كيف تنظر لفوز العدالة والتنمية في تركيا؟   
الخميس 24/1/1437 هـ - الموافق 5/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:54 (مكة المكرمة)، 12:54 (غرينتش)

تمكن حزب العدالة والتنمية من تحقيق فوز ساحق بالانتخابات البرلمانية المبكرة في تركيا، ليتمكن بذلك من تشكيل حكومته والتواصل بحكمه المنفرد والمستمر منذ 13 عاما.

حيث أفرزت الانتخابات فوز العدالة والتنمية بنسبة تصل إلى نحو 50% بحصوله على أكثر من 23 مليون صوت متقدما على الأحزاب الثلاثة الأخرى بفارق كبير والتي تمكنه من الحصول على 316 مقعدا في البرلمان المكون من 550 مقعدا.

عمت الاحتفالات أرجاء ومدن تركيا لفوز العدالة والتنمية، خاصة أن هذا الحزب أثبت جدارته في النهوض باقتصاد البلد والتعامل مع القضايا الدولية وفي مقدمتها قضايا المنطقة، وطالما اتسمت سياسته الخارجية بالتفاعل مع مستجدات المنطقة.

يذكر أن فوز العدالة والتنمية بالأغلبية المطلقة قوبل بتهنئة شخصيات سياسية وحركات إسلامية عربية وصمت أوروبي أميركي.

كيف تنظر للفوز الذي حققه حزب العدالة والتنمية في تركيا؟ وهل يثبت هذا الفوز أن حكومة الحزب الواحد في تركيا هي الأكثر نفعا، والأكثر تأمينا للاستقرار في البلاد، بخلاف الحكومات الائتلافية؟ وما تأثير فوز العدالة على تركيا ودول المنطقة؟ وكيف تفسر الصمت الغربي تجاه هذا الفوز؟

 استطلعت الجزيرة نت أراء بعض الكتاب المتابعين للشأن التركي، نستعرضها أدناه:

.....................................

حسام شاكر، باحث ومتخصص في الشؤون الأوروبية

 

كان واضحاً أنّ العالم، وليس الأتراك وحدهم، يحبس أنفاسه قبيل الإعلان عن نتائج الانتخابات التركية. تؤكد النتائج أنّ الشارع التركي استلهم العبر واستشعر خطورة البدائل، ويمكن القول أنهم صوّتوا بدراية ووعي.

نجح حزب العدالة والتنمية في الاستدراك الخاطف بعد تراجعه السابق، فأجرى تعديلات مهمة على برنامجه الانتخابي وأعاد صياغة خطابه. كما احتجب أروغان عن الدعاية الانتخابية مفسحاً الصدارة لرئيس وزرائه، ولم يكن هذا سهلاً، فالثقل الجماهيري هو مع أروغان أساساً بينما كانت شعبية داود أوغلو موضع تساؤل في حينه. وقد جرى هذا مع جهود مضنية حتى اللحظة الأخيرة لإنجاز اصطفافات موضعية في الدوائر الانتخابية لصالح العدالة والتنمية.

 

يمكن القول بالتالي إنه لم يكن فوزاً سهلاً، ولكنه جاء مذهلاً للجميع. ولا شك أنّ التجارب التركية مع الحكومات الائتلافية لم تكن مشجعة، ورغم أنّ التفرد في الحكم ليس خياراً مثالياً في الأصل إلا أن بدائله في الواقع التركي الراهن تبقى محفوفة بالمجازفات. وليس بوسع تركيا أن تتابع سياساتها ومواقفها وإنجازاتها الداخلية والخارجية التي تتسم بالجرأة والثبات بدون قيادة متماسكة وإرادة صلبة، ولن يتوفر مثل هذا مع حكومات هشّة كما كان عليه الحال في التجارب الائتلافية السابقة.

 

صحيح أنّ قيادة أروغان – داود أوغلو نجحت في الاختبار الانتخابي العسير، لكن ليس بوسعها الآن أن تلتقط الأنفاس لأنّ أمن البلاد القومي يواجه تحديات أمنية وعسكرية جسيمة. وقد حصلت القيادة التركية بهذا الفوز الكبير على تفويض شعبي قوي يسعفها في إدارة الملفات الشائكة خلال المرحلة المقبلة.

 

ورغم نبرة الاستياء الشديد التي خيّمت على بعض التعليقات في أوروبا بعد إعلان النتائج الانتخابية، فإنّ التقديرات الاستراتيجية في أوروبا لها منطق آخر عبّر عنها بوضوح التقارب الدافئ بين برلين وأنقرة مؤخراً. فلا غنى لأوروبا في نهاية المطاف عن تركيا مستقرة، ومن الواضح أنّ فرص الاستقرار في بلاد الأناضول مرتبطة إلى حد كبير بحكم العدالة والتنمية. وقد برهنت أزمة اللاجئين لأوروبا مؤخراً أنه لا غنى عن أنقرة شريكاً فاعلاً في إدارة ملفات حساسة ذات أثر في العمق الأوروبي.

 

.............................................

 

 

حسن أبو هنية، خبير في الجماعات الإسلامية

 

لا شك أن فوز العدالة والتنمية في الانتخابات التركية المبكرة كان مفاجئا، نظرا لما تعرضت له تركيا عموما وحزب العدالة خصوصا من تحديات وضغوطات داخلية وخارجية، وسط مشاركة واسعة  بلغت قرابة 87% من أصل أكثر من 54 مليون مواطن يحق لهم التصويت. ويبدو أن أردوغان وداوود أوغلو برهنا مرة أخرى على توافر الحزب على قدرة فائقة ومهارة استثنائية في اقناع الناخب التركي بالتصويت للعدالة والتنمية باعتباره ركنا للاستقرار، وفي الوقت الذي تصاعدت فيه الهويات الاثنية والعرقية والإيديولوجية، أصر حزب العدالة على هوية تركية جامعة يقع الإسلام في صلب مكوناتها، فلا هوية بلا إيمان، وقد عكست هتافات الانتصار بـ "هيا بسم الله"، وهو الشعار الذي اختاره الحزب في بداية الحملة الانتخابية، لكن شكوى بعض الأحزاب المعارضة الذي اعتبرته شعارا دينيا دفع الحزب إلى استبداله، على أن حزب العدالة راهن على سياسات الهوية  الموسعة في مواجهة الهويات الضيقة، كأحد أركان الهوية التركية الجديدة التي تصل بين التراث الإسلامي وقدرته على الاستطراد مع الإرث الحداثي.

 

وتكمن أهمية فوز العدالة والتنمية عبر التأكيد على وجود نماذج إسلامية سياسية قادرة على جسر العلاقة بين الإسلام والحداثة، وإعادة الاعتبار للعملية الديمقراطية، وصلاحيتها في العالمين العربي والإسلامي، في لحظة زمنية عربية تشهد ثورات مضادة وردة سلطوية عن الديمقراطية، وتشكيكا واسعا بوجود حركات إسلامية مدنية ديمقراطية، الأمر الذي سوف يساهم في تعزيز الثقة بالديمقراطية على حساب النزعة السلطوية الفاشية، ويضع الأنظمة الانقلابية العربية في حالة من العزلة الجماهيرية، ويفسد على أجهزتها القمعية والإيديولوجية ذرائعها الانقلابية على الديمقراطية باعتبارها تهدد الاستقرار، وقد أكدت نتائج الانتخابات التركية على أن حركات الإسلام السياسي هي أحد أهم ضمانات الاستقرار والعدالة والتنمية والتحديث.

 

لم يكن الغرب يوما سعيدا بوصول أي حركة إسلامية إلى السلطة في أي مكان في العالمين العربي والإسلامي، فلا تزال الرؤية الغربية أسيرة للمنظور الاستشراقي الثقافوي، الذي يتعامل مع الإسلاميين عموما كنقيض للمشروع الغربي، وهو يفضل أنظمة سلطوية عسكرية تعمل على ضمان الاستقرار اللازم للهيمنة الغربية، ويشكك بوجود تيارات إسلامية ديمقراطية مدنية، ولذلك فإن الغرب عموما لم يكن سعيدا بفوز العدالة والتنمية، بل عمل على مدى سنوات على تشويه التجربة الديمقراطية التركية، والتشكيك في نموذج العدالة والتنمية الإسلامي، ذلك أنه يمثل نموذجا إرشاديا لحركات الإسلام السياسي في المنطقة، يؤسس للاستقرار والاستقلال ويدعو إلى التشاركية بدلا عن التبعية.

...........................................

 

 

عبد الفتاح ماضي، كاتب وباحث أكاديمي

 

لنتائج الانتخابات التركية عدة رسائل على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.

 

داخليا، برهنت النتائج على حسم الشعب التركي أمره لصالح الحكومات القوية وتخوفه من عودة الحكومات الإئتلافية الضعيفة، فقد فضل نحو 10% من الناخبين العودة للتصويت لحزب العدالة والتنمية بعد فترة عدم الاستقرار السياسي التي تلت الانتخابات السابقة. كما أن الانتخابات تشير إلى نجاح الحزب الحاكم في ترتيب صفوفه داخل الحزب ذاته، ونجاحه في مواجهة الحملات المنظمة الداخلية والخارجية والتي تستهدف إفشال الحزب وإخراجه من السلطة باعتباره يمثل التيار الإسلامي.

 

إقليميا، تؤكد الانتخابات نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية، الخارج من رحم التيار الإسلامي التركي، كنموذج للعمل السياسي الممكن ضمن سياقات سياسية معادية للإسلاميين. ما حققه الحزب من انجازات سياسية واقتصادية واجتماعية يعزز من حجج الذين يرون أن على الإسلاميين، وغير الإسلاميين، تأجيل أجنداتهم الايديولوجية والاهتمام بأولوية بناء مجتمعاتهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بشرط أن يمتلك الإسلاميون القدرات والمهارات اللازمة، باعتبار أنه بدون تحقيق هذه الأولوية سيتحول التنافس الحزبي إلى صراعات عدمية في ظل الاختراق الخارجي وهيمنة الدول العميقة وغياب الحريات والقانون والمجتمع المدني.

 

وإقليميا أيضا، يشكل استمرار الحزب ضمانا لتحقيق قدر من التوازن في المنطقة بين مجموعة الدول والجماعات التي تناصر الحكومات المطلقة ومحاربة ثورات الربيع العربي، وبين شعوب المنطقة وقواها الحية التي تتطلع إلى بناء مجتمعاتها على أسس العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة. دعم تركيا المبدئي لهذه الثورات ودورها التاريخي في مساعدة اللاجئين السوريين يحقق هذا التوازن ويعطي لكافة شعوب المنطقة الأمل في الانتصار في نضالها لأجل الحرية والبعد عن التطرف.

 

دوليا، يعني بقاء الحكومات القوية في تركيا الكثير من الأمور أهمها في اعتقادي استمرار الدور التركي كعامل مؤثر وفعال في منطقة مشتعلة بالحروب والأزمات. وسيكون على الحكومة الجديدة مهام جسيمة في معالجة الأزمات المندلعة في سوريا واليمن والعراق ومصر في ظل التحالفات الإقليمية والدولية التي تستهدف إمّا إدخال المنطقة في صراعات مذهبية وطائفية وتدمير الجيوش العربية أو ضمان هيمنة قوى إقليمية معينة على حساب الدول العربية وقضاياها العادلة.   

..........................................

 

محجوب الزويري. أستاذ دراسات الشرق الأوسط. جامعة قطر. 

 

ما حصل في تركيا منذ حزيران الماضي له علاقة بتجربة حلت بتركيا لمدة ثلاثة عشر عاما. وبالنظر الى أصرار التجربة على الصمود والاستمرار تظهر في المقابل جبهة المشككين او الخصوم الذين يخشون من نجاح التجربة. المواقف التي ظهرت سواء بالتشفي من عدم حصول الحزب على أغلبية في الانتخابات الماضية او القلق من حصوله على الأغلبية في انتخابات نوفمبر، لها علاقة بفكرة النموذج ونجاحه. 

ما حصل في تركيا هو نجاح سياسي اقتصادي اجتماعي مركب. وهذا يزيد من القلق لان هذا النجاح المركب يزيد القاعدة الاجتماعية المؤيدة والرصيد الانتخابي لحزب العدالة والتنمية. 

على صعيد متصل يجري الحديث عن الحزب الواحد، وهو جزء من التشكيك في التجربة. حكم حزب العمال البريطاني لمدة  تزيد عن عقد فلماذا لم  يتم الحديث عن حكومة الحزب الواحد.   العملية الديمقراطية لها قواعدها ومن يستطيع التعاطي من هذه القواعد يمكن ان تتكرر نجاحاته لكنها في  ذات الوقت لا ترحم اذا حصل تقصير او تراخ في التعامل مع  أولئك المانحين للأصوات.  

 

 

 

        

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة