ما الذي يجري في ديالى العراقية؟   
الخميس 5/4/1437 هـ - الموافق 14/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 9:17 (مكة المكرمة)، 6:17 (غرينتش)

تعيش محافظة ديالى (شرقي العاصمة بغداد) أعمال قتل وعنف طائفي على أيدي مليشيات شيعية، على مرأى من القوات العراقية، في محاولة لتسهيل إجراء تغيير ديمغرافي واسع في المحافظة.

 

وتُعرف ديالى بأنها الممر الأقرب الذي يربط بين طهران وبغداد، فحدودها الطويلة مع إيران، التي تقدر بنحو 240 كيلومترا، سهلت صنوفا من تدخل المليشيات عقب احتلال العراق في 2003، حيث وثقت تقارير من داخل العراق معاناة المكون السني الذي كان يشكل 65% من سكان هذه المحافظة، حتى بات اليوم أقل من 50% من سكان المدينة عبر عمليات القتل والتهجير، ناهيك عن شراء أملاك المهجرين بأسعار بخسة من قبل أطراف شيعية وكردية، وتدمير أراضيهم لمنعهم من العودة إليها مجددا.

 

وتُتهم القوات العراقية بالتواطؤ مع المليشيات، بل وتسهيل تحركاتهم، إضافة إلى ثماني سنين عجاف من حكم المالكي، مما أسهم في تهميش السنة، لكن ذهاب المالكي لم يخلص المدينة من الاستهداف الطائفي، بل عاد بقوة بعد أن دخلها تنظيم الدولة قبل عام ونصف العام، حيث استغلتها المليشيات لتبرير عمليات القتل والتهجير بدعوى محاربة التنظيم.

 

ما الذي يحدث في ديالى؟ وما الهدف من ذلك؟ ومن يقف وراء محاولات التغيير الديمغرافي فيها؟ ومن المستفيد منها؟ وهل تؤيد تدويل قضية ديالى؟ وهل ترى أن خطر المليشيات الشيعية فيها أقل خطورة من تنظيم الدولة؟ وهل تؤيد الاتهامات الموجهة للدولة في قضية ديالى؟

 

الجزيرة نت استطلعت آراء بعض الكتاب المتابعين لمسار القضية، نعرضها في ما يلي:

 .....................................................


نزار السامرائي، مستشار المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية

حتى أواخر شهر شباط/ فبراير 2003، بلغ سكان في العراق في آخر إحصاء يستند على أرقام البطاقة التموينية لوزارة التجارة ووزارة التخطيط والمعتمدة من جانب الأمم المتحدة في برنامج النفط مقابل الغذاء، بلغ نحوا من 27 مليونا ونصف المليون نسمة، وبلغ عدد سكان ديالى مليون ونصف المليون على وجه التقريب، تتراوح نسبة السنة منهم بين 85 إلى 88%، غير أن الوضع تغير كثيرا منذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان/ أبريل 2003، بعد أن جرت مياه كثيرة في نهر ديالى، فقد دخلت إيران بثقل استثنائي على خط التغييرات السكانية الممنهجة في المحافظة شأنها شأن كثير من مدن العراق، معتمدة في ذلك على أذرعها المسلحة الضاربة من مليشيات قديمة تم تأسيسها في إيران نفسها كما هو حال فيلق بدر الذي تم تأسيسه في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1982، كذراع عسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، أو المليشيات التي تشكلت بعد الاحتلال من مختلف الكتل الشيعية، وكلها تحظى بدعم إيراني تسليحي ومالي وتدريبي مفتوح، وكذلك اعتمدت إيران على تمرير برنامجها على تواطؤ حكومي وتقديم الحكومة المظلة السياسية والأمنية لأنشطة هذه المليشيات.

واستغلت المليشيات سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على بعض مدن المحافظة، لتنظم حملة عسكرية غير مسبوقة على كل مدن المحافظة حتى بدت وكأنها خطة مصممة منذ زمن بعيد وكانت تنتظر ساعة الصفر للشروع بتنفيذها، فقد تواصلت خطط التغيير المنهجي للتركيبة السكانية عبر عدة أساليب منها:

1 – اعتقالات واغتيالات واختطاف وعمليات تهجير واسعة النطاق طالت المكون السني.

2 – فرض حالة من الرعب على المواطنين السنة عن طريق فرض حالة الحصار على مدن وقرى بكاملها وممارسة سياسة تجويع للسكان، مع تجريف للمزارع والبساتين وتفجير المساكن والمساجد، واستغلال أي تفجير في أية مدينة لوضع كل مدن المحافظة تحت حالة إرهاب ورعب من خلال تهديد السكان السنة لإخلاء المدن وبخلافه فإنهم يعرضون أنفسهم للقتل العلني، وهذا ما كان يحصل على الدوام وهو مستمر من دون انقطاع.

3 – منع المهجرين من العودة إلى مدنهم التي هجروا بها إنقاذا لأنفسهم من خطر موت محقق على يد عناصر المليشيات الطائفية، وهي التي تتحكم في مقادير المحافظة، فلا المحافظ ولا مجلس المحافظة ولا حكومة بغداد تمتلك أدنى تأثير على سلطات الحاكم المطلق لمحافظة ديالى قائد مليشيا بدر هادي العامري الذي أخذ تخويلا شكليا من جانب حكومة حيدر العبادي بتولي الملف الأمني، وهو التخويل الذي أصبح شاملا لكل شؤون المحافظة.

إن ما تعيشه محافظة ديالى بعد تفجير مقهى في مدينة المقدادية "120 كم شمال شرقي بغداد" والذي تبناه تنظيم الدولة الإسلامية كما قيل لاحقا، ينظر إليه كثير من المراقبين على أنه خطة أعدت سلفا لتنفيذ ما حصل بعدها، فقد تم تنفيذ إعدامات ميدانية بالعشرات من أبناء المدينة لمجرد أنهم من السنة، انتقاما لمن قُتل في التفجير على الرغم من أغلب الذين قتلوا في التفجير المذكور هم من السنة أصلا، مما يؤكد من أن الانتقام من أهل السنة لم يكن ثأرا للقتلى بقدر ما هو تعبير عن نزعة طائفية عدوانية تسعى لإقصاء الآخر تحت أية ذريعة، ولاحظ المراقبون أن المليشيات التي يطلق عليها مصطلح "المليشيات المنفلتة" من أجل تبرير السكوت على جرائمها، قتلت مراسليْ قناة الشرقية التلفزيونية لأنهما وثقا جرائمها بالصورة والصوت، وإضافة إلى نهب الدور السكنية وإحراقها، تم نسف تسعة من مساجد السنة فيها، كل هذا والمرجعيات الشيعية والحكومة والرأي العالمي والأمم المتحدة تعيش صمتا وكأنه إعلان شامل وإجازة لهدر دماء السنة في العراق.

فما هو الهدف من وراء هذه الحملة المتواصلة لتطهير محافظة ديالى من المكون السني؟

ديالى محافظة حدودية مع إيران والحدود يبلغ طولها 240 كيلومترا تقريبا، وفيها منفذان حدوديان الأول والأكثر أهمية هم منفذ المنذرية، والثاني منفذ مندلي الذي أعيد افتتاحه مؤخرا بعد أن تعرض للإغلاق منذ أيلول/ سبتمبر 1980، وحدودها هي الأقرب إلى بغداد، وكانت على الدوام محط اهتمام لإيران، ليس من أجل تنشيط التجارة بين البلدين، أو تسهيل مرور الزائرين الإيرانيين للمراقد الشيعية في العراق كما تحاول بعض الأطراف أن تُسوَق لهذه الفكرة، فالأمر أبعد من ذلك بكثير، إيران التي تسعى لتثبيت أقدامها في الأراضي السورية ودعم حزب الله اللبناني، تريد طريقا بريا وقصيرا وآمنا في الوقت نفسه من حدودها مع العراق إلى الشواطئ الشرقية للمتوسط عبر الأراضي العراقية والسورية كي تصبح قوة دولية تتحكم بكثير من الأراضي والمياه العربية، ولكن هذا ليس الهدف النهائي، فلإيران أهداف أخرى تتعلق بنشر التشيع على أوسع نطاق ليس في العراق فقط وإنما في شتى الأرجاء.

 

إن ما يحصل في مدن العراق سواء في محيط بغداد وشمالي محافظة بابل ومحافظة صلاح الدين وما ينتظر محافظة الأنبار، يطرح قضية في غاية الأهمية، وهي أن المليشيات الشيعية التي تتحرك بموجب إملاءات وخطة إيرانية طويلة الأمد للهيمنة على المنطقة انطلاقا من العراق، باتت تشكل تهديدا كبيرا للأمن الوطني بل والأمن القومي العربي وأمن العالم، ويراها سياسيون عراقيون أكثر خطرا من تنظيم الدولة الإسلامية التي يحاربها العالم كله تقريبا، في حين أن هذه المليشيات تحظى بدعم إيران وبثقلها السياسي وإمكاناتها العسكرية والاقتصادية ومن دون أن يتحرك العالم لمجرد التفكير بإضافتها على لائحة الحركات الإرهابية، مما يعطي شرعية زائفة لها.

إن تنظيم الدولة يتحمل جزءً كبيرا من المسؤولية الأخلاقية والجنائية لما حصل في كل المدن السنية التي خضعت لانتهاكات خطيرة من جانب المليشيات التي دخلتها بعد إخراج تنظيم الدولة منها، لأن التنظيم وفر الغطاء للمليشيات وأجهزة الحكومة في الانتقام من سكانها، فإذا كان لا يستطيع الاحتفاظ بالهدف الذي يحتله، فلماذا يقدم على خطوة تجعل من السنة ضحية لحماقة غير مدروسة؟ أما الجرائم نفسها فتتحملها الحكومة بحكم مسؤوليتها القانونية عن توفير الأمن والاستقرار لكل المواطنين، ولكن ممثلي السنة في العملية السياسية يتحملون الوزر الأعظم لما حصل في محافظاتهم ومدنهم، فلا هم انسحبوا وأسقطوا الشرعية عن العملية السياسية، ولا هم قادرون على حماية مدنهم، ويمكننا أن نسوق مثلا واحدا وهو أن سليم الجبوري رئيس مجلس النواب لا يستطيع الدخول إلى محافظته إلا بعد أخذ الإذن من قائد مليشيا بدر هادي العامري، بل إن الجبوري فشل في إعادة وأبيه المهجّر من المحافظة إلى أربيل، لأن المليشيات لم تسمح بذلك تحت لافتة الانفلات الأمني.

فأين يكمن الحل؟ وهل تمتلك حكومة العبادي الجدية في حل عادل لمشكلة محافظة ديالى يضمن حقوق السنة فيها؟

كل المؤشرات تقول بأن ملف ديالى لم يعد شأنا عراقيا داخليا فقد أخذ هادي العامري توكيلا من جانب الجنرال الإيراني قاسم سليماني قائد فيلق القدس والزعامة الدينية الإيرانية للتحكم بشؤون المحافظة التي خرجت عن سيطرة حكومة بغداد، وهذا التطور الخطير يدعو إلى تحرك على الصعيدين العربي والدولي لإنقاذ ديالى من خطة تشييع دموية تعيد إلى الذاكرة ما كانت فلسطين قد شهدته قبل قيام دولة إسرائيل.

ولكن هذا لا يعني التنصل عن المسؤولية الوطنية لجميع الأطراف في مواجهة ما تخطط له إيران تحت سمع الرأي العام وبصره، من دون أن تلتفت إلى الوراء.

وهذا يتطلب إحراج من أوجد العملية السياسية بأنها عملية عرجاء، وذلك بخروج جماعي من السلطة التنفيذية والتشريعية، فهل هناك قدرة وشجاعة على الإقدام على خطوة كهذه؟ أم أن إيران قادرة على المجيئ بأشخاص هيئتهم لمثل هذا الظرف الاستثنائي؟

..................................................

 

عبد الله العمادي ، كاتب قطري

بكل اختصار ودون كثير شروحات وتفصيلات، فإن ما يجري في ديالى هو تطهير طائفي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فماذا يمكن أن نسمي قتل الأهالي على الهوية ،وتدمير مساجد أهل السنة على يد الميليشيات الشيعية؟ إنه دون ريب تطهير طائفي بحت، ودفع أو إجبار للأهالي على الخروج، شاءوا أم أبوا، بطريقة وأخرى، لكي يتم تمهيد المحافظة تدريجياً وتحويلها إلى جغرافية شيعية بامتياز، يسهّل الأمر على طهران الوصول إلى بغداد لأي غرض شاءت، بالإضافة إلى تأمين مساحة لا بأس بها لتامين الحزام الحدودي مع العراق، تكون المحافظة التي تنتظر سكاناً جدد، إحدى النقاط الحدودية التي تعمل على تأمين الجارة الكبرى ايران، من أي ارتدادات سنية محتملة على المدى القريب أو البعيد.

 التطهير الطائفي في ديالى لابد له من فزعة إقليمية، قبل أن تكون دولية، باعتبار أن ما يجري هو أقرب إلى أن تكون إبادة جماعية، الأمر الذي يخالف كل القوانين الدولية، وبالتالي يتطلب تدخلاً دولياً سريعاً، وإن أي مماطلة في ذلك، ستكون نتيجتها استمراراً للجريمة وبالتالي انتقالها إلى محافظات أخرى على الخط الحدودي مع إيران، ولا تنتهي حتى يكتمل الحزام الحدودي، وتتحول كل المحافظات إلى شيعية موالية لنظام ولاية الفقيه، تعمل جميعاً على أن تكون حزاماً دفاعياً أو خط الدفاع الأولي لإيران ضد كل ما يمكن أن يكون خطراً محتملاً عليها.

أحسبُ أن النظام الدولي الذي استمر يتعامى عن مأساة مضايا السورية لشهور عدة، ورأى الناس كيف تموت جوعاً، لن يلتفت كثيراً إلى ديالى وأحداثها،  في ظل ما يمكن أن يُفهم من الأحداث على أنه توافق شبه معلن على تمكين الشيعة من جغرافيات عراقية واسعة، ضمن ترتيبات دولية أوسع لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: واحدة للشيعة وأخرى للسنة وثالثة للأكراد.. فما كنا نقرأه في تقارير القوى الكبرى قبل سنوات مضت حول مشروع التقسيم، بدأت الأحداث المتجسدة على أرض الواقع، تثبت أن تلك التقارير لم تكن هزلاً أو نوعاً من الترف البحثي والفكري، وإن تنفيذ مشروع تقسيم العراق جار على قدم وساق، وإن الهزل كان في عدم قراءة  تلك التقارير والإشارات بشكل عميق، فيما يأتي الهزل الأكبر والمتمثل في هذا التواطؤ الدولي الفاضح على تقسيم دولة أو قوة عربية، وبأيدي إيرانية ذات روح طائفية وعرقية عنيفة، قد بانت آثارها على أجساد الأهالي في ديالى وعلى دورهم ومساجدهم وغيرها كثير.

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة