاجئين السوريين.

تسابقت الدول الأوروبية ونشطاؤها للدعوة إلى احتضان هؤلاء -جزء يسير منهم إن أردنا الدقة- بدافع من الواجب الإنساني الذي تذكروه بعد أكثر من أربع سنوات من المأساة السورية المتواصلة.

ولئن انقسم الناس بين مشيد بالموقف الأوروبي ومحذر منه، فإن النقاش الأهم بدا غائبا أو مغيبا عن المشهد: مسؤولية الدول العربية الأولى بالسوريين من أوروبا، دينا وعرقا وتاريخا وجغرافيا.

المفارقة كانت أن الدول التي استقبلت السوريين وقدمت لهم يد العون -على تفاوت وتباين- هي من الدول الأكثر فقرا والأقصر يدا: لبنان والأردن والسودان، بينما بقيت الدول الأخرى، وفي مقدمتها دول الخليج، على مقاعد المتفرجين.

والحقيقة أن دول الخليج تتحمل المسؤولية الأكبر، أولا لأنها الأقدر ماليا من غيرها، وثانيا لأنها -في معظمها- متبنية لمطالب الشعب السوري في مواجهة نظامه، وملف اللاجئين أحد عناصر هذه المواجهة. وعليه، يمكن سرد عدة نقاط كأعمدة رئيسية ضمن واجبات هذه الدول العربية عموما والخليجية خصوصا:

أولا، التركيز على البعد السياسي للأزمة وعدم الاكتفاء بإدارة بعدها الإنساني فقط، بالحديث عن أصل وسبب اللجوء وليس فقط نتائجه وتحميل النظام السوري المسؤولية الأكبر عنه، وهو ما نراه غائبا حتى الآن عن التناول الغربي للأزمة.

ثانيا، العمل على إبقاء السوريين في أرضهم أو على مقربة منها في دول الجوار، لحفظ قضيتهم والقضية السورية في العموم حاضرة في الأذهان والضمائر، إذ لا قضية من دونهم ولا حل باستثنائهم، وحفظا لهم من الذوبان في بلاد المهجر الغربية، وتسهيلا لعودتهم ضمن أي حل قريب أو ممكن، من خلال:

ثالثا، استضافة العدد الأكبر من اللاجئين السوريين على الأراضي العربية الخليجية، خصوصا أنها لن تشكل عبئا ماليا كبيرا على هذه الدول، ولن يواجه السوريون فيها مشاكل اللغة والتكيّف.

رابعا، دعم الدول المستضيفة للاجئين السوريين، خاصة الأردن ولبنان والسودان، لتحسين ظروفهم هناك وتثبيتهم في مواجهة الرغبة في الهجرة لأوروبا، واستضافة لاجئين آخرين إن أمكن.

خامسا، دعم "المناطق المحررة" داخل سوريا لتنفيذ مشاريع إنسانية واجتماعية تثبت الناس في أرضهم وتضمن لهم فرص عمل وحياة كريمة.

****************
كيف ترى أنت موقف الدول العربية تجاه أزمة اللاجئين السوريين؟ هل قدمت الدول العربية ما في وسعها لمساعدة هؤلاء اللاجئين؟ أم إنها قصرت في التعاطي إنسانيا وسياسيا معهم؟ وكيف تقارن بين تعاطي الدول العربية والغربية مع هذه الأزمة؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة